الغد
أكد اقتصاديون أن تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، وبخاصة المتعلقة برفع سن التقاعد تدريجيا وتوسيع قاعدة المشتركين، ستسهم في تحقيق وتعزيز الاستدامة المالية طويلة الأمد للضمان من دون الإخلال بالعدالة الاجتماعية.
وقالوا إن هذه التعديلات التي سيستمر الحوار حولها قبل دفعها لمجلس النواب تتوافق مع توجهات العديد من الدول العربية والأجنبية نحو إعادة هيكلة أنظمة التقاعد لديها، والمتغيرات الاقتصادية والديموغرافية التي يشهدها العالم منذ عقود.
ويهدف مشروع القانون المعدِّل لقانون الضَّمان الاجتماعي لسنة 2026، الذي أقره مجلس الوزراء أول من أمس، بحسب الأسباب الموجبة له، إلى تعزيز منظومة الحماية الاجتماعية وتوسيعها بشمول فئات جديدة، وتحقيق التوازن بين حقوق المؤمَّن عليهم، وتعزيز استدامة النظام التأميني.
تعديلات دورية
وقال مدير عام غرفة صناعة الأردن د. حازم الرحاحلة، إن التحديات التي يمر بها الضمان الاجتماعي لا يمكن النظر إليها بوصفها حالة استثنائية ينفرد بها الأردن دون غيره، فالمتغيرات الاقتصادية والديموغرافية التي يشهدها العالم منذ عقود، وتلك المتوقعة خلال المرحلة المقبلة، دفعت العديد من الدول، ولا سيما المتقدمة منها، لإجراء تعديلات دورية على تشريعات الضمان الاجتماعي، وفي كثير من الحالات كانت هذه التعديلات أكثر عمقا وحدة مما هو مطروح حاليا في مشروع القانون المعدل.
وأضاف، إن ارتفاع متوسط العمر المتوقع، مقابل انخفاض معدلات الإنجاب، وما يترتب على ذلك من تزايد نسبة كبار السن مقارنة ببقية السكان، واختلال العلاقة بين الاشتراكات المحصلة والرواتب التقاعدية المدفوعة، تمثل جميعها ضغوطا هيكلية تثقل كاهل منظومات الضمان الاجتماعي في معظم دول العالم.
وتابع، اليوم نقف أمام حاجة ملحة للتعامل مع هذه التحديات بصورة استباقية ومسؤولة، فتأجيل المعالجة سيؤدي حتما لفرض إصلاحات أكثر عمقا وحدة في المستقبل، ولعل المسألة الأكثر أهمية في هذا السياق تتمثل بمبدأ التدرج الذي يتضمنه مشروع القانون المعدل، فطالما أن هذا المبدأ حاضر، فإن تفاصيل وآليات تطبيقه تظل مجالا مشروعا للنقاش والحوار البناء.
وشدد، على أن يتم بموازاة ذلك، التوسع بأدوات الحماية المكملة، وفي مقدمتها التوسع بمنافع تأمين التعطل عن العمل بصورة ملموسة للفئات التي ستشملها التعديلات المقترحة، إضافة إلى مراجعة أحكام قانون العمل بما يوفر مظلة حماية أوسع للعاملين، ويحقق توازنا أفضل بين متطلبات الاستدامة المالية وضمان العدالة الاجتماعية.
إدارة متوازنة
من جانبه، أكد المدير العام لجمعية رجال الأعمال الأردنيين طارق حجازي، أن الاتجاهات الراهنة في عدد من الدول نحو إعادة هيكلة أنظمة التقاعد تنطوي على آثار اقتصادية متباينة تتطلب إدارة متوازنة.
وأوضح، أن الجوانب الإيجابية لهذه السياسات تتمثل في تعزيز استدامة صناديق التقاعد، وتخفيف الضغوط على المالية العامة، وزيادة مشاركة القوى العاملة في النشاط الاقتصادي، بما ينعكس إيجابا على معدلات الإنتاجية والنمو الاقتصادي، ويعزز ثقة المستثمرين واستقرار بيئة الأعمال.
وبين، أن رفع سن الإحالة للتقاعد بشكل تدريجي يسهم بزيادة حجم القوى العاملة الفاعلة، ويحد من تسارع كلفة الإنفاق على أنظمة التقاعد، فيما يعزز توسيع قاعدة المشتركين تدفقات الاشتراكات ويقوي الملاءة المالية للصناديق، ويوفر حيزا ماليا للإنفاق التنموي والاستثماري.
حماية للأجيال القادمة
بدوره، قال الخبير في الشأن الاقتصادي منير ديه، إن التعديلات التي أقرّتها الحكومة على قانون الضمان الاجتماعي تحمل في طياتها حماية للأجيال القادمة ومعالجة لأهم التحديات التي تؤثر على المركز المالي للمؤسسة، وهي التقاعد المبكر وكذلك التشدد في حالات التهرب من الاشتراك في مظلة التأمينات الاجتماعية.
وقال: “الدراسة الاكتوارية التي أجرتها مؤسسة الضمان الاجتماعي أشارت إلى قرب الوصول إلى نقطة التعادل الأولى بعد أقل من أربع سنوات، وأن نسبة التقاعد المبكر وصلت إلى أكثر من 64 % من إجمالي أعداد المتقاعدين، بينما تبين الدراسات العالمية عدم تجاوز هذه النسبة لأكثر من 25 %، كما بيّنت أن فاتورة التقاعد المبكر تجاوزت 61 % من قيمة إجمالي رواتب المتقاعدين”.
وتابع: “بعد الدراسة التي أجراها المجلس الاقتصادي والاجتماعي، والتي أخذت بعين الاعتبار مختلف مؤسسات المجتمع المدني والعديد من أصحاب الاختصاص، وحرصا على استدامة الاستقرار المالي لمؤسسة الضمان الاجتماعي والابتعاد قدر الإمكان عن الوصول إلى نقطة التعادل، كان لا بد من إجراءات وتعديلات واضحة على قانون الضمان الاجتماعي عبر رفع سن التقاعد المبكر وزيادة أعداد المشمولين تحت مظلة الضمان الاجتماعي، وإصلاحات هيكلية في مؤسسة الضمان الاجتماعي”.
منظومة أمان
من جهته، قال الخبير التنموي د. محمد الفرجات، إن أنظمة الضمان الاجتماعي ليست صناديق ادخار فحسب، بل هي منظومة أمان اجتماعي تمسّ الاستقرار الأسري وسوق العمل ومستقبل الأجيال. وأشار إلى أنه من الضروري عند بحث أي تعديل أن تُؤخذ بعين الاعتبار المؤشرات الديموغرافية، وفي مقدمتها متوسط العمر المتوقع للسكان، وطبيعة سوق العمل، ونسب البطالة بين الشباب.
وبين أن حماية أموال المشتركين يجب أن تبقى خطا أحمر، بحيث لا يُسمح بأي تغول أو استخدام غير مدروس لأموال صندوق الضمان، باعتبارها ملكا للمشتركين والمتقاعدين .-(بترا)