أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    14-Jul-2026

المال العام في عصر الذكاء الاصطناعي: من مكافحة الفساد إلى هندسة النزاهة

 د. مروة بنت سلمان آل صلاح

 لطالما ارتبطت مكافحة الفساد بفكرة البحث عن الخطأ بعد وقوعه؛ ملف يفتح بعد اكتشاف التجاوز وتقرير يصدر بعد حدوث الضرر وإجراء رقابي يأتي غالبا لمعالجة النتيجة وليس لمنع السبب، غير أن التحولات التي يشهدها العالم اليوم، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، تفرض سؤالا مختلفا: هل يمكن أن ننتقل من إدارة الفساد بعد وقوعه إلى تصميم أنظمة تقلل احتمالية حدوثه منذ البداية؟
 
 
هذا السؤال يمثل تحولا في فلسفة الإدارة العامة؛ فالهدف لم يعد الاكتفاء بملاحقة المخالفات، بل بناء مؤسسات تكون النزاهة جزءا من هندستها التشغيلية. ومن هنا يبرز مفهوم هندسة النزاهة؛ أي تصميم السياسات والإجراءات والبيانات والحوكمة بطريقة تجعل السلوك النزيه هو المسار الطبيعي للعمل، بينما تصبح فرص الانحراف أكثر صعوبة وأعلى تكلفة.
فالذكاء الاصطناعي لا ينبغي النظر إليه باعتباره بديلا عن الإنسان ولا أداة سحرية قادرة على إنهاء الفساد، بل باعتباره محركا لتحسين جودة القرار العام، فهو يتيح للمؤسسات تحليل ملايين البيانات واكتشاف الأنماط غير الطبيعية وقياس الأداء بصورة مستمرة وتقديم إنذارات مبكرة قبل تحول المخاطر إلى أزمات.
وهنا يكمن الفارق بين الرقابة التقليدية والرقابة الذكية؛ فالأولى تراجع الماضي بينما تساعد الثانية على استشراف المستقبل، إنها تنقل الإدارة العامة من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة الوقاية.
فالفساد لا يبدأ دائما بقرار كبير أو مخالفة مالية مباشرة، بل يبدأ غالبا من تفاصيل صغيرة داخل النظام الإداري؛ إجراءات غامضة، صلاحيات غير محددة، ضعف في توثيق القرارات أو غياب مؤشرات الأداء. وكلما ازدادت المساحات غير المرئية داخل المؤسسة ازدادت احتمالات ضعف الثقة وإهدار المال العام.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تكلفة الفساد عالميا تبلغ نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنويا، وهي خسارة لا تتمثل فقط في الأموال المهدرة، بل تمتد إلى انخفاض جودة الخدمات العامة وتراجع الاستثمار وإضعاف ثقة المواطنين بالمؤسسات.
كما يؤكد مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية استمرار هذا التحدي؛ إذ بلغ المتوسط العالمي في العام 2023 نحو 43 من أصل 100، وهو ما يعكس أن الأدوات التقليدية وحدها لم تعد كافية وأن المرحلة المقبلة تتطلب بناء أنظمة تعتمد على التحليل الاستباقي وإدارة المخاطر.
وبالنسبة للأردن، فإن هذا التحول ينسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي وبرنامج تحديث القطاع العام اللذين يستهدفان رفع كفاءة المؤسسات الحكومية وتحسين بيئة الأعمال وتعزيز جودة الخدمات؛ فالتحول الرقمي الحقيقي لا يعني تحويل الورق إلى شاشة، بل إعادة تصميم العمليات الحكومية نفسها.
فالإدارة الذكية لا يمكن أن تقاس بعدد التطبيقات الإلكترونية، وإنما بقدرتها على جعل القرار أكثر شفافية والخدمة أكثر عدالة والإجراءات أكثر قابلية للتفسير والمراجعة.
ومن هنا تظهر أهمية الذكاء الاصطناعي في إدارة المال العام، خاصة في مجالات التخطيط وتوزيع الموارد وتحليل الإنفاق وقياس كفاءة الأداء، فكل معاملة حكومية تترك أثرا رقميا يمكن تحويله إلى معرفة تساعد على اكتشاف مواطن الهدر وتحسين استخدام الموارد.
ويعد ملف العطاءات والمشتريات الحكومية من أكثر المجالات التي يمكن أن تستفيد من هذا التحول نظرا لما يمثله من أهمية في إدارة الإنفاق العام، فالذكاء الاصطناعي قادر على مقارنة الأسعار وتحليل أنماط المنافسة ورصد العلاقات غير الاعتيادية واكتشاف المؤشرات التي تستدعي المراجعة قبل تحولها إلى خسائر مالية.
لكن هذه الأنظمة لا ينبغي أن تتحول إلى سلطة بديلة عن الإنسان، فالخوارزمية قد تكشف مؤشرات للمخاطر، لكنها لا تصدر حكما ولا تحدد المسؤولية القانونية، لأن القرار النهائي يجب أن يبقى بيد الإنسان، ضمن إطار مؤسسي واضح وخاضع للمساءلة.
وهنا يبرز مفهوم حوكمة الخوارزميات باعتباره أحد أهم متطلبات الإدارة الحديثة، فكل نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي في القطاع العام يجب أن يكون قابلا للتفسير والمراجعة والتدقيق وأن يخضع لضوابط تمنع التحيز وتحمي الخصوصية وتحدد المسؤولية عن القرارات التي يتخذها أو يوصي بها، فالثقة في الذكاء الاصطناعي لا تبنى على دقة نتائجه فقط، بل على شفافية آليات عمله أيضا.
ولا تكتمل هندسة النزاهة بالتركيز على الإجراءات والأنظمة فقط، لأن بداية أي منظومة ناجحة تكمن في جودة مدخلاتها، وفي مقدمتها صناع القرار والقيادات الإدارية، فالتعيينات التي لا تقوم على الكفاءة والاستحقاق والنزاهة، وإنما على المحاباة أو المصالح الضيقة، تؤدي إلى سلسلة متتابعة من القرارات الضعيفة وسوء تخصيص الموارد وانخفاض كفاءة الإنفاق العام. ومن هنا، فإن الفساد لا يبدأ عند اكتشاف مخالفة مالية، بل قد يبدأ منذ لحظة اختيار الشخص غير المناسب للموقع القيادي، لأن المدخلات الخاطئة تنتج مخرجات خاطئة، ولذلك فإن حماية المال العام تبدأ من بناء منظومة شفافة للتعيين والتقييم تعتمد الكفاءة معيارا أساسيا وتستفيد من تحليلات البيانات والذكاء الاصطناعي في دعم القرار، مع بقاء المسؤولية القانونية والأخلاقية بيد الإنسان.
إن التحول الحقيقي يحدث عندما يشعر الموظف بأن التكنولوجيا تمنحه قدرة أكبر على خدمة المواطن، ويشعر المواطن بأن الإدارة أصبحت أكثر عدالة ووضوحا وقابلية للمساءلة.
واليوم، يقف الأردن أمام فرصة استراتيجية لا تقتصر على امتلاك تقنيات حديثة، بل تتمثل في إعادة تعريف العلاقة بين التكنولوجيا والإدارة العامة، بحيث تصبح البيانات أساسا لصنع القرار وتتحول النزاهة من قيمة أخلاقية إلى خاصية مؤسسية يتم تصميمها وقياسها وتحسينها باستمرار.
فمستقبل حماية المال العام لن يقاس بعدد قضايا الفساد التي يتم اكتشافها، بل بعدد فرص الفساد التي تنجح الدولة في منعها قبل أن تولد، فالفساد ليس حدثا منفصلا، بل منظومة تبدأ بمدخلات غير سليمة وتنتهي بمخرجات تستنزف المال العام.
وعندما تصبح النزاهة جزءا من تصميم المؤسسة لا مجرد استجابة للمخالفة، تكون الدولة قد انتقلت فعلا من مكافحة الفساد إلى هندسة النزاهة.