رخص شحن المركبات.. هبوط الطلب لا يعني تراجع القطاع
الغد-رهام زيدان
أكد خبراء ومختصون في قطاع الطاقة أن تراجع عدد طلبات الحصول على رخص إنشاء محطات شحن المركبات الكهربائية، خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي، يعكس مجموعة من المتغيرات الاقتصادية والتنظيمية التي يمر بها القطاع، وفي مقدمتها ارتفاع كلف الاستثمار، والتعديلات التنظيمية والضريبية، إلى جانب انتقال سوق المركبات الكهربائية إلى مرحلة أكثر نضجا واستقرارا بعد أعوام من النمو المتسارع.
وشدد الخبراء على أن هذا المؤشر لا يعكس تراجعا في جاذبية الاستثمار أو مستقبل القطاع، بل يمثل تحولا طبيعيا في دورة نمو السوق، حيث أصبحت قرارات الاستثمار أكثر ارتباطا بدراسات الجدوى واختيار المواقع ذات الكفاءة الاقتصادية الأعلى، في ظل استمرار التوقعات الإيجابية لنمو القطاع على المدى الطويل.
وأظهرت بيانات هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن تراجع عدد الطلبات المقدمة للحصول على تصاريح ورخص لمحطات الشحن العامة للمركبات الكهربائية بنسبة 27 %، خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وبحسب البيانات، استقبلت الهيئة 77 طلبا لإصدار رخص وتصاريح لمحطات عامة لشحن المركبات الكهربائية، مقابل 106 طلبات خلال الفترة ذاتها من العام الماضي.
وعلى المستوى الشهري، استقبلت الهيئة خلال شهر أيار (مايو) الماضي 19 طلبا للحصول على رخص لمحطات شحن عامة، من أصل 34 طلبا في قطاع الكهرباء والطاقة المتجددة، مقارنة مع 20 طلبا لمحطات الشحن من أصل 106 طلبات في القطاع نفسه خلال الشهر ذاته من العام الماضي.
وفي هذا الإطار، أوضح رئيس نقابة أصحاب محطات المحروقات ومراكز التوزيع السابق فهد الفايز أن تراجع الطلبات يرتبط بعدد من العوامل الاستثمارية، وفي مقدمتها ارتفاع كلف إنشاء محطات الشحن، خاصة أن أسعار أجهزة الشحن السريع (DC) ما تزال مرتفعة ومتفاوتة، إلى جانب الكلف المرتبطة بتمديدات الكهرباء والمحولات اللازمة لتشغيل هذه المحطات.
وأضاف الفايز أن انخفاض أعداد المركبات الكهربائية التي تم تخليصها خلال النصف الأول من العام الحالي، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، انعكس على وتيرة التوسع الاستثماري، بالتزامن مع التغييرات التنظيمية والضريبية التي شهدها القطاع خلال الأعوام الثلاثة الماضية، والتي دفعت المستثمرين إلى اعتماد نهج أكثر حذرا في قراراتهم الاستثمارية.
وأشار إلى أن بعض المواقع تحتاج إلى تعزيز شبكة الكهرباء أو تركيب محولات خاصة، الأمر الذي يرفع كلفة المشروع ويزيد من مدة التنفيذ والتوصيل، مبينا أن إنشاء محطة شحن مستقلة يتطلب استثمارات أكبر مقارنة بإنشائها ضمن محطة محروقات قائمة، وهو ما يدفع العديد من المستثمرين إلى تفضيل النماذج الاستثمارية الأكثر كفاءة.
من جانبه، أكد الخبير في قطاع النفط هاشم عقل أن انخفاض طلبات الترخيص يعكس مزيجا من العوامل الاقتصادية والتنظيمية، ولا يمكن تفسيره باعتباره تراجعا في اهتمام المستثمرين.
وأوضح أن سوق المركبات الكهربائية في الأردن شهد خلال الأعوام 2023-2025 نموا سريعا، الأمر الذي أسهم في ارتفاع الطلب على إنشاء محطات الشحن وتقديم أعداد كبيرة من طلبات الترخيص، فيما شهد العامان 2025 و2026 تباطؤا نسبيا في واردات وتخليص المركبات الكهربائية نتيجة التعديلات الضريبية والتنظيمية وارتفاع الكلف، إلى جانب وصول السوق إلى مرحلة من التشبع الأولي.
وأضاف أن السوق دخل اليوم مرحلة أكثر نضجا، بعد منح تراخيص لعدد كبير من المحطات، في وقت ما تزال فيه محطات أخرى قيد الإنشاء أو التشغيل، وهو ما خفف الحاجة إلى التوسع بالوتيرة نفسها التي ميزت الأعوام الماضية.
وأشار عقل إلى أن جزءا من الاستثمارات الجديدة اتجه نحو إنشاء محطات شحن داخل محطات المحروقات أو المراكز التجارية القائمة، بدلا من إنشاء محطات مستقلة، بما يحقق كفاءة أعلى في استثمار البنية التحتية ويحد من الكلف التشغيلية، في ظل المنافسة المتزايدة والتغيرات التي طرأت على تعرفة الكهرباء. وأكد أن انخفاض عدد طلبات الرخص لا يعني تراجع الاستثمار في القطاع، وإنما يعكس مرحلة تصحيح ونضج طبيعية للسوق بعد فترة من النمو المتسارع، مع استمرار المؤشرات التي تدعم توسع القطاع مستقبلا.
بدوره، قال المستثمر في قطاع الطاقة فراس بلاسمة إن طلبات الترخيص لإنشاء محطات الشحن لا تمثل استهلاكا فعليا للكهرباء، ولا تعكس بصورة مباشرة عدد المركبات الكهربائية على الطرق، وإنما تعد مؤشرا استباقيا يعكس توقعات المستثمرين بشأن نمو السوق وجدوى الاستثمار خلال الأعوام المقبلة.
وأوضح أن قرار إنشاء محطة شحن يعتمد على مجموعة واسعة من العوامل، وليس فقط على عدد المركبات الكهربائية، ومن أبرزها حجم الحركة في الموقع، ومستوى اعتماد مالكي المركبات على الشحن المنزلي، وكلفة الربط الكهربائي والمعدات، وقدرة الشبكة، وسقف العمولة، وعدد المحطات المنافسة، وساعات التشغيل، ومعدلات الإشغال المتوقعة.
وأضاف أن تراجع طلبات الترخيص يعكس ارتفاع مستوى الدراسة والتدقيق في القرارات الاستثمارية، حيث أصبح المستثمرون أكثر حرصا على تقييم العوائد الاقتصادية، من دون أن يعني ذلك تراجعا في الإقبال على اقتناء المركبات الكهربائية.
وأشار بلاسمة إلى أن قراءة هذا المؤشر ينبغي أن تكون ضمن السياق الأشمل لتطورات سوق المركبات الكهربائية، إذ انخفض عدد المركبات الكهربائية المخلّص عليها للسوق المحلي من المنطقة الحرة في الزرقاء من 13,739 مركبة خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الماضي إلى 1,953 مركبة خلال الفترة نفسها من العام الحالي، بنسبة تراجع بلغت 85.7 %، كما انخفض إجمالي المركبات المخلّص عليها بمختلف أنواعها بنسبة 65.3 %.
ولفت إلى أن القرارات التنظيمية المتعلقة بحصر استيراد المركبات ضمن مواصفات فنية محددة، ووقف استيراد بعض المركبات المتضررة، أثرت في حركة الاستيراد، مبينا أن مشاريع البنية التحتية تحتاج إلى استقرار السياسات التنظيمية والضريبية حتى يتمكن المستثمرون من إعداد نماذج مالية دقيقة لمشاريع تسترد رأسمالها على مدى أعوام عدة.
وأكد أن نجاح محطات الشحن لا يقاس بعدد المركبات الكهربائية فقط، وإنما يعتمد أيضا على الموقع، وعدد المركبات التي تعتمد على الشحن العام، وحجم الحركة، وطبيعة الرحلات، وهو ما يجعل بعض المواقع أكثر جدوى وربحية من غيرها، مع احتمال وجود تشبع في بعض مناطق العاصمة والمراكز التجارية مقابل فرص واعدة للتوسع في محافظات ومناطق أخرى.
ودعا بلاسمة إلى التركيز على رفع نسبة المشاريع التي تصل إلى مرحلة التشغيل الفعلي، بدلا من الاقتصار على زيادة عدد التراخيص، من خلال إعداد خريطة وطنية تحدد مواقع محطات الشحن وقدراتها ونسب إشغالها، وتوجيه الحوافز نحو المناطق الأقل خدمة، إلى جانب التوسع في تطبيق حلول الشحن الذكي، والتعرفة الزمنية، وربط محطات الشحن بالطاقة الشمسية وأنظمة التخزين، بما يسهم في رفع كفاءة الشبكة الكهربائية وتعزيز استدامة القطاع. ويبلغ عدد محطات شحن المركبات الكهربائية العاملة في مختلف مناطق المملكة نحو 250 محطة، فيما حصلت أكثر من 1000 محطة شحن على تصاريح إنشاء، ما يعكس حجم الاستثمارات التي شهدها القطاع خلال الأعوام الماضية، ويوفر قاعدة قوية لمواصلة التوسع مستقبلا.
ويخضع شحن المركبات العامة والخاصة لتعرفة مرتبطة بالزمن اعتبارا من الأول من تموز (يوليو) 2024؛ حيث حددت فترة الذروة من الساعة الخامسة مساء وحتى الحادية عشرة ليلا، وتبلغ تعرفة الشحن المنزلي خلالها 160 فلسا، فيما تبلغ التعرفة في المحطات العامة 133 فلسا.
أما خارج فترة الذروة، الممتدة من الخامسة صباحا وحتى الثانية ظهرا، فتبلغ تعرفة الشحن المنزلي 108 فلوس، فيما تبلغ في المحطات العامة 103 فلوس، ولا تشمل هذه التعرفة العمولة التي تحدد هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن سقوفها.
من جهته، قال مدير عام شركة قعوار للطاقة حنا زغلول إن انخفاض طلبات الحصول على رخص محطات الشحن لا يعني تراجع سوق المركبات الكهربائية، بل قد يعكس وصول بعض المناطق إلى مستويات جيدة من تغطية خدمات الشحن، بالتزامن مع توسع استخدام الشحن المنزلي والعدادات المخصصة لهذا الغرض. وأضاف أن المواقع المناسبة لإنشاء محطات جديدة أصبحت أكثر انتقائية بعد استغلال العديد من المواقع المتميزة، فضلا عن توجه عدد متزايد من محطات المحروقات إلى دمج خدمات الشحن الكهربائي ضمن مرافقها، الأمر الذي عزز كفاءة البنية التحتية وخفف الحاجة إلى إنشاء محطات مستقلة.
وأشار زغلول إلى أن التطورات الإقليمية، وفي مقدمتها الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، أسهمت في ارتفاع أسعار أجهزة الشحن وكلف شحنها ونقلها، والتي تضاعفت مرات عدة، ما أدى إلى زيادة كلف الاستثمار وأثر في العائد المتوقع للمستثمرين، ودفع بعضهم إلى التريث في تنفيذ توسعات جديدة، بانتظار استقرار الظروف الإقليمية وانخفاض الكلف، وهو ما من شأنه أن يعيد الزخم للاستثمارات خلال المرحلة المقبلة.