الغد-عبد الرحمن الخوالدة
ربط خبراء اقتصاديون "ارتفاع معدلات التضخم بنسب محدودة" بعدة عوامل مجتمعة، من بينها استقرار سعر صرف الدينار وتوفر السلع الأساسية وانتظام سلاسل التوريد، إضافة إلى الإجراءات الحكومية الرامية إلى تخفيف أثر ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن على الأسعار المحلية.
وفي ظل استمرار ارتفاع كلف الطاقة عالميا، أكد خبراء أهمية خفض كلف النقل والطاقة والإنتاج، وتحسين كفاءة سلاسل التوريد والتوزيع، وتعزيز الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الاستيراد، بما يحافظ على استقرار الأسعار ويدعم النمو الاقتصادي ويرفع القدرة الشرائية والدخول الحقيقية للأسر.
وأكد اقتصاديون أن "اعتدال التضخم" يحقق عوائد اقتصادية مهمة، أبرزها الحد من تآكل القوة الشرائية، وتعزيز قدرة الأسر والشركات على التخطيط المالي، وتوفير بيئة أكثر استقرارا للاستهلاك والإنتاج والاستثمار، بما يدعم استمرار النشاط الاقتصادي ويعزز فرص تحقيق نمو مستدام.
وقد بلغ معدل التضخم في أول تسعة أشهر من العام الحالي 2.26 %، فيما بلغ على المستوى الشهري 2.73 % في أيلول (سبتمبر) الماضي مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي، بحسب أحدث الأرقام الرسمية.
وأكد أستاذ الاقتصاد، محمد الحدب السرحان، أن محافظة الاقتصاد الأردني على معدلات تضخم معتدلة، بلغت 2.26 % خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، تعكس قدرة الاقتصاد الوطني على احتواء جانب مهم من الضغوط السعرية رغم الاضطرابات الجيوسياسية وتقلبات أسواق الطاقة والشحن العالمية.
وأوضح أن أهمية هذا المؤشر تتجاوز استقرار الأسعار، إذ يعزز القدرة على التخطيط المالي للأسر والشركات، ويحد من تآكل القوة الشرائية، ويوفر بيئة أكثر استقرارا للاستثمار والإنتاج. واعتبر أن تحقيق معدل تضخم معتدل بالتزامن مع نمو الاقتصاد الأردني بنسبة 3 % خلال الربع الثاني من العام الحالي يمثل مؤشرا إيجابيا على استمرار النشاط الاقتصادي دون ضغوط سعرية واسعة، وهي معادلة مهمة لتعزيز النمو الاقتصادي المستدام.
وأوضح السرحان أن قدرة الأردن على المحافظة على اعتدال التضخم ترتبط بمجموعة من العوامل المتكاملة، في مقدمتها الاستقرار النقدي الذي حافظ عليه البنك المركزي الأردني، وثبات سعر صرف الدينار مقابل الدولار، وما يوفره ذلك من تقليل تقلبات أسعار المستوردات الناتجة عن تغيرات سعر الصرف، وتعزيز ثقة الأسواق بالعملة الوطنية.
كما أن قوة الاحتياطيات الأجنبية بحسب قوله، تدعم قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية والمحافظة على الاستقرار النقدي، في حين أسهم انخفاض أسعار بعض المجموعات الغذائية، ومنها الخضراوات والفواكه ومنتجات الألبان، في الحد من الضغوط التضخمية خلال أيلول (سبتمبر).
وأشار إلى أن هذه العوامل ساعدت على تخفيف انتقال بعض الصدمات الخارجية إلى الأسعار المحلية، مع تأكيد أن الاقتصاد الأردني يبقى متأثرا بتغيرات أسعار الطاقة والغذاء وتكاليف النقل الدولية بحكم اعتماده على الاستيراد في تلبية جانب مهم من احتياجاته.
وأشار السرحان إلى أن اعتدال التضخم يحمل مكاسب مهمة للاقتصاد الوطني، أبرزها الحد من تآكل الدخول الحقيقية للأسر، وتخفيف حالة عدم اليقين لدى المستثمرين، ومساعدة الشركات على تقدير تكاليف الإنتاج والتوسع بصورة أكثر دقة.
وبين أن استقرار الأسعار يعزز القدرة التنافسية للمنتجات الأردنية عندما يقترن بتحسين الإنتاجية وضبط تكاليف الطاقة والنقل، الأمر الذي يدعم الصادرات وفرص التشغيل.
ولفت إلى أن انخفاض معدل التضخم لا يعني بالضرورة انخفاض المستوى العام للأسعار، وإنما تباطؤ وتيرة ارتفاعها، ولذلك فإن انعكاس هذا الاستقرار على حياة المواطن يرتبط أيضا بمدى نمو الأجور والدخول الحقيقية.
وأكد أن المكسب الاقتصادي الأكبر يتحقق عندما تنمو الإنتاجية والدخول بوتيرة تتجاوز ارتفاع تكاليف المعيشة، بحيث يشعر المواطن بتحسن فعلي في قدرته الشرائية.
وأضاف السرحان، إن استدامة هذا المسار تتطلب الانتقال من احتواء التضخم إلى معالجة العوامل التي ترفع كلفة المعيشة والإنتاج، من خلال تسريع تطوير النقل العام وربط المناطق السكنية بمراكز العمل، وتحسين كفاءة النقل اللوجستي وسلاسل التوريد، بما يخفض تكاليف انتقال الأفراد والبضائع.
كما دعا إلى تشجيع الاستثمارات السكنية في المناطق التي تشهد ارتفاعا في الإيجارات، وتحسين كفاءة أسواق الجملة والتخزين والتوزيع للحد من الفاقد وتقلبات أسعار المواد الغذائية، إلى جانب تنويع مصادر الاستيراد وتعزيز الإنتاج المحلي للسلع التي يمتلك الأردن فيها ميزات تنافسية.
وأوضح أن هذه الإجراءات تنسجم مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، كونها تسهم في تخفيض كلف الإنتاج وتعزيز تنافسية القطاع الخاص، وتوفر حلولا أكثر استدامة من الاعتماد على إجراءات مؤقتة لمعالجة ارتفاع الأسعار.
وختم السرحال بالقول: "المحافظة على التضخم ضمن مستويات معتدلة تمثل أحد عناصر القوة في الاقتصاد الأردني، لكن ارتفاع التضخم السنوي في أيلول إلى 2.73 % يستدعي استمرار متابعة الضغوط السعرية، خصوصا في النقل والإيجارات".
وأكد أن نجاح المرحلة المقبلة ينبغي أن يقاس بقدرة الاقتصاد على المحافظة على استقرار الأسعار بالتوازي مع تسريع النمو ورفع الإنتاجية والدخل، لأن القيمة الحقيقية لاعتدال التضخم تظهر عندما يتحول الاستقرار الاقتصادي إلى قدرة شرائية أفضل وتكاليف إنتاج أقل وفرص عمل أوسع للأردنيين.
بدوره، قال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن "بقاء معدلات التضخم في الأردن ضمن مستويات معتدلة، رغم الاضطرابات الإقليمية وارتفاع تكاليف الطاقة والشحن وسلاسل الإمداد، يعكس أثر مجموعة من العوامل والسياسات الاقتصادية التي أسهمت في الحد من انتقال الضغوط الخارجية إلى السوق المحلية".
وأضاف عايش: "انتظام سلاسل التوريد وتوافر السلع والمنتجات في الأسواق، إلى جانب ترشيد الأسر للإنفاق في ظل حالة عدم اليقين، أسهمت في تحقيق هذا الاعتدال".
وأوضح أن انتشار السيارات الكهربائية أسهم في ترشيد الطلب على المشتقات النفطية، فيما ساعدت الإجراءات الحكومية المتعلقة بأسعار المحروقات وتحمل جزء من فروقات الكلف على الحد من انتقال الارتفاعات العالمية إلى الأسعار المحلية.
ولفت إلى أن الحكومة أعلنت تحمل نحو 255 مليون دينار من كلف تتعلق بقطاع الطاقة والمشتقات النفطية، ما أسهم في تخفيف الضغوط السعرية.
وبين عايش أن اعتدال التضخم يحمل أهمية اقتصادية تتجاوز المؤشر الرقمي، إذ يساعد في الحد من تآكل القوة الشرائية للأسر، ويحافظ على استمرارية النشاط التجاري والاستهلاكي، ويوفر بيئة أكثر استقرارا للمنشآت الاقتصادية والمستثمرين والسياح، لا سيما في ظل الظروف الإقليمية الراهنة.
وفيما يتعلق بالسياسة النقدية، قال عايش: "اعتدال التضخم في الأردن نابع من السياسات النقدية الحصيفة التي ينتهجها البنك المركزي الأردني، والتي تراعي تحقيق توازن بين الاستقرار النقدي وتحفيز النمو".
وأشار إلى أن استمرار هذا المسار يتطلب مواصلة السياسات المالية والنقدية والمعيشية التي تحد من الضغوط السعرية، إلى جانب دراسة خيارات اقتصادية متكاملة، بما فيها أسعار الفائدة والإجراءات الضريبية، بصورة تراعي احتياجات النشاط الاقتصادي والاستثماري وقدرته على تحقيق معدلات نمو أعلى.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي منير دية إن "محافظة الأردن على معدلات تضخم معتدلة بلغت 2.26 % خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، رغم التحديات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين البحري عالميا، تعكس قدرة الاقتصاد الوطني على احتواء الصدمات الخارجية والحد من انعكاساتها على الأسواق المحلية والقدرة الشرائية للمواطنين".
وأضاف دية، إن الاقتصاد الأردني اكتسب مرونة أكبر في التعامل مع الأزمات، نتيجة السياسات والإجراءات الاقتصادية التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة، مستفيدة من تجارب الأزمات التي مرت بها المنطقة والعالم، ما أسهم في الحفاظ على استقرار الأسواق وتوفير السلع الأساسية والحد من الضغوط التضخمية.
وأوضح أن تنويع مصادر الطاقة، والتوسع في الاعتماد على الطاقة المتجددة، والاستفادة من الغاز الطبيعي، إلى جانب دعم الإنتاج المحلي في القطاعين الصناعي والزراعي، أسهمت في تعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة التقلبات الخارجية وتوفير السلع بصورة مستمرة.
وأشار إلى أن المحافظة على مخزونات إستراتيجية آمنة من السلع الأساسية، بما فيها القمح والشعير والحبوب والمواد الغذائية، وتعدد مصادر الاستيراد، واستمرار عمل المنافذ البرية والبحرية والجوية خلال الأزمات، عوامل ساعدت في ضمان توافر السلع في السوق المحلية والحد من احتمالات حدوث نقص أو ارتفاعات حادة في الأسعار.
ولفت دية إلى أن الإجراءات المتخذة للتخفيف من أثر ارتفاع تكاليف الشحن، إلى جانب الدعم الموجه لبعض السلع الأساسية، وتحمل جزء من فروقات أسعار المحروقات، أسهمت في الحد من انتقال الارتفاعات العالمية إلى الأسعار المحلية، والحفاظ على مستويات تضخم معتدلة.
وبين دية أن السياسة النقدية التي ينتهجها البنك المركزي الأردني، والمحافظة على استقرار سعر صرف الدينار مقابل الدولار، إلى جانب إدارة أسعار الفائدة بما يتناسب مع التطورات النقدية العالمية، أسهمت في تعزيز الاستقرار النقدي والحد من الضغوط التضخمية المستوردة.
وأكد أن توافر احتياطيات مريحة من العملات الأجنبية، إلى جانب القدرة على تأمين احتياجات المملكة من السلع الأساسية لفترات ممتدة، يعززان قدرة الاقتصاد الوطني على مواصلة توفير مستلزمات السوق المحلية، ويدعمان استقرار الأسعار في ظل استمرار التحديات الإقليمية والدولية.