ارتفاع حوالات المغتربين.. تعزيز الأداء الاقتصادي
الغد-عبد الرحمن الخوالدة
في الوقت الذي سجلت فيه حوالات الأردنيين في الخارج ارتفاعا بنسبة 15 % خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي، أكد خبراء أن هذا الأمر يدعم تدفق العملات الأجنبية إلى الأردن من جهة، ويشير إلى ثقة المغتربين بالاقتصاد الوطني من جهة أخرى.
وأوضح هؤلاء أن الأداء الإيجابي للاقتصاد الوطني منذ بداية العام، وتحسن أغلب مؤشراته، عززا ثقة المغتربين الأردنيين بالاقتصاد الأردني، ودفعاهم إلى زيادة تحويلاتهم، سواء بهدف إيداعها في البنوك والاستفادة من البيئة المصرفية المستقرة، أو توجيهها للاستثمار في القطاع العقاري وغيره من القطاعات الإنتاجية، أو لتلبية احتياجات أسرهم داخل المملكة، وهو ما ينعكس إيجابا على مستويات الاستهلاك والسيولة في الأسواق خلال المرحلة المقبلة.
وشدد الخبراء على أهمية إيلاء المغتربين الأردنيين اهتماما أكبر، وتعزيز ارتباطهم بالاقتصاد المحلي من خلال توسيع قنوات التواصل معهم، وتوفير بيئة استثمارية جاذبة، والترويج للفرص الاستثمارية المتاحة في المملكة، إضافة إلى تقديم مزيد من الحوافز والتسهيلات التي تشجعهم على توجيه جزء أكبر من مدخراتهم نحو الاستثمارات الإنتاجية، بما يعزز مساهمتهم في تحقيق النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل، خاصة في ظل وجود أعداد كبيرة من الكفاءات الأردنية العاملة في دول الخليج والولايات المتحدة وأوروبا.
وكانت قد أظهرت أحدث المعطيات الإحصائية الصادرة عن البنك المركزي ارتفاع إجمالي حوالات العاملين الواردة إلى المملكة بنسبة 15 % خلال أول خمسة أشهر من العام الحالي، ليبلغ 2.062.1 مليار دولار.
وتظهر البيانات أن الحوالات الواردة من الإمارات العربية المتحدة احتلت المرتبة الأولى من إجمالي الحوالات الواردة إلى المملكة بنسبة 21.9%، تلتها الولايات المتحدة الأميركية بنسبة (19.9 %)، ثم المملكة العربية السعودية بنسبة (17.9 %)، ثم دولة قطر بنسبة (9.5 %)، ودولة الكويت بنسبة (5.4 %)، أما الدول الأخرى فقد شكلت (25.4 %) من إجمالي الحوالات الواردة.
ويبلغ عدد المغتربين الأردنيين في الخارج نحو 925 ألف مغترب، يتوزع العدد الأكبر منهم في دول الخليج العربي بواقع 765 ألف مغترب، ما يشكل 81 % من إجمالي المغتربين، في حين يعيش نحو 29 ألف مغترب منهم في مجموعة من الدول العربية غير الخليجية، ويعيش ما يقارب 140 ألفا منهم في بلدان غير عربية، بما نسبته 15.2 % من إجمالي عدد هؤلاء المغتربين، وفق آخر تحديث لوزارة الخارجية صدر عام 2021.
دعم الاستقرار المالي
وأكد أستاذ الاقتصاد قاسم الحموري أن حوالات العاملين الأردنيين في الخارج تُعد من أهم الموارد التي رفدت الاقتصاد الوطني على مدى عقود، إلى جانب إيرادات القطاع السياحي في السنوات الأخيرة، مشيرا إلى أن هذه الحوالات تشكل أحد أبرز مصادر تدفق العملات الأجنبية إلى المملكة.
وأوضح الحموري أن ارتفاع الحوالات يرتبط بعدة عوامل، في مقدمتها أعداد الأردنيين العاملين في الخارج، ولا سيما في دول الخليج، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية في تلك الدول، وخاصة أسعار النفط، التي تنعكس بصورة مباشرة على مستويات الدخل والرواتب والحوافز.
وأضاف: "ارتفاع أسعار النفط خلال السنوات الأخيرة، واقترابها في فترات من مستوى 100 دولار للبرميل، أسهما في تحسين دخول العاملين في دول الخليج، وهو ما انعكس على زيادة تحويلاتهم إلى الأردن".
وأشار إلى أن العامل الثاني يتمثل في استمرار حاجة العديد من الأسر داخل المملكة إلى الدعم المالي، في ظل الظروف الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية، ما يدفع المغتربين إلى زيادة تحويلاتهم لمساندة أسرهم وتغطية نفقاتهم المعيشية.
وبين الحموري أن التطورات الجيوسياسية والحرب الدائرة في المنطقة تشكل عاملا إضافيا، إذ يفضل عدد من المغتربين تحويل جزء من مدخراتهم إلى الأردن باعتباره أكثر استقرارا، سواء بهدف إيداعها في البنوك، أو شراء مسكن، أو الاستثمار في العقارات، تحسبا لأي تطورات قد تشهدها دول إقامتهم.
وأكد أن استمرار نمو حوالات المغتربين يعكس أهمية هذه الشريحة في دعم الاقتصاد الوطني، ويبرز الحاجة إلى تعزيز ارتباطها بالاقتصاد المحلي من خلال توفير بيئة استثمارية جاذبة، وتقديم حوافز تشجع المغتربين على توجيه جزء أكبر من مدخراتهم نحو استثمارات إنتاجية تسهم في دعم النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.
ثقة المغتربين
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي منير دية إن ارتفاع حوالات العاملين الأردنيين في الخارج بنسبة 15 % خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، لتتجاوز 2.1 مليار دولار، يعد مؤشرا إيجابيا يضاف إلى سلسلة من المؤشرات الكلية التي تعكس متانة الاقتصاد الأردني وقدرته على الصمود رغم التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
وأوضح دية أن الاقتصاد الأردني تمكن خلال الفترة الماضية من تحقيق عدد من المؤشرات الإيجابية، من بينها الارتفاع القياسي في احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية، ونمو الصادرات الوطنية، وتحسن أداء بورصة عمّان وارتفاع قيمتها السوقية، وهو ما عزز الثقة بالاقتصاد الوطني.
وأشار إلى أن ارتفاع الحوالات يعود إلى مجموعة من العوامل، أبرزها الاستقرار النقدي والمالي الذي يتمتع به الأردن، والسياسات الحصيفة التي ينتهجها البنك المركزي، والتي أسهمت في الحفاظ على استقرار سعر صرف الدينار وتعزيز متانة القطاع المصرفي، إلى جانب الاستقرار الأمني والسياسي الذي يميز المملكة مقارنة بما تشهده المنطقة من اضطرابات.
وأضاف: "هذه العوامل عززت ثقة المغتربين الأردنيين باقتصاد بلادهم، ودفعتهم إلى زيادة تحويلاتهم، سواء بهدف إيداعها في البنوك والاستفادة من البيئة المصرفية المستقرة، أو توجيهها للاستثمار في القطاع العقاري وغيره من القطاعات الإنتاجية، أو لتلبية احتياجات أسرهم داخل المملكة، وهو ما ينعكس إيجابا على مستويات الاستهلاك والسيولة في الأسواق".
وأكد دية أن الحوالات لا تقتصر أهميتها على دعم دخل الأسر، بل تمثل أحد أهم مصادر تدفق العملات الأجنبية إلى المملكة، وتسهم في تعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، ودعم استقرار الدينار، وتنشيط الطلب المحلي، وتحريك عجلة الاقتصاد، فضلا عن توفير سيولة إضافية للقطاع المصرفي بما يدعم قدرته على تمويل الأنشطة الاقتصادية.
وبيّن أن الحوالات السنوية، التي تتجاوز أربعة مليارات دولار، تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، الأمر الذي يستدعي تطوير سياسات تستهدف تعظيم أثرها الاقتصادي، وعدم الاكتفاء بدورها الاستهلاكي.
ودعا دية إلى إيلاء المغتربين الأردنيين اهتماما أكبر، من خلال توسيع قنوات التواصل معهم، والترويج للفرص الاستثمارية المتاحة في المملكة، وتقديم مزيد من الحوافز والتسهيلات التي تشجعهم على توجيه جزء أكبر من مدخراتهم نحو الاستثمارات الإنتاجية، بما يعزز مساهمتهم في تحقيق النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل، خاصة في ظل وجود أعداد كبيرة من الكفاءات الأردنية العاملة في دول الخليج والولايات المتحدة وأوروبا.
قفزة كبيرة بالحوالات
إلى ذلك، أوضح الخبير الاقتصادي مفلح عقل أن ارتفاع مستوى حوالات المغتربين الأردنيين جاء مخالفا للتوقعات، خاصة وأن النسبة الأكبر منهم يعملون في دول الخليج العربي، التي تأثرت بصورة بالغة بالصراع في المنطقة، فضلا عن إغلاق مضيق هرمز، حيث كان يُتوقع أن تؤثر تلك العوامل سلبا على حجم الدخل في الخليج، إلا أن نجاح هذه الدول في إيجاد طرق جديدة لتصدير منتجاتها من النفط والغاز الطبيعي، واستغلال ارتفاع أسعار الطاقة عالميا، أتاح لها استدامة الدخل والإنتاج.
وبيّن عقل أن حوالات الأردنيين تعد مصدرا أساسيا لزيادة الطلب المحلي، إضافة إلى زيادة حجم النشاط الاستثماري، لذا تعتبر من العوامل المهمة في تحسن مستويات النمو الاقتصادي، وهو ما اتضح بصورة جلية بارتفاع معدل النمو في المملكة إلى 2.9 % خلال الربع الأول من العام، رغم التداعيات الاقتصادية للحرب في المنطقة.
ولفت عقل إلى أن هذه القفزة الكبيرة في حجم حوالات المغتربين خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام تعكس ثقة المغتربين الكبيرة بالاقتصاد الوطني ومؤسساته النقدية والاقتصادية.