اقتصاديون: منظومة الإمداد الغذائي في المملكة محصنة ضد التقلبات الجيوسياسية الراهنة
الغد-عبدالرحمن الخوالدة
مع احتدام الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تتكاثف المخاوف من التبعات الاقتصادية التي ستخلفها على دول العالم وخاصة المنطقة، بما فيها الأردن. وعليه يبدو بديهيا التساؤل حول السبل الممكنة لتحصين الاقتصاد الأردني من هذه التبعات وتخفيف حدتها وضمان استدامة سلاسل الإمداد.
وأكد خبراء اقتصاديون أن تراكم خبرات الاقتصاد الأردني في إدارة الأزمات ونجاحه في اختبارات سابقة مماثلة تعزز من قدرته على الصمود، كما تتيح له المحافظة على الاستقرار المعيشي رغم الصراع المتفجر في المنطقة.
واعتبر هؤلاء، في تصريحات لـ"الغد"، أن حجم التأثير على الاقتصاد الوطني مرتبط طرديا بـ"المعادلة الزمنية" واتساع رقعة الصراع.
ويرى الخبراء أن الاقتصاد الوطني محليا في "منطقة الاطمئنان" جراء كفاءة التعامل مع الأزمات السابقة، مؤكدين أنه في حال كانت الحرب خاطفة، ستظل خطوط التجارة وإمدادات النفط والغاز وسلاسل التزويد ميسرة دون زيادة ملموسة في كلف الشحن أو التأمين، مع الإشارة إلى أن السلوك الاستهلاكي للمواطنين ما زال طبيعيا ولم يرصد أي تهافت أو فزع في الأسواق.
وفي الوقت ذاته، طمأن الخبراء على قدرة الاقتصاد الوطني على استدامة سلاسل الإمداد، مؤكدين أن منظومة الإمداد الغذائي "شبه محصنة" بفضل الاعتماد الرئيس على البحر الأحمر والنقل البري كبدائل إستراتيجية لمضيق هرمز.
كما شدد هؤلاء على كفاءة الصناعة الغذائية والإنتاج الزراعي المحلي، مستذكرين تجربة الأردن الناجحة خلال جائحة كورونا التي أثبتت قدرة المنتج الوطني على سد الاحتياجات في أصعب الظروف السياسية واللوجستية.
في المقابل، حذر هؤلاء من سيناريو "الحرب الطويلة"، معتبرين أن قطاع الطاقة سيكون الضحية الأولى، حيث قد تقفز أسعار النفط لتتجاوز حاجز الـ 100 دولار في حال تأثرت الملاحة في مضيق هرمز أو توقف تدفق نحو مليوني برميل نفط يوميا، مما سيترك ضغوطا كبيرة على الاقتصاد الوطني وارتفاع كلف الإنتاج الغذائي والزراعي، عدا عن تراجع النشاط السياحي.
وبغية تحصين الاقتصاد الوطني وضمان تخففه من التبعات، دعا الخبراء إلى ضرورة تبني إستراتيجية "الاعتماد على الذات" كنهج مستدام وليس كإجراء طارئ، إضافة إلى أهمية دعم التصنيع المحلي، وتأمين تعاقدات مستقبلية طويلة الأجل للمواد الأساسية.
كما دعوا إلى تنويع مسارات الاستيراد وتعزيز "التخطيط اللوجستي المرن" الذي يربط بين النقل البري والبحري، لضمان استمرارية تدفق السلع تحت كافة الظروف الجيوسياسية، مؤكدين أن الاستثمار في المنتج الوطني والسائح المحلي هو الصمام الحقيقي للأمان الاقتصادي في ظل الظروف الراهنة.
وكانت شنت الولايات المتحدة وإسرائيل، في 28 من شباط (فبراير) الماضي، هجوما عسكريا واسعا على إيران وصفته بالإستباقي، أسفر عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد من القيادات العسكرية الرفيعة.
إذ دفع هذا التطور الدراماتيكي أطراف الصراع نحو تبادل كثيف للقصف والغارات الجوية وما زال مستمرا، وتجاوزت شراراته الحدود لتطول منشآت عدة في دول الخليج العربي.
تداعيات اقتصادية
وقال الخبير الاقتصادي طارق حجازي إن الصراع الإقليمي الدائر يمثل تحديا إستراتيجيا للاقتصاد الأردني، لموقع الأردن الجيوسياسي في منطقة تتأثر مباشرة بأي اضطراب في ممرات الطاقة وطرق التجارة.
وبالرغم من أن عددا من المؤسسات الدولية تصنف الأردن من الدول ذات المناعة الاقتصادية العالية والمستقرة. ولفت حجازي إلى أن الصراع المندلع في المنطقة حاليا يثير المخاوف من ترتيبه لتداعيات اقتصادية كبيرة في المنطقة بما فيها الأردن، ومن هذه التبعات تراجع الاستثمارات الأجنبية وبالتالي تراجع النمو الاقتصادي، وتراجع الأنشطة الاقتصادية، وارتفاع أسعار الطاقة والتكاليف التشغيلية الأخرى التي من شأنها خفض تنافسية الاقتصاد الوطني.
وفي ظل الظروف الراهنة دعا حجازي إلى ضرورة تفعيل خطة الطوارئ لدى الدولة لتنويع مصادر الطاقة لتقليل الاعتماد على مصدر واحد قد يتوقف نتيجة العمليات العسكرية، ورفع القدرة الاستيعابية للمخزون الاستراتيجي من المشتقات النفطية والغاز لضمان استمرارية القطاعات الإنتاجية لفترة أطول في حال إغلاق المضائق. وفي ما يتعلق باستدامة سلاسل الإمداد والأمن الغذائي أكد حجازي بأن الأردن يمتلك حاليا مخزونا من القمح والشعير يكفي لمدد تتراوح ما بين 10-12 شهرا، إلا أنه يجب العمل على تحديث وتوسعة المخزون، وتطوير مسارات بديلة برية في حال أي اضطرابات في الملاحة البحرية في البحر الأحمر أو مضيق هرمز.
كما بيّن أنه لا بد من احتواء التضخم إذا ما استمر أمد الحرب، من خلال تفعيل أدوات السياسة النقدية والمالية لامتصاص الصدمات السعرية الناتجة عن ارتفاع المشتقات النفطية وكل الشحن والتأمين.
مصدات اقتصادية وطنية متينة
بدوره اعتبر الخبير الاقتصادي زيان زوانة أن تراكم خبرات الاقتصاد الأردني في إدارة الأزمات تتيح له المحافظة على الاستقرار المعيشي رغم الصراع المتفجر في المنطقة. وأبدى زوانة ثقة عالية بقدرات الاقتصاد الوطني على الصمود، مستشهدا بنجاح المملكة في اختبارات سابقة، حيث أكد امتلاك الاقتصاد الوطني صناعة غذائية ذات مستوى متقدم، أثبتت كفاءتها في أزمات سابقة مثل جائحة كورونا.
وأشار إلى أن الإنتاج الزراعي المحلي الجيد يشكل صمام أمان يمنع أي تأثر سلبي فوري على الأسعار في المدى المنظور. وربط زوانة حجم التأثيرات الاقتصادية على المملكة نتيجة الصراع الحالي ب"المعادلة الزمنية" للصراع الإقليمي الراهن.
واعتبر زوانة أن التداعيات المترتبة على التصعيد (الأميركي الإسرائيلي الإيراني) ستكون محكومة بسؤال جوهري: "هل ستطول أمد هذه الحرب أم ستكون خاطفة؟". ففي سيناريو الحرب الخاطفة، يرى زوانة أنه في حال انتهت الحرب سريعا، فإن الاقتصاد العالمي والوطني سيخرج بأقل الخسائر، موضحا استقرار الأسعار، حيث لن تشهد أسعار الطاقة والسلع ارتفاعات ملموسة.
وفي ما يتعلق بسلاسل التوريد خلال هذا السيناريو، أكد ستبقى خطوط التجارة وإمدادات النفط والغاز مفتوحة وسلسة، ولن تضطر شركات التأمين أو النقل لرفع أجورها.
لذا يستبعد مع هذا السيناريو أن يطرأ تغيير حقيقي على الواقع المعيشي أو معدلات التضخم في المملكة.
وفي ما يتعلق بسيناريو الحرب الطويلة، وانزلاق المنطقة نحو صراع ممتد لأسابيع أو أشهر، فقد حذر زوانة من انعكاسات مؤكدة ستمس الجميع، حيث يتوقع أن يقود طول أمد الحرب إلى قفزات في كلف الشحن والتأمين، واختلالات عميقة في سلاسل التزويد العالمية، ما سيؤدي حتما لارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية والتجارة عالميا بشكل عام.
الاعتماد على الذات ضرورة وجودية لمستقبل الاقتصاد الوطني
من جانبه أكد الخبير الاقتصادي حسام عايش بأنه الأوان قد آن للأردن ليقلب موازين اعتماده الغذائي، والانتقال من استيراد احتياجات أساسية تتراوح قيمتها بين 4 إلى 5 مليارات دولار، إلى إستراتيجية قوامها الإنتاج والتصنيع المحلي.
وشدد عايش على أن العبرة الأساسية من الأزمات المتلاحقة في السنوات الخمس الأخيرة (كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، وحرب غزة) هي ضرورة بناء اقتصاد "محصن داخليا" يعتمد على السائح الوطني والمنتج المحلي، لتقليل كلف الاضطرابات الدولية المتزايدة. وطالب بوجوب تعزيز المخزون الإستراتيجي وتحويله من إجراءات مؤقتة إلى برامج عمل دائمة ومستدامة.
وشدد عايش على أن قدرة الأردن على التكيف مع تداعيات الحروب والأزمات السابقة يجب أن تكون دافعا اليوم لتعزيز الأمن التمويني والإنتاجي، معتبرا أن الاستثمار في المنتج الوطني هو السبيل الوحيد لتقليل الأعباء الناجمة عن حالة عدم اليقين التي تسيطر على العلاقات التجارية والسياسية الدولية. وعلى المقلب الآخر، حذر عايش من أن المواجهة الحالية بين أطراف الصراع (أمريكا وإسرائيل - إيران) تعد حربا غير مسبوقة قد تتجاوز بآثارها حروب الخليج السابقة.
وأوضح أن قطاع النفط سيكون الضحية الأولى، حيث تشير السيناريوهات العالمية إلى أنه في حال الإغلاق الجزئي لمضيق هرمز وبنسبة 10 %، سيرتفع سعر البرميل إلى ما بين 80 و85 دولارا.
أما في حال الإغلاق الكامل، فقد تقفز الأسعار لتتجاوز حاجز الـ 100 دولار. وبالنسبة للأردن، فإن هذا السيناريو يعني زيادة كُلف الطاقة بنسبة تتراوح بين 20 % و 30 %، مما سيُحمّل الخزينة عشرات الملايين من الدنانير الإضافية، ويزيد من عجز الميزان التجاري، ويُضعف تنافسية الصادرات الوطنية.
ولم تقتصر تحذيرات عايش على الطاقة، بل امتدت لتشمل قطاعات حيوية أخرى كالسياحة، إذ توقع انخفاضا أوليا في أعداد السياح بنسبة 10 - %20.
وفيما يتعلق بالاستثمار، أشار إلى احتمال تباطؤ أو تأجيل مشاريع كبرى بنسبة تصل إلى 20 %، مما قد يُغيّر الجداول الزمنية للإنجاز المقررة لمطلع عام 2026.
وبخصوص الشحن البحري، حذر عايش من أن استمرار الصراع لأكثر من شهر قد يرفع كُلف الشحن في المنطقة عبر باب المندب بنسبة تصل إلى 50 %.
الوضع التمويني في الأردن.. استقرار إستراتيجي وتعدد في خيارات الإمداد
وفي سياق طمأنة الشارع الأردني حول أمن التزود بالسلع، صرح ممثل قطاع المواد الغذائية في غرفة تجارة الأردن، جمال عمرو، بأن منظومة الإمداد الغذائي في المملكة "شبه محصنة" ضد التقلبات الجيوسياسية الراهنة.
وأوضح عمرو لـ"الغد" أن هذا الاستقرار يعود بشكل أساسي إلى عدم الاعتماد على مضيق هرمز كمسار رئيس في استيراد السلع الغذائية، حيث قال: "اعتمادنا يتركز على البحر الأحمر، بالإضافة إلى الدور المحوري للنقل البري في تأمين تدفق السلع الغذائية من مختلف المناشئ".
وحول قدرة المملكة على الصمود أمام أي إغلاقات محتملة لخطوط الشحن، كشف عمرو عن أرقام تعكس كفاية المخزون، مؤكدا أن السلع الغذائية الأساسية تتوفر بكميات تكفي لاستهلاك يزيد على 6 أشهر، كما تتوفر مادة القمح بمخزون إستراتيجي آمن يغطي احتياجات المملكة لنحو 9 أشهر.
وشدد عمرو على أنه لا يوجد ما يثير القلق حاليا بشأن تقطع سلاسل الإمداد، معللا ذلك بتنوع الخيارات اللوجستية المتاحة للأردن وقدرته العالية على التواصل مع الأسواق العالمية عبر مسارات بديلة ومرنة.
وعلى الرغم من هذه الطمأنة، لم يغفل عمرو الإشارة إلى التأثيرات المحتملة لتوسع الصراعات، محذرا من أنه في حال إطالة أمد الحرب أو اتساع رقعتها، سيكون لذلك تبعات مباشرة وغير مباشرة على سلاسل الإمداد في المنطقة بأكملها.
أما عن السلوك الاستهلاكي للمواطنين حاليا، فقد وصف عمرو بأنه "طبيعي وعقلاني"، مشيرا إلى غياب أي ظواهر للتدافع أو فزع للشراء في الأسواق، مما يعكس وعي المستهلك وثقته بتوفر السلع واستمرارية تدفقها.