الانتقال لأنظمة زراعية عالية الكفاءة.. ضرورة إستراتيجية لحماية موارد الأجيال القادمة
الغد-عبد الله الربيحات
أكد خبراء زراعيون أن الانتقال من الزراعة التقليدية مستنزفة المياه، إلى أنظمة زراعية عالية الكفاءة لم يعد ترفا تقنيا، بل هو ضرورة وجودية للأمن الغذائي الأردني في ظل تصدر الأردن قائمة الدول الأفقر مائياً.
وبينوا لـ "الغد"، أن ذلك يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص والمزارعين ومؤسسات البحث العلمي، في ظل تصاعد تحديات شح المياه وتغير المناخ، حيث يقف القطاع الزراعي في الأردن أمام لحظة مفصلية تتطلب تحوّلًا عميقًا في فلسفة الإنتاج ونمط إدارة الموارد.
وأوضحوا أن استمرار العمل بالنموذج التقليدي سيزيد من الضغوط على الموارد المائية المحدودة، ويعمّق هشاشة القطاع في مواجهة الصدمات المناخية والاقتصادية، أما تبني مسار التحول المنهجي، القائم على القياس الدقيق للكفاءة المائية، وإعادة هيكلة الأنماط الإنتاجية، والاستثمار في التكنولوجيا والابتكار، فسيحوّل التحدي إلى فرصة لبناء قطاع زراعي أكثر قدرة على الصمود، وأكثر إسهامًا في تحقيق الأمن الغذائي الوطني.
وقالوا ان الأردن لا يملك رفاهية التأجيل، فالتحول لم يعد خيارا، بل ضرورة إستراتيجية لضمان استدامة الزراعة وحماية موارد الأجيال القادمة.
لحظة مفصلية
وفي السياق قال الخبير الدولي في مجال الأمن الغذائي د.فاضل الزعبي، إنه في ظل تصاعد تحديات شح المياه وتغير المناخ، يقف القطاع الزراعي بالأردن أمام لحظة مفصلية تتطلب تحولا عميقا في فلسفة الإنتاج ونمط إدارة الموارد، فالأردن يُعد من أفقر دول العالم مائيًا، ومع تراجع نصيب الفرد من المياه إلى مستويات حرجة، لم يعد بالإمكان الاستمرار في نموذج زراعي يعتمد على محاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه في بيئة تتسم بندرة المورد الأساسي للإنتاج.
واضاف، ان الزراعة في الأردن ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل ركيزة أساسية للأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في المناطق الريفية، لكنها في الوقت ذاته تستهلك نسبة كبيرة من الموارد المائية المتاحة، ومع ازدياد موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتذبذب الهطل المطري بفعل تغير المناخ، أصبحت كفاءة استخدام المياه معيارًا حاسمًا لاستدامة هذا القطاع.
وبين أن التحول المطلوب لا يعني تقليص الزراعة، بل إعادة هيكلتها، فالمعادلة الجديدة يجب أن تقوم على إنتاج قيمة غذائية واقتصادية أعلى بكل م3 من المياه، وهذا يتطلب التوسع بتقنيات الري الحديثة، وعلى رأسها الري بالتنقيط المتطور، وأنظمة الاستشعار والرصد التي تتيح تزويد النبات باحتياجاته الفعلية دون هدر، كما يتطلب التحول للزراعة المحمية، بما في ذلك البيوت البلاستيكية والأنظمة المائية المغلقة (الهيدروبونيك)، التي أثبتت قدرتها على خفض استهلاك المياه بشكل كبير وزيادة الإنتاجية في الوقت ذاته.
وزاد إلى جانب البعد التقني، هناك بعد سياساتي لا يقل أهمية، فإعادة توجيه الدعم الزراعي نحو المحاصيل الأعلى قيمة والأقل استهلاكا للمياه بات ضرورة إستراتيجية، كما أن تطوير سياسات تسعير المياه وربطها بمؤشرات الكفاءة يمكن أن يشكل حافزًا لتبني ممارسات إنتاجية أكثر استدامة، ويجب أن يترافق ذلك مع برامج إرشاد زراعي متقدمة تعزز قدرات المزارعين على التكيف مع المتغيرات المناخية.
وتابع، إن تعزيز المرونة المناخية يتطلب الاستثمار بالبحث العلمي الزراعي، خاصة بتطوير أصناف نباتية أكثر تحملًا للجفاف والحرارة، وتوسيع استخدام الطاقة المتجددة بالضخ والتبريد الزراعي لتقليل كلف الإنتاج والانبعاثات في آن واحد، مبينا أن ربط سياسات الزراعة بسياسات الطاقة والمياه والبيئة أصبح شرطًا أساسيًا لتحقيق تكامل فعّال في إدارة الموارد.
وأشار إلى أنه ينبغي النظر للتحول الزراعي بوصفه فرصة اقتصادية، لا مجرد استجابة لأزمة، فالطلب العالمي يتزايد على المنتجات الزراعية عالية الجودة والمستدامة بيئيا ويمكن للأردن، عبر تبني معايير إنتاج منخفضة البصمة المائية والكربونية، تعزز قدرته التنافسية بالأسواق التصديرية، خاصة في المنتجات الطازجة ذات القيمة المضافة.
وبين أن التحول نحو زراعة عالية الكفاءة والمرونة المناخية هو في جوهره تحول في طريقة التفكير من إدارة الندرة بردود فعل قصيرة الأجل، إلى تخطيط إستراتيجي طويل الأمد يوازن بين الأمن الغذائي واستدامة الموارد. وهو مسار يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص والمزارعين ومؤسسات البحث العلمي.
وأوضح أن استمرار العمل بالنموذج التقليدي سيزيد من الضغوط على الموارد المائية المحدودة، ويعمّق هشاشة القطاع في مواجهة الصدمات المناخية والاقتصادية. أما تبني مسار التحول المنهجي، القائم على القياس الدقيق للكفاءة المائية، وإعادة هيكلة الأنماط الإنتاجية، والاستثمار في التكنولوجيا والابتكار، فسيحول التحدي إلى فرصة لبناء قطاع زراعي أكثر قدرة على الصمود، وأكثر إسهامًا في تحقيق الأمن الغذائي الوطني.
وقال إن الأردن لا يملك رفاهية التأجيل، فالتحول لم يعد خيارًا، بل ضرورة إستراتيجية لضمان استدامة الزراعة وحماية موارد الأجيال القادمة.
خطوة إستراتيجية مهمة
من جهته أكد المستشار الدولي وزير الزراعة الأسبق محمود الدويري، أن تحول الزراعة الأردنية من زراعة كثيفة المياه إلى زراعة عالية الكفاءة والمرونة المناخية يعتبر خطوة إستراتيجية بالغة الأهمية في ظل شح المياه وتزايد آثار التغير المناخي، ويمكن تلخيص أهميته بعدة محاور رئيسة منها تقليل الاعتماد على المحاصيل المستهلكة للمياه والاتجاه نحو محاصيل أكثر تحملاً للجفاف، ضمان استقرار الإنتاج الزراعي حتى في سنوات الجفاف أو المواسم المطرية الضعيفة، ما يعزز قدرة الأردن على تلبية احتياجاته الغذائية محليا.
وتابع، كذلك إدارة الموارد المائية عبر تحسين كفاءة استخدام المياه عبر تقنيات الري الحديثة (كالري بالتنقيط والاستشعار عن بُعد)، الاستفادة القصوى من كل قطرة ماء عبر استثمارات ذكية تربط بين الإنتاجية الزراعية والبيانات المناخية والاقتصادية، والمرونة المناخية عبر تعزيز قدرة القطاع الزراعي على الصمود أمام تقلبات المناخ وارتفاع درجات الحرارة، وإدخال أنظمة زراعية أكثر تكيفاً مع الظروف البيئية، مثل الزراعة المحمية والزراعة الذكية مناخياً.
وزاد، من المحاور كذلك النمو الاقتصادي عبر التحول نحو الزراعة المستدامة ما ساهم بتحقيق معدلات نمو ملحوظة في القطاع الزراعي، تجاوزت متوسط النمو العام للاقتصاد الأردني في السنوات الأخيرة، وزيادة التنافسية بالأسواق المحلية والدولية عبر منتجات ذات جودة أعلى وكفاءة إنتاجية أفضل.
ولفت للبعد الاجتماعي والبيئي عبر دعم المزارعين في مواجهة التحديات المائية والمناخية، مما يحافظ على استقرار المجتمعات الريفية، وتقليل الضغط على الموارد الطبيعية وحماية البيئة من الاستنزاف.
وبين الدويري أن هذا التحول ليس مجرد خيار تقني، بل ضرورة وجودية لضمان استدامة الزراعة الأردنية، وتحقيق التوازن بين الأمن الغذائي، الاقتصاد، والموارد الطبيعية.
استخدام التقنيات الحديثة
بدوره أكد الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. سميح أبو بكر، أن الأردن يعتبر من البلدان الفقيرة بالمياه العذبة المتاحة، حيث أن ثلاثية الإنسان والحيوان والنبات لا يشربون إلا المياه النقية والعذبة، فإن الإدارة العقلانية والمستدامة للمياه تعتبر أمرا حيويا لنا وليست رفاهية.
وأضاف، ان تنظيم توقيت الري للنباتات المختلفة ومعدلات الاستهلاك بكفاءة للحد من الهدر سيساعد بتوفير جزء من الماء الصالح للشرب البشري، لا سيما في بلد يعاني من نقص المياه الصالحة للشرب.
وبين أن الإدارة الحكيمة والذكية لمياه الري ستزيد العائد الاقتصادي لكل م3 نعطيه للنبات، مبينا أن المهم بإدارة مياه الري الحديثة ليس كمية ما نعطي المزروعات، وإنما كم هو مردود الـ م3 من مياه الري على كمية الإنتاج الثمري للمحصول.
وقال إن استخدام تقنيات الري الحديثة بالتنقيط أو الرذاذ والجدولة العلمية الكمبيوترية بما يحقق الكفاية الفعلية لاحتياجات التربة التي تمد النبات باحتياجاته المائية، هو البداية الحقيقية لترشيد الاستهلاك، يضاف لها ضرورة البحث العلمي باستنباط الأصناف المتحملة للجفاف والمقاومة للملوحة لا سيما في ظروف التغيرات المناخية وارتفاعات الحرارة المصاحبة لها.
فيما قال الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. نبيل بني هاني، إن الانتقال من الزراعة التقليدية مستنزفة المياه إلى أنظمة زراعية عالية الكفاءة لم يعد ترفا تقنيا، بل هو ضرورة وجودية للأمن الغذائي الأردني في ظل تصدرنا قائمة الدول الأفقر مائياً.
وأضاف، إن تبني محاصيل ذكية مناخيا وأقل استهلاكا للمياه هو الرد العملي والمدروس على جفاف المصادر وتغير المناخ، حيث نهدف عبر هذا التحول إلى كسر معادلة "الهدر مقابل الإنتاج"، مبينا أننا اليوم نعيد صياغة الهوية الزراعية الوطنية لتعتمد على "القطرة المنتجة" بدلاً من الغمر التقليدي، ما يضمن استدامة الموارد للأجيال القادمة وحماية القطاع من الانهيار تحت وطأة العجز المائي، ما ينعكس هذا بشكل مباشر على جيوب المزارعين ودخلهم
وبين أن هذا التحول الزراعي يأتي بفرص حقيقية لرفع سوية الدخل المادي للمزارع الأردني، فالعلاقة طردية بين كفاءة الري وتقليل الكلف التشغيلية المرهقة، عبر زراعة محاصيل ذات قيمة نقدية عالية واحتياج مائي قليل، سيلمس المزارع انخفاضاً مباشراً في فاتورة المياه والطاقة، ما ينعكس إيجاباً على هامش الربح الصافي وتنافسية المنتج في الأسواق المحلية والدولية.
وزاد أننا لا نسعى فقط لتوفير المياه، بل لتمكين المزارع اقتصادياً وتحويله من نمط الزراعة المعيشية إلى نمط الاستثمار الزراعي الرابح الذي يقاوم التقلبات المناخية بكل ثبات."
وتابع، إن الرؤية المستقبلية لهذا التحول تكمن باستثمار "فائض الكفاءة" لإحداث نهضة شاملة في الرقعة الزراعية على مستوى المملكة، فكل قطرة ماء يتم توفيرها هي بذرة لمساحة خضراء جديدة، مبينا أن تقنيات الري الحديثة والمحاصيل المرنة تتيح لنا التوسع الأفقي في أراضي البادية والمرتفعات التي كانت خارج الحسابات الإنتاجية سابقاً، مما يخلق فرص عمل جديدة ويقلل من معدلات الفقر والبطالة في الأرياف وهذا المسار الإستراتيجي سيجعل من الأردن نموذجاً إقليمياً في إدارة الندرة المائية، محولاً التحديات البيئية إلى قصة نجاح زراعية ترفد الاقتصاد الوطني".