الغد-عبدالله الربيحات
أكد خبراء في الزراعة أن بدء وزارة الزراعة بتطوير "الإستراتيجية الوطنية للزراعة المستدامة 2026–2033" فرصة حقيقية لأن يصبح القرار الزراعي الوطني مبنيًا على العلم والاقتصاد والمياه والسوق؛ وأن يصبح دخل المزارع واستدامة الموارد والأمن الغذائي مؤشرات لنجاح السياسة الزراعية، وليس حجم الإنتاج وحده.
وبين الخبراء لـ"الغد" أنه في قلب هذه الإستراتيجية يبرز الاهتمام بتحسين دخل المزارع ورفع مستواه المعيشي؛ إذ تستهدف المبادرات الجديدة تقليل تكاليف الإنتاج بإدخال تقنيات الري الحديثة والزراعة الذكية والمقاومة للتغير المناخي.
كما تسهم سلاسل الإمداد المطورة والصناعات التحويلية في فتح آفاق تسويقية جديدة، تضمن عائدات مالية مجزية، وتحمي صغار المزارعين من تقلبات الأسواق وصدماتها، ما يعزز استدامة أعمالهم واستقرارهم الاقتصادي.
التفكير بمستقبل الزراعة
أكد الخبير د. نائل الظاهر أن البدء بتطوير الإستراتيجية فرصة لإعادة التفكير بمستقبل الزراعة، خصوصًا مع التوجه المعلن نحو الانتقال من التخطيط النظري إلى برامج ومشاريع ذات أثر ملموس على المزارعين والاقتصاد، مبينًا أن السؤال الذي ينبغي أن يكون في صميم الإستراتيجية ليس فقط: كيف نزيد الإنتاج الزراعي؟ بل: ماذا سيزرع الأردن غدًا، وأين، ولأي سوق، وباستخدام كم من المياه، وبأي عائد اقتصادي واجتماعي؟
وأضاف الظاهر أن ندرة المياه في أي دولة تعد أحد أهم محددات الإنتاج الزراعي، ولا يمكن بناء الخريطة المحصولية المستقبلية بالاعتماد على الأنماط التاريخية للزراعة وحدها؛ لذلك فإن المطلوب الانتقال نحو خريطة زراعية اقتصادية ومائية وتسويقية، تحدد الميزة النسبية لكل منطقة ومحصول، وتربط بين إنتاجية وحدة الأرض وإنتاجية وحدة المياه والقيمة الاقتصادية للمحصول واحتياجات السوق والأمن الغذائي، إذ يتمثل الهدف في تحقيق أعلى قيمة اقتصادية واجتماعية وغذائية ممكنة من الموارد المحدودة المتاحة، وفي مقدمتها المياه.
وأشار إلى أهمية إعادة النظر في مفهوم الأمن الغذائي، الذي لا يعني تحقيق الاكتفاء الذاتي في السلع، وهو أمر غير واقعي اقتصاديًا وبيئيًا في بلد محدود المياه والأراضي الزراعية، بل يتطلب تحديد سلع ومحاصيل إستراتيجية، ما يدعو إلى تعزيز قدرتنا على إنتاجها، بالتوازي مع توجيه الموارد للمنتجات التي يمتلك فيها الأردن ميزة تنافسية، ويمكنها تحقيق دخل أعلى للمزارعين وقيمة أكبر للاقتصاد.
وبين الظاهر الحاجة إلى أن تبدأ السياسة الزراعية الجديدة من السوق قبل الإنتاج، فقد أثبتت التجربة أن زيادة إنتاج محصول معين دون وجود طلب كافٍ عليه قد تؤدي إلى فائض موسمي وانخفاض الأسعار إلى مستويات لا تغطي تكاليف الإنتاج. لذلك يجب أن تستند القرارات المحصولية إلى نظام متطور للمعلومات السوقية، والتنبؤ بالعرض والطلب والأسعار، وربط المزارعين بالزراعة التعاقدية والتصنيع الغذائي وأسواق التصدير.
ولفت إلى أن الإستراتيجية تحتاج إلى إعطاء صغار المزارعين موقعًا مركزيًا في التحول إلى محاصيل ذات قيمة مضافة أعلى، أو تقنيات أكثر كفاءة في استخدام المياه، وهذا لن يتحقق بمجرد إصدار توصيات، بل يتطلب تمويلًا وإرشادًا وتأمينًا زراعيًا وتكنولوجيا وتعاونيات ووصولًا إلى الأسواق؛ لذلك فإن المعيار الحقيقي لنجاح الإستراتيجية يتمثل في تحسن صافي دخل المزارع، وإنتاجية المياه، واستقرار الأسعار، وانخفاض الفاقد، وخلق فرص عمل في المناطق الريفية.
وعليه، فإن سؤال: ماذا سيزرع الأردن غدًا؟ يجب ألا تكون إجابته قائمة ثابتة من المحاصيل، بل نظامًا ديناميكيًا لاتخاذ القرار، يتغير مع المياه والمناخ والأسعار والطلب المحلي والتصديري. وإذا نجحت الإستراتيجية في تحقيق هذا التحول، فستنتقل بالسياسة الزراعية من "زيادة الإنتاج" إلى "إدارة الإنتاج وفق الموارد والسوق"، ومن معالجة فائض المحاصيل بعد حدوثه إلى التخطيط له قبل الزراعة.
وأوضح الظاهر أن الفرصة الحقيقية للإستراتيجية الجديدة تكمن في أن يصبح القرار الزراعي مبنيًا على العلم والاقتصاد والمياه والسوق؛ وأن يصبح دخل المزارع واستدامة الموارد والأمن الغذائي مؤشرات لنجاح السياسة الزراعية، وليس حجم الإنتاج وحده.
إعادة رسم خريطة المحاصيل
من جهته، قال الخبير د. نبيل بني هاني إن الأردن يُدشن مرحلة فارقة في مسيرة قطاعه الزراعي بتطويره للإستراتيجية، الساعية إلى نقل القطاع من أطر التخطيط النظري إلى برامج عملية ومشاريع ذات أثر ملموس.
مضيفًا أن الإستراتيجية تركز على إعادة رسم خريطة المحاصيل، بما يتوافق مع الوفرة المائية والخصائص المناخية لكل منطقة، والتركيز على المحاصيل الإستراتيجية والزراعات ذات القيمة المضافة العالية، لضمان استغلال أمثل للموارد الطبيعية.
وقال بني هاني: "في قلب هذه الإستراتيجية، يبرز الاهتمام المباشر بتحسين دخل المزارع ورفع مستواه المعيشي؛ إذ تستهدف المبادرات الجديدة تقليل تكاليف الإنتاج بإدخال تقنيات الري الحديثة والزراعة الذكية والمقاومة للتغير المناخي. كما تسهم سلاسل الإمداد المطورة والصناعات التحويلية في فتح آفاق تسويقية جديدة، تضمن عائدات مالية مجزية، وتحمي صغار المزارعين من تقلبات الأسواق وصدماتها، ما يعزز استدامة أعمالهم واستقرارهم الاقتصادي".
محاصيل ذات قيمة مضافة
بدوره، قال المدير العام لاتحاد المزارعين الأردنيين، محمود العوران: "ليست المرة الأولى التي تكون فيها هناك إستراتيجيات وخطط، لكن ما نحن بحاجة إليه هو أن تتحول هذه الاستراتيجيات إلى أجندة عملية"، مبينًا أن ما تحقق من الإستراتيجية الزراعية 2002–2010 هو 10 % فقط، ما يشير إلى غياب الأجندات لمتابعة الاستراتيجيات، وهذا يعني وجوب التركيز على ماهية المعيقات التي تواجه القطاع، ليكون لدينا محاصيل ذات قيمة مضافة.
وبين العوران أنه يجب التركيز على إنتاج أصناف لها علاقة بالتغيرات المناخية، ما يعني أن ننتج أصنافًا في مواقيت معينة لمواجهة التغيرات المناخية، وذلك في إطار الإستراتيجيات، وأن تكون هناك خطط أيضًا للبحث العلمي.
ولفت إلى أهمية التسويق، فمنذ العام 2002 رُفع الدعم عن القطاع، فبدأت مشاكل التسويق، مع أن الخطة الوطنية للتنمية الزراعية لسنة 2002 نصت على أن تكون هناك شركة تسويق زراعي.