أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    19-Feb-2026

فوضى الطعام أمام اختبار رمضان.. كيف نكبح الهدر؟

 الغد-فرح عطيات

 مشهد يتكرر يومياً في البيوت الأردنية، مع حلول شهر رمضان، من موائد عامرة، وأطباق تتزاحم قبيل أذان المغرب، وعادات اجتماعية تُعلي من قيمة الكرم خلاله، لكنه يخفي وراءه مفارقة مقلقة تتلخص بارتفاع في الاستهلاك يقابله تزايد موازٍ في هدر الطعام، وبكلف اقتصادية وبيئية لا تقل ثقلاً عن أي عبء معيشي آخر.
 
 
أرقام شبه رسمية تشير إلى زيادة استهلاك بعض السلع الغذائية خلال رمضان بنسبة تتراوح بين 30 % و%35، لا سيما اللحوم والدواجن، في وقت يبلغ فيه معدل هدر الفرد نحو 81.3 كيلوغرام سنوياً، أي ما يعادل 6.7 كيلوغرام شهرياً، وبما يكفي– وفق تقديرات رسمية– لإطعام شخص آخر لمدة شهر كامل. 
ومع أن المنهجيات الدولية لا تقيس الهدر وفق المواسم، فإن المؤشرات المحلية تؤكد أن السلوكيات الاستهلاكية في رمضان تدفع الكفة نحو مزيد من الفاقد الغذائي، لا سيما في المنازل التي تتصدر قائمة القطاعات الأكثر هدراً.
بيئياً، لا يتوقف أثر الفائض على حدود المائدة؛ فبقايا الطعام التي تنتهي في المكبّات تتحلل وتطلق غاز الميثان، أحد أقوى الغازات الدفيئة تأثيراً، ما يضاعف من العبء المناخي على بلد يعاني أصلاً شحاً في المياه وضغوطاً على موارده.
سؤال الوعي
وبين وفرة اللحظة الرمضانية وندرة الموارد، يبرز سؤال الوعي والتخطيط كمدخل حاسم لضبط بوصلة الاستهلاك، وتحويل قيم الاعتدال التي يحملها الشهر الفضيل إلى ممارسة يومية تحدّ من الهدر وتحفظ النعمة.
ولا توجد دراسات متخصصة حول نسب هدر الطعام في شهر رمضان تحديداً؛ لأن المنهجية الدولية المعتمدة لقياس نسب الهدر لا تعتمد المواسم المتعارف عليها من أعياد، أو أعراس، وغيرها، وفق مدير مديرية الإحصائيات الزراعية والبيئية في دائرة الإحصائيات العامة م. تامر الروسان.
لكن ثمة دراسات شبه رسمية تشير إلى أن نسبة استهلاك بعض المنتجات الغذائية تزيد في شهر رمضان بنحو 30 % إلى 35 % مثل الدواجن واللحوم، علماً أن معدل هدر الفرد للطعام في الشهر 6,7  كيلو غرام، أي ما نسبته 81,3 كيلو غرام في العام الواحد، وبمعدل 56 ألف سعر حراري، بحسبه.
وأضاف الروسان في تصريحات لـ"الغد"، أن متوسط الاحتياج اليومي لشخص بالغ، يزن نحو سبعين كيلو غراما، يبلغ 2000 سعرة حرارية، وذلك الأمر يفضي إلى أن كمية الطعام المهدور شهرياً (6,7  كيلو غرام) من فرد واحد يطعم شخصا آخر لمدة شهر كامل.
وذلك الأمر يعطي مؤشراً واضحاً أن نسبة الاستهلاك بالضرورة سترتفع معها نسب هدر الطعام إلى 30 % كذلك، وقد تكون أكثر من ذلك، لأن السلوكيات للأفراد هي ذاتها لم تتغير، نتيجة تدني الوعي المتعلق بالولائم والعزائم، وفق قوله.
ولفت إلى أن سكان المملكة، وبحسب دراسة للعامين 2024 و2025، فإنهم يهدرون ما يقارب مليون طن، والتي تُطعم مليوني فرد لمدة عام واحد، في وقت يأتي فيه قطاع المنازل في المرتبة الأولى بكميات الطعام المهدرة وليس المطاعم، باعتبار أنها المستهلك الأكبر للمنتجات الغذائية.
وبين أن قطاع المطاعم يضع العديد من المحددات المتعلقة بتخفيض نسب الهدر، تفادياً لتكبد الخسائر المالية، إذ إن مرحلة التقديم هي أعلى مرحلة يهدر فيها الطعام.
وأما في قطاع الفنادق، وفق الروسان، فإن أعلى نسبة هدر تنتج عن سلوكيات الموظفين، بحيث تبلغ نسبة الهدر في القطاعين وأثناء عملية الإعداد والتجهيز حوالي 42 %، وأما في المنازل فإنه يكثر بعد عملية تناول الطعام. 
وحول المجموعات الغذائية التي ينتج عنها هدر في الطعام من الأسرة، فأجملها الروسان بـالخضراوات التي تحتل المرتبة الأولى بنسبة 34 %، تليها الفواكه 32 %، ومن ثم المشروبات من عصائر وغيرها بنحو 12 %، واللحوم البيضاء والحمراء بما يقدر بـ4 %، فالبقوليات والحبوب 3 %، ثم القمح ومنتجاته 2 %، والرز 2 %، في حين أن الزيوت والسكريات أقل من 1 %.
أسباب الهدر
وتعود أسباب ارتفاع الهدر في الخضار والفواكه، بحسب الروسان، إلى كونها طازجة وسريعة التلف، ولا يوجد تخطيط مسبق للاحتياجات، بمعنى أن معظم الأسر تشتري هذه المنتجات بما يفوق احتياجاتها، وخاصة إذا كانت أسعارها منخفضة.
وأضاف إن الهدر يعد ظاهرة عامة وتشمل كافة محافظات المملكة وبنسب متقاربة، لكن الأقل في نسبة الهدر هي محافظة عجلون، إذ إن متوسط هدر الطعام للفرد لا تتجاوز 71 كيلوغراما في العام، بينما تعد محافظة الزرقاء الأعلى بحصة الفرد، بنحو 86,6 كيلوغرام، تليها محافظة مادبا بحوالي 85 كيلوغراما للفرد الواحد.
ورغم تلك الإحصائيات والمؤشرات، لكن الروسان أكد أن الهدر لا يرتبط بالوفرة الاقتصادية، وإنما بالسلوكيات والعادات والتقاليد، إذ إن متوسط المستجيبين مع دراسة دائرة الإحصاءات وممن كان دخلهم أقل من 400 دينار بلغ نحو 35 %، و39 % يتقاضون ما بين 400 لـ800 دينار، ومن تبقى يتقاضون أعلى من 800 دينار.
ومن إحدى المفارقات التي أوردها، أن عملية الشراء لا تنحصر بالسيدات فقط، وإنما تشمل الرجال والشباب كذلك، إذ إن 76 % ممن يتحكمون في جانب التغذية في المنازل هم الذكور، وما نسبته 33 % هم الإناث.
مضاعفات بيئية
بيئياً، يترك هدر الطعام في شهر رمضان أثراً مضاعفاً على الأردن، لأن الجزء الأكبر منه يهدر، بل وينتهي كنفايات عضوية في المكبّات، وفق الناطق الإعلامي باسم وزارة البيئة المهندسة شروق أبو طالب.
وأضافت أبو طالب قائلة: "عندما تتحلل النفايات العضوية داخل المكبّات بغياب الأكسجين، تتولد انبعاثات غاز الميثان، والذي يعد من الغازات الدفيئة الأقوى تأثيراً". 
وبحسب التقارير الوطنية، يشكّل قطاع النفايات جزءاً رئيساً من انبعاثات المملكة التي بلغت في 2023 نحو 2729 جيجا جرام من مكافئ ثاني أوكسيد الكربون، مع هيمنة واضحة لانبعاثات المكبّات ضمن هذا القطاع.
ولفتت لـ"الغد" إلى أن تركيبة النفايات البلدية في الأردن يغلب عليها المكوّن العضوي/الغذائي؛ في وقت تبين فيه أن "المكبّات" هي المصدر الأكبر لمكافئ ثاني أكسيد الكربون، إذ تُظهر جداول الجرد في تقرير الشفافية الأول أن التخلص من النفايات الصلبة (Solid waste disposal) شكّل 2,528.82 طنا مكافئا من إجمالي ما أنتجه قطاع النفايات المقدر بـ2,729.10 أطنان.
وعملياً، وفق قولها، فإن ذلك يعني أن كل زيادة موسمية في هدر الطعام تتحول لتُشكل عبئاً كبيراً على المكبّات، لما تنتجه من انبعاثات مضاعفة من غاز الميثان، وروائح وعصارة (leachate)، إلى جانب الضغط على خدمات الجمع والنقل والمعالجة.
وبناء على ذلك لا تتعامل الوزارة مع هدر الطعام كحملة توعوية فقط، بل كمسار ضمن الإطار الوطني للعمل المناخي، كما ذكرت.
وأوضحت أن قطاع إدارة النفايات في المساهمات المحددة وطنياً للأردن، يعد أحد القطاعات المستهدفة بإجراءات تخفيف واضحة، تشمل تقليل النفايات من المصدر، وتحسين الإدارة المتكاملة للنفايات. 
وبينت أن رؤية وثيقة المساهمات المحددة وطنياً في تحديثها الثالث تؤكد انتقال إدارة النفايات باتجاه نموذج الاقتصاد الدائري، والبناء على مرافق التسميد التي أُنشئت سابقاً، والاعتماد على الحلول الناجعة مثل الفرز العضوي ومعالجته بدلاً من طمره، وهذه إجراءات لها أثر مباشر على خفض انبعاثات الميثان.
ومن منظور التكيف أيضاً، أكدت أبو طالب أن هدر الطعام يعني هدراً آخر في المياه، والطاقة والمواد المستهلكة في إنتاجه، ونقله وتبريده، ما يزيد من الضغط على موارد الأردن في ظل شح المياه، وتزايد المخاطر المناخية. 
وشددت على أن تقليل هدر الطعام يخفف من النفايات العضوية الداخلة للمكبّات، ويخفض انبعاثات الميثان، ويقلل الضغط على الخدمات البلدية، ويخدم مسار الاقتصاد الدائري الذي تؤكده السياسة الوطنية لتغير المناخ للأعوام 2022–2050 كوثيقة توجيهية للقطاعات.
آليات العلاج
وحول الآلية التي سيعالج فيها البرنامج التنفيذي للحد من الإلقاء العشوائي والإستراتيجية الوطنية للنفايات هذه الظاهرة، أكدت أبو طالب أن محاوره تتضمن التعامل مع النفايات بمختلف أنواعها، ومن بينها مخلفات بقايا الأطعمة، والتي تشكل أكثر من 50 % من مجموع النفايات الصلبة البلدية الواردة إلى المكبات المعتمدة.
لذلك، وبحسبها، فإن الوزارة وضمن خطتها في تحسين النظافة العامة وتعزيز البنية التحتية، وبالتعاون مع الوزارات المعنية، ستركز على هذا النوع من النفايات، حيث وضعت وزارة الإدارة المحلية خطة النظافة العامة للعام 2026.
وتسعى الخطة إلى تكثيف أعمال النظافة، وتشديد الرقابة على عمال الوطن العاملين في هذا القطاع، لضمان استمرارية الحفاظ على النظافة في مختلف محافظات المملكة، بالإضافة إلى زيادة أعداد الحاويات بمختلف السعات، وسلال المهملات المعلقة في كافة بلديات الأردن.
وتلك الخطة تهدف وفق ما أشارت إليه أبو طالب لتسهيل عملية التخلص من النفايات، فيما يجري حالياً طرح عطاءات لتنظيف الطرق الخارجية من خلال شركات متخصصة، ومن القطاع الخاص.
ولا يقتصر الأمر على ذلك بل إن الخطة تركز على الجانب التوعوي، حيث ستعمل على تعزيز دور البلديات في نشر الوعي بين فئات المجتمع المحلي، من خلال القيام بحملات نظافة بشكل أسبوعي ودوري لكل بلدية، تُشجع على النظافة العامة، والحد من ظاهرة الإلقاء العشوائي للمخلفات، ومنها بقايا الأطعمة.
وأما على صعيد أمانة عمان الكبرى فأكدت أنها ستتعاقد الفترة القادمة مع شركات من القطاع الخاص لتولي مسؤولية إدارة النفايات داخل حدود العاصمة، بما فيها أعمال النظافة والجمع، والنقل والتخلص منها، إما بإعادة التدوير، أو التخلص الآمن للنفايات غير القابلة لإعادة التدوير عبر مكب الغباوي.
وهذه العملية، تبعا لأبو طالب، ستكون بإشراف مباشر من شركة رؤية عمان للمعالجة وإعادة التدوير، والتي ستؤدي إلى رفع مستوى النظافة العامة، والحد من الإلقاء العشوائي للنفايات، والعمل على تشجيع إعادة تدوير بقايا الأطعمة للاستفادة منها في منتجات أخرى مثل إنتاج الأسمدة العضوية للتربة.
تعليمات بيئية
ولتعزيز مفاهيم الاقتصاد الدائري للاستفادة من النفايات المختلفة، عملت وزارة البيئة على إصدار تعليمات المتطلبات البيئية والفنية لفرز المواد القابلة لإعادة التدوير من النفايات الصلبة غير الخطرة من مصدرها لسنة 2025، كما أفادت أبو طالب.
وشددت على أن تلك التعليمات ستطبق على المنشآت الصناعية والتجارية، وفق مراحل زمنية محددة لتطبيقها، ما يلزم أصحابها بفرز نفاياتها، والاستفادة منها كقيمة اقتصادية، ومنها بقايا الأطعمة.
ومن بين الخطوات التي عملت الوزارة على اتخاذها، وفق قولها، إعداد خطة إعلامية من خلال وزارة الاتصال الحكومي، لرفع الوعي بضرورة الحد من ظاهرة هدر الطعام خلال شهر رمضان، والتي تركز على بقايا الأطعمة المتولدة من المنازل والمطاعم، والفنادق ومختلف القطاعات الأخرى.
ومن بين أهداف الخطة، تعزيز ثقافة الاعتدال في الاستهلاك، والحد من المبالغة في إعداد كميات الطعام، والتشجيع على التخطيط المسبق لشراء مستلزمات إعداد الأطعمة، بناء على الاحتياجات الفعلية للأسرة.
ووفق تفاصيل الخطة، سيجري العمل على حث القطاعات الأخرى على إعادة تدوير الأطعمة المتولدة لديها مثل الفنادق والمطاعم، وموائد الرحمن، من خلال توزيعها على الفقراء والمحتاجين، بالتعاون مع الجمعيات الخيرية، وتشجيع المبادرات المجتمعية على مستوى الأفراد.  
ولكن وللحد من ظاهرة هدر الطعام خلال شهر رمضان، تؤكد وزارة البيئة أن دور المواطنين أساسي ومكمّل للجهود الحكومية، إذ تعتمد الخطط الرمضانية على تعزيز الوعي، وتغيير السلوكيات اليومية المرتبطة بالاستهلاك وإدارة النفايات.
ودعت أبو طالب المواطنين إلى إعادة استخدام الطعام المتبقي بشكل صحي، أو التبرع به للجمعيات الخيرية، بما يعزز التكافل الاجتماعي ويقلل الهدر، ووضع النفايات في الأماكن المخصصة لها، والمحافظة على نظافة الأحياء والمرافق العامة، خصوصًا بعد الإفطار والتجمعات الرمضانية.
كما حثتهم على المشاركة في حملات النظافة والتوعية التي تُنظم خلال الشهر الفضيل، ونشر الثقافة البيئية بين أفراد الأسرة والمجتمع.