أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    09-Feb-2026

التوجه إلى تقليص أيام العمل.. هل يخدم الاقتصاد الوطني؟

 الغد-عبد الرحمن الخوالدة

 في الوقت الذي كُشف فيه عن توجه حكومي لدراسة تمديد عطلة نهاية الأسبوع  إلى ثلاثة أيام مقابل زيادة ساعات العمل اليومية، انقسمت آراء خبراء بين مؤيد ومعارض لهذا المقترح. 
 
 
وفي حين يرى المؤيدون أن هذه الخطوة قد تساهم في تخفيف أعباء التشغيل وتحفيز التحول الرقمي، مع تحسين ظروف العمل للموظفين، يشير آخرون إلى أن أولويات وظروف الاقتصاد الوطني مختلفة، حيث أن تقليص أيام العمل في ظل معدلات نمو متواضعة وإنتاجية محدودة قد يترتب عليه آثار سلبية على جودة الخدمات ومستوى الأداء، فضلا عن الضغط على سوق العمل المحلي ومفاقمة مشكلة البطالة، ويزيد من الفجوة بين القطاعين العام والخاص. 
كما حذروا من أن تطبيق المقترح بدون ربطه بإعادة هندسة الإجراءات أو توسيع الخدمات الرقمية قد يؤدي إلى ضغط إضافي على الموظفين في الأيام المفتوحة، ويخلق شعوراً بعدم العدالة الاجتماعية.
وأكد الخبراء في تصريحات منفصلة لـ"الغد" أن الأولوية يجب أن تنصب على مواجهة التحديات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد الوطني، بما في ذلك رفع معدلات النمو، تحسين جودة الخدمات الحكومية، سد الفجوات في الخدمات الرقمية، وتطوير قدرات الإدارة العامة قبل التفكير في أي تقليص لأيام العمل، مؤكدين أن أي نموذج لأسبوع عمل أقصر لا ينجح إلا إذا ارتبط بتحولات تكنولوجية وإدارية شاملة تشمل الذكاء الاصطناعي، الأتمتة، وإعادة تصميم الخدمة بما يحقق الكفاءة والاستدامة.
وكانت نقلت وسائل إعلام حكومية عن مصادر رسمية دراسة الحكومة مقترحا يقضي بتعطيل المؤسسات الرسمية والدوائر الحكومية لمدة ثلاثة أيام أسبوعيا، باستثناء قطاعي الصحة والتعليم.
وأشارت المصادر إلى أن المقترح ما يزال فكرة متداولة وفي مراحله الأولية من الدراسة، لافتة إلى أن من المبكر الحديث عن أي قرار بهذا الشأن أو تحديد آليات تطبيقه.
نموذج ضغط الزمن 
وقال الأمين العام السابق لوزارة العمل حمادة أبو نجمة إن الحديث المتداول عن دراسة حكومية أولية لتمديد عطلة نهاية الأسبوع إلى ثلاثة أيام للجهات الإدارية والخدمية مقابل زيادة إجمالي ساعات العمل الأسبوعية بمقدار ساعتين، يأتي في لحظة تتقاطع فيها عدة اعتبارات مثل كلفة التشغيل في المباني الحكومية والضغط المروري وكلف النقل والطاقة وتنامي التوجه نحو الحكومة الإلكترونية وتقديم الخدمات رقميا، وفي نفس الوقت طبيعة الخدمة العامة وحقوق المواطنين في الوصول إليها، إضافة إلى الفجوة الاجتماعية المتوقعة بين أنماط عمل القطاع العام وأنماط عمل القطاع الخاص.
ويرى أبو نجمة أن تمديد عطلة نهاية الأسبوع إلى ثلاثة أيام مع زيادة ساعات العمل الأسبوعية ساعتين يقع عمليا ضمن نموذج "ضغط الزمن" أكثر من نموذج "تخفيض الزمن"، فهو لا يأخذ بمعيار منظمة العمل الدولية الأوضح الذي يدفع نحو التخفيض التدريجي للساعات العادية من 48 إلى 40 ولا يتبنى فلسفة تقليل الوقت كوسيلة لرفع الكفاءة وتقليل الإرهاق، بل يعيد توزيع الزمن على أيام أقل مع إطالة اليوم، ومن منظور المقارنة الدولية هذا ليس مستحيلا لكنه أكثر حساسية في القطاع العام لأن جودة الخدمة واستمراريتها للمواطنين تتأثر بسهولة بفكرة تقليص أيام فتح النوافذ الخدمية ما لم تكن الخدمات الرقمية مكتملة.
وفي المقابل فإن المبررات التي تطرح هي مبررات تنسجم مع اتجاهات حديثة في الإدارة العامة، على رأسها تخفيف كلف التشغيل والطاقة وتخفيف الازدحام المروري وتحفيز التحول الرقمي، وهذه الأهداف بحد ذاتها منسجمة مع منطق الإصلاح الإداري، لكن التحدي هو أن التجارب التي حققت وفورات دون كلفة خدمية عادة لم تعتمد زيادة الساعات كحل بل اعتمدت إعادة تصميم الخدمة وتقليل الهدر وفي نفس الوقت خفضت أيام العمل وساعات العمل على هذا الأساس.
 
الأبعاد الاقتصادية والإنتاجية 
واقتصاديا، بين أبو نجمة أنه يمكن أن تتحقق الفكرة وفورات تشغيلية فعلية في الطاقة والوقود والنقل إذا أغلقت المباني يوما إضافيا لكن هذه الوفورات ليست مؤكدة لأنها قد تقابلها كلف بديلة إذا أدى ضغط الخدمة إلى ازدحام أكبر في أربعة أيام أو إلى زيادة عمل إضافي لتغطية تراكم المعاملات أو إلى تمديد تشغيل أنظمة الطاقة لساعات أطول يوميا بما يستهلك جزءا من الوفورات، كذلك قد يتولد أثر اجتماعي سياسي حساس إذا اتسعت الفجوة بين القطاع العام والقطاع الخاص خاصة في سوق ما تزال فيه قطاعات واسعة تعمل ستة أيام وهو ما قد يخلق شعورا بعدم العدالة.
ومن الناحية الإنتاجية التجارب تقول إن طول يوم العمل إلى حدود 9.5–10 ساعات قد يضعف جودة الأداء خاصة في الساعات الأخيرة وبشكل واضح في الأعمال الإدارية والخدمية التي تعتمد على التركيز وجودة الخدمة وحسن التعامل مع الجمهور، أي تراجع في جودة الخدمة أو زيادة في زمن الانتظار سيظهر فورا في رضا المواطنين وثقتهم، لذا لا يصح افتراض أن زيادة ساعتين أسبوعيا ستعوض تلقائيا يوم خدمة أقل، لأن المسألة ليست حساب ساعات فقط بل إدارة طلب الخدمة وتوزيعها ورفع نسبة الخدمة الرقمية المكتملة.
واعتبر أبو نجمة أنه إذ كان الهدف المركزي هو تحسين الخدمة وتقليل الكلف ودفع الحكومة الإلكترونية فإن النموذج الأكثر انسجاما مع المعايير الدولية ومع التجارب الناجحة هو نموذج "الإصلاح أولا ثم تقليل الوقت"، أي أن تقليص الأيام أو الساعات يجب أن يكون ثمرة لتحسين الكفاءة وتقليل الهدر وليس مجرد تبديل جدول، ومن الناحية العملية يبدو الأنسب للأردن أن يتجه إلى تجريب مرحلي في وزارات أو مؤسسات محددة تتوافر فيها قابلية التحول الرقمي، وأن يكون التجريب أقرب إلى أحد خيارين إما الحفاظ على مجموع الساعات الأسبوعية وربط ذلك بإعادة هندسة إجراءات الخدمة، أو تخفيض محدود ومدروس للساعات العادية في وحدات محددة حيث يثبت أن الهدر الإداري مرتفع ويمكن استعادته بتقنيات بسيطة مثل الرقمنة وتقليل الاجتماعات وتبسيط الاجراءات وتقليص الازدواجية بين الخدمات الورقية والرقمية.
وأضاف بالنسبة لطبيعة الخدمة العامة فإن نجاح أي نموذج لأربعة أيام عمل في القطاع العام لا يتطلب فقط تعديل ساعات الدوام بل يتطلب أيضا تصميم خدمة جديد وتوسيع الخدمة الرقمية المكتملة وتوزيع مواعيد المراجعة على نوافذ إلكترونية وربما اعتماد مناوبات أو جداول مرنة لبعض الإدارات الخدمية لضمان ألا يتحول تقليص أيام فتح الدوائر إلى ضغط على المواطن أو إلى تراكم المعاملات، أما استثناء التعليم والصحة مبدئيا فهو منسجم مع المنطق لأن هذين القطاعين مرتبطان بخدمة مستمرة أو بزمن تربوي لا يمكن ضغطه بسهولة دون آثار جانبية كبيرة.
وأشار أبو نجمة إلى ان التجارب العالمية تنقسم إلى نموذجين مختلفين تماما، فهناك نموذج تخفيض مجموع ساعات العمل الأسبوعية، مثل فرنسا وايسلندا والمملكة المتحدة، أما النموذج الآخر فهو يعتمد على ضغط نفس الساعات في أيام أقل، فقد طبقت بلجيكا هذا النموذج إضافة إلى دولة الامارات العربية المتحدة.
تقليص أيام العمل من جوهر التحديث الإداري 
وقال الخبير الاقتصادي زيان زوانة إن خطة التحديث الإداري تمثل جوهر مسار الإصلاح في الأردن، باعتبار أن أي إصلاح اقتصادي أو مالي، مهما كان طموحا، يبقى رهينة قدرة بنية الإدارة العامة على تنفيذه نصا وروحا، أو على تعطيله وإفراغه من مضمونه.
ولفت زوانة إن التفكير الحكومي بتقليص أيام العمل الأسبوعية إلى أربعة أيام مقابل زيادة ساعات العمل اليومية، يجب ألا ينظر له كإجراء إداري معزول، بل كمدخل أوسع لإعادة إعادة تشكيل بنية الإدارة العامة والاقتصاد الأردني بما ينسجم مع التحولات العميقة التي تفرضها ثورة التكنولوجيا الحديثة.
ويؤكد أن الرهان الحقيقي لا يكمن في تخفيف كلف النقل أو الطاقة أو تحسين رفاه الموظف فحسب، بل في رفع إنتاجية الإدارة والاقتصاد معا، عبر ربط أي تعديل على أنماط العمل بإعادة هيكلة شاملة تستند إلى منجزات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المختلفة، من قواعد البيانات الضخمة، ومراكز الحوسبة، وأدوات الأتمتة، والأمن السيبراني، وغيرها.
وأشار زوانة إلى أن هذه الثورة التكنولوجية تمهد لنمو اقتصادي أعلى بوظائف بشرية أقل وكلف تشغيل أدنى، ما يفرض على صانع القرار أن يربط أي مقترح تنظيمي، كأسبوع العمل الأقصر، بمنظومة متكاملة تشمل إعادة تصميم التعليم، وبرامج التدريب، وبناء كوادر قادرة على التكيف مع الاقتصاد الرقمي، وتوجيه المجتمع والقطاعين العام والخاص نحو مفردات هذا التحول.
وأوضح زوانة أن الاقتصاد العالمي اليوم يتحرك وفق تفاعلات تتجاوز الحلول المحلية والجزئية، وإن تأخر الأردن عن مواكبة هذا المسار سيضعه على الهامش، بينما الاستثمار المبكر في الإدارة الذكية والإنتاجية المرتفعة قد يتيح له فرصة حقيقية ليكون في موقع الريادة لا التبعية.
الأولويات الاقتصادية الحالية تتقدم على تقليص أيام العمل
من جانبه، يرى مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والاجتماعية، أحمد عوض، أن التوجه الحكومي نحو تقليص عدد أيام العمل يتطلب تفكيرا معمقا، ودراسات وأبحاثا تقييمية شاملة لقياس جدواه وآثاره على منظومة العمل والاقتصاد المحلي، مستبعدا وجود رغبة حكومية جدية للمضي بهذا التوجه في الوقت الراهن.
ولفت عوض إلى أن الاتجاهات العالمية تميل حاليا إلى تقليص عدد أيام العمل، إلا أن ذلك يجري في دول تتمتع بمعدلات نمو مرتفعة ومستويات إنتاجية عالية، على عكس الواقع المحلي، حيث تسجل معدلات نمو متواضعة، إلى جانب انخفاض مستوى الإنتاجية، ما يجعل هذا التوجه غير مناسب للاقتصاد الأردني في المرحلة الحالية.
وأكد عوض أن تطبيق فكرة تقليص أيام العمل محليا قد يترتب عليه تبعات سلبية كبيرة على جودة الخدمات ومستوى الإنتاجية، كما سيفرض ضغوطا إضافية على القطاع العام، خاصة إذا اقتصر التطبيق على العاملين فيه دون غيرهم.
وأوضح أن بيئة العمل والاقتصاد المحليين يواجهان أولويات أكثر إلحاحا، من أبرزها تحسين جودة الخدمات الحكومية، وسد الفجوات في الخدمات المؤتمتة، إضافة إلى تحسين شروط وظروف العمل والبيئات المرتبطة به، ومعالجة الفجوة القائمة بين القطاعين العام والخاص.
وأشار عوض إلى أن تطبيق هذا المقترح على القطاع العام دون الخاص سيخلق إشكالية كبيرة، ويعمق الفجوة بين العاملين في القطاعين، كما قد يزيد من الأعباء على الحكومة في ملف توظيف النساء في القطاع العام تحت ضغط مجتمعي، فضلا عن خلق حالة من عدم الرضا والشعور بغياب العدالة اجتماعيا، مؤكدا ضرورة مراعاة الأبعاد المجتمعية عند التفكير في أي توجه من هذا النوع.
سوق العمل تحت الضغوط 
بدوره أكد الخبير الاقتصادي محمد البشير أن التوجه الحكومي نحو زيادة أيام العطل الرسمية إلى ثلاثة أيام يأتي في سياق التوسع المتزايد في تقديم الخدمات الحكومية إلكترونيا، وهو ما تدفع الحكومة من خلاله إلى تخفيف بعض الكلف والأعباء التشغيلية في الدوائر الرسمية، بما يستدعي تقليص أيام العمل.
وأوضح البشير أن اعتماد ثلاثة أيام عطلة قد يشكل ضغطا إضافيا على سوق العمل المحلي، إذ سيتجه عدد كبير من الموظفين إلى البحث عن أعمال إضافية خلال أيام العطل في القطاع الخاص، الأمر الذي قد يفاقم التحديات المرتبطة بالبطالة وسوق العمل، ما يجعل هذا التوجه غريبا في بلد يعاني أصلا من معدلات بطالة مرتفعة.
وأضاف أن غرابة هذا التوجه تزداد في ظل استعداد الحكومة لإطلاق عدد من المشاريع الكبرى خلال الفترة المقبلة، حيث إن تقليص أيام العمل قد يؤثر سلبا في إنتاجية هذه المشاريع، وينعكس بالتالي على معدلات النمو الاقتصادي.
وحذر البشير من معطى بالغ الخطورة يتمثل في إمكانية أن يشكل هذا القرار ذريعة لبعض المؤسسات الكبرى في القطاع الخاص لتقليص أيام العمل أو تخفيض الكوادر الوظيفية، وهو ما من شأنه تعظيم تحديات البطالة بدل معالجتها.
وشدد البشير على أن الأولوية يجب أن تنصب على مواجهة التحديات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد الوطني، والعمل على رفع معدلات النمو، قبل التوجه إلى قضايا ثانوية لا تحمل أثرا إيجابيا ملموسا على الاقتصاد الوطني.