الدستور– رندا حتاملة
في وقت تحتدم فيه المنافسة الإقليمية على استقطاب الشركات والمقار الإقليمية بين السعودية والإمارات وقطر ومصر، يبرز الأردن كلاعب يسعى لترسيخ موقعه كمنصة أعمال إقليمية حيث سجلت المملكة خلال العام الماضي أعلى معدل نمو في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر منذ عام 2017، بزيادة بلغت 25 بالمئة.
وقد استندت بحسب متخصصون إلى مزيج من الاستقرار السياسي والأمني، والموقع الجغرافي، ورأس المال البشري، واتفاقيات التجارة الحرة، مقابل تحديات مزمنة تتعلق بكلف الطاقة والإجراءات وكلفة النقل عند اضطراب سلاسل الإمداد.
ويؤكد رئيس مجلس المهارات اللوجستية ونائب رئيس غرفة تجارة عمان الدكتور نبيل الخطيب أن نجاح الأردن في جذب الشركات لا يقوم على عامل واحد، بل على حزمة مزايا متكاملة، في مقدمتها موقع المملكة كنقطة وصل بين أسواق الخليج والعراق وبلاد الشام، وامتلاكها منفذًا بحريًا عبر ميناء العقبة وشبكة طرق إقليمية، إلى جانب الاستقرار الذي يشكل عاملًا حاسمًا للشركات الباحثة عن بيئة آمنة لإدارة عملياتها.
ويُضاف إلى ذلك توفر رأس مال بشري مؤهل، حيث يتمتع الأردن بنسبة مرتفعة من المتعلمين وكفاءات في تكنولوجيا المعلومات والهندسة والخدمات المالية والرعاية الصحية، فضلًا عن إتقان اللغات، ما يدعم قطاعات الخدمات المشتركة والتعهيد. كما تعزز اتفاقيات التجارة الحرة – وعلى رأسها اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة والشراكة مع الاتحاد الأوروبي – قدرة الشركات العاملة في المملكة على النفاذ إلى أسواق واسعة برسوم منخفضة أو معدومة.
وتتقاطع هذه المعطيات مع تطور البيئة الرقمية، حيث يشهد قطاع الاتصالات والخدمات الرقمية نموًا ملحوظًا، ما يدعم استقطاب مراكز تطوير البرمجيات والخدمات العابرة للحدود. كما توفر المناطق التنموية والحرة حوافز ضريبية وجمركية، في وقت تبقى فيه بعض كلف التأسيس والتشغيل أقل نسبيًا من مراكز إقليمية، رغم ارتفاع كلفة الطاقة.
غير أن هذه المزايا، بحسب الخطيب، تقابلها تحديات تؤثر على قرارات المستثمرين، أبرزها ارتفاع أسعار الكهرباء والطاقة، وبعض التعقيدات الإدارية، ومحدودية حجم السوق المحلي، فضلًا عن المنافسة الإقليمية الشديدة وكلف النقل التي ترتفع عند الأزمات، كما حدث خلال اضطرابات سلاسل الإمداد في المنطقة.
وفي قراءة للأثر الاقتصادي، تظهر البيانات الرسمية أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الأردن بلغت نحو 2.02 مليار دولار في عام 2025، ما يعادل حوالي 3.34% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما ارتفعت الصادرات الوطنية خلال أول شهرين من عام 2026 بنسبة 3.0% لتصل إلى نحو 1.35 مليار دينار، في حين بلغ إجمالي الصادرات 1.711 مليار دينار مع تراجع طفيف نسبته 0.8% على أساس سنوي، وبلغت نسبة تغطية الصادرات للمستوردات نحو 57%، وهي مؤشرات تعكس تحسنًا نسبيًا في النشاط الاقتصادي مع استمرار فجوة تجارية قائمة.
ويرى المدير التنفيذي لمنظمة شركاء الأردن المهندس علي فياض أن ارتفاع عدد الشركات الجديدة مؤشر إيجابي على تحسن الثقة ببيئة الأعمال، لكنه لا يكفي للحكم على الأثر الاقتصادي، مشددًا على أن العبرة تكمن في الشركات التي تبدأ فعليًا بالإنتاج وتخلق وظائف مستدامة وتحقق قيمة مضافة. ويشير إلى أن تركّز الاستثمارات في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والزراعة الحديثة والخدمات القابلة للتصدير يعزز فرص التشغيل ويرفع الصادرات.
وتدعم هذه القراءة مؤشرات الإنتاج، حيث أظهرت بيانات دائرة الإحصاءات العامة ارتفاع الرقم القياسي لكميات الإنتاج الصناعي بنسبة 0.34% في أيار 2026 مقارنة بالشهر ذاته من 2025، وبارتفاع 4.68% مقارنة بنيسان من العام نفسه، فيما سجل المؤشر التراكمي للأشهر الخمسة الأولى من 2026 نموًا طفيفًا نسبته 0.10%، ما يعكس نموًا محدودًا لكنه إيجابي في القطاع الصناعي.
من جانبه، يؤكد رئيس مجلس الأعمال السوري الأردني عن الجانب السوري الدكتور عماد النن أن اختيار عدد متزايد من الشركات للأردن ليس أمرًا عابرًا، بل يعكس تطور البيئة التشريعية والمؤسسية، وقدرة المملكة على تقديم نفسها كمنصة إقليمية للوصول إلى أسواق الخليج والعراق وسوريا وفلسطين، مستفيدة من قطاع مصرفي مستقر وبنية رقمية داعمة للأعمال.
ويشدد النن على أن التحدي الحقيقي يتمثل في نوعية الاستثمارات، وليس عدد الشركات المسجلة، موضحًا أن الأثر الاقتصادي الحقيقي يتحقق عندما تضيف الشركات مصانع أو مراكز إقليمية أو منصات تكنولوجية، وتوظف الأردنيين، وتعزز سلاسل التوريد المحلية. ويؤكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من سياسة جذب الشركات إلى استقطاب الاستثمارات النوعية في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا واللوجستيات والأمن الغذائي والطاقة والاقتصاد الرقمي.
وفي السياق ذاته، يشير إلى أهمية السياسات المحفزة، ومنها منح الجنسية للمستثمرين، معتبرًا أنها تعزز ارتباط المستثمر بالمملكة وتزيد استقراره طويل الأمد، بما ينعكس على حجم الاستثمار والتشغيل، مؤكدًا أن أي مشروع استثماري يُقام في الأردن يسهم في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة ويدعم الاقتصاد الوطني، شريطة الحفاظ على العدالة الاقتصادية وتعظيم استفادة العمالة المحلية.
وتخلص المعطيات إلى أن الأردن يمتلك قاعدة تنافسية حقيقية قائمة على الاستقرار والكفاءات والاتفاقيات التجارية، إلا أن تعظيم العائد الاقتصادي يتطلب معالجة كلف التشغيل، وتسريع الإجراءات، وضمان استقرار التشريعات، والتركيز على استثمارات إنتاجية وتصديرية قادرة على خلق وظائف مستدامة وزيادة القيمة المضافة، بما يترجم نمو عدد الشركات إلى نمو اقتصادي ملموس يشعر به المواطن.