مركز البيانات الموحد.. الطريق نحو السيادة الرقمية
الغد-إبراهيم المبيضين
أكد خبراء تقنيون أن توجه الحكومة لإنشاء مركز بيانات حكومي موحد يشكل ضرورة وطنية لضمان نجاح عملية التحول الرقمي، توظيف الذكاء الاصطناعي وتعزيز السيادة الرقمية.
وذكر الخبراء، أن تأسيس المركز وفق رؤية استراتيجية متكاملة وحوكمة صارمة واستثمار واعٍ في القوة البشرية والتقنية والبنية التحتية الضرورية، هو الطريق الوحيد لتحقيق تحول رقمي حقيقي يخدم الدولة والمواطن على حد سواء.
ولفت هؤلاء، إلى أن نجاح إنشاء مثل هذا المركز وفقا للمعايير والتوجهات العالمية يتطلب منظومة متكاملة تتجاوز الجوانب التقنية البحتة، تشمل أيضا الحوكمة الواضحة والتشريعات المنظمة لإدارة البيانات وتبادلها، الذي يعتبر عنصرا حاسما لضمان فعالية المركز واستدامته.
وأكد وزير الاقتصاد الرقمي والريادة م. سامي سميرات مؤخرا، في تصريحات لـ"الغد" أن الحكومة ماضية في تنفيذ مشروع مركز البيانات الحكومي الموحد، الذي سيكون بمثابة المخزن الموحد لكل بيانات الحكومة.
وقال الوزير في التصريحات "إن الحكومة انتهت مؤخرا من مرحلة التصميم لمبنى المركز، وسيتم العمل قريبا على طرح عطاء الإنشاء، إذ سيكون مقر المركز في العاصمة عمان"، مبينا أن المشروع ينسجم مع التطورات الحاصلة في عمليات التحول الرقمي التي تقوم على البيانات بشكل رئيسي، إذ سيجري تجميع كل البيانات التابعة لكل المؤسسات والدوائر الحكومية ومنصة الحوسبة السحابية الحكومية في هذا المركز الوطني.
ويستضيف المركز ويشغل كل الأنظمة والخدمات الحكومية الرقمية بشكل موثوق وآمن على موقع جغرافي استراتيجي، ضمن معايير الاستدامة البيئية واستخدام تقنيات ذكية صديقة للبيئة، وهو الأمر الذي سيخفض تكاليف الحكومة في تخزين وإدارة البيانات، بدلا من تشتتها في أكثر من مؤسسة حكومية.
مشروع مهم يضع حدا لتشتت الأنظمة
قال الخبير في مجال التحول الرقمي وريادة الأعمال م. هاني البطش "إن توجه الحكومة لتنفيذ مشروع إنشاء أول مركز بيانات حكومي موحد هو توجه استراتيجي يعد خطوة محورية في مسار بناء الدولة الرقمية الحديثة".
وزاد: "مثل هذا المشروع لا ينظر إليه على أنه مجرد بنية تحتية تقنية، بل أحد الأعمدة السيادية التي تقوم عليها منظومة التحول الرقمي الشامل".
وقال البطش: "إن وجود مركز بيانات موحّد يتيح توحيد الجهود الحكومية، ويضع حدا لتشتت الأنظمة وتكرار الكلف، كما يساهم في رفع كفاءة الخدمات العامة، تحسين جودة اتخاذ القرار وتعزيز الاعتماد على البيانات كأصل وطني إستراتيجي".
وجود مركز بيانات حكومي شرط لنجاح عملية التحول الرقمي
ويرى البطش، أن وجود مركز بيانات حكومي موحد يعد شرطا أساسيا لنجاح أي عملية تحول رقمي حقيقية، إذ لا يمكن الحديث عن حكومة إلكترونية أو تطبيقات ذكاء اصطناعي فعالة، في ظل بنية بيانات مجزأة وغير مترابطة، لأن التحول الرقمي بطبيعته يعتمد على التكامل بين الجهات الحكومية، والقدرة على تبادل البيانات بشكل آمن وسلس، وهو ما لا يتحقق من دون منصة مركزية تدار وفق معايير موحدة.
ولفت، إلى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تتطلب بيانات دقيقة، وموثوقة، ومتكاملة حتى تتمكن من تقديم مخرجات ذات قيمة حقيقية، تدعم السياسات العامة والخدمات الحكومية.
تشريعات وبنية تحتية ضرورية للنجاح
ولنجاح مشروع مركز البيانات الحكومي الموحد، قال البطش "إن ذلك يتطلب منظومة متكاملة تتجاوز الجوانب التقنية البحتة، فالحوكمة الواضحة والتشريعات المنظمة لإدارة البيانات وتبادلها، تعد عنصرا حاسما لضمان فعالية المركز واستدامته".
ولفت، إلى أهمية تصميم البنية التحتية التي يجب أن تراعي أعلى المعايير العالمية من ناحية الاعتمادية، التوسع المستقبلي، الجاهزية لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة.
إلى جانب ذلك، فإن الاستثمار في الكفاءات الوطنية المتخصصة في إدارة البيانات، الأمن السيبراني، الأنظمة الذكية يعد مطلبا أساسيا، لضمان عدم الارتباط الدائم بالحلول الخارجية.
إنشاء مركز البيانات قرار سيادي
وقال الخبير في مجال التقنية والبيانات د. حمزة العكاليك "إن توجه الحكومة لإنشاء أول مركز بيانات موحد ليس خيارا تكنولوجيا ترفيهيا، بل هو قرار سيادي يحدد من سيقود ومن سيتخلف في سباق الاقتصاد، القائم على البيانات".
وبين العكاليك قائلا "نحن أمام لحظة فارقة؛ فإما أن نظل جزرا معزولة من البيانات المشتتة التي تستهلك الموارد وتنكشف أمام التهديدات، أو أن ننتقل إلى مرحلة الدولة الذكية التي تدار بذكاء اصطناعي يعتمد على تدفقات بيانات لحظية، دقيقة، وآمنة".
ووصف العكاليك مركز البيانات بأنه "المفاعل النووي للعصر الرقمي"، كونه يمثل الأساس لاستخدام الذكاء الاصطناعي وللتحول إلى رقمنة كاملة، كما أنه "أساس اتخاذ القرار الصحيح المبني على تحليل شامل لكل البيانات ذات العلاقة من مختلف الجهات".
ويرى العكاليك، أن الأهمية القصوى لهذا المشروع تكمن في كسر ما يسمى بـ"صوامع البيانات"؛ ففي الوضع الحالي، تمتلك كل وزارة أو جهة حكومية مركز بيانات مصغر خاص بها، مما يؤدي إلى تكرار هائل في البنية التحتية وهدر في الميزانيات التشغيلية، فيما ينهي المركز الموحد هذا التشتت، بتوفيره بيئة سحابية حكومية تتيح تقاسم الموارد الحاسوبية بكفاءة عالية.
ولفت، إلى أنه بدلا من شراء خوادم لكل جهة تعمل بنسبة
20 % من طاقتها فقط، يوفر المركز الموحد قدرة معالجة مرنة تتوسع حسب الطلب.
المركز أساس لتكامل البيانات
وأضاف العكاليك أن المركز يمثل حجر الزاوية في تكامل البيانات؛ فعندما تتوحد البيانات، يمكن تقديم خدمات استباقية للمواطن.
وبين قائلا " تخيل نظاما يعرف أن رخصة قيادتك ستنتهي، فيقوم بتجديدها وإرسالها لك بناء على بياناتك المرورية المحدثة لحظيا بين جهات مختلفة، من دون أن تضطر لتقديم ورقة واحدة".
وأضاف أن هذا هو جوهر التحول الرقمي الحقيقي، الذي يجعل من المركز ضرورة لا غنى عنها".
الأمن والتحكم
وأكد العكاليك أن تشتت البيانات في مراكز صغيرة يجعل من الصعب تطبيق معايير أمنية موحدة وعالية الجودة، ما يسهل اختراقها، موضحا أن وجود مركز موحد يسمح للدولة بفرض بروتوكولات أمنية سيبرانية متقدمة، وتفعيل مراكز عمليات أمنية، تعمل على مدار الساعة لمراقبة أي تهديد.
وقال "إن التحكم في البيانات يصبح مركزيا، مما يعني أن الدولة تملك لوحة تحكم شاملة لسيادتها الرقمية".
متطلبات نجاح إنشاء مركز بيانات
وبين العكاليك أن هناك متطلبات وشروط، أولها (الحوكمة التشريعية) من خلال وضع أطر قانونية تنظم تبادل البيانات بين الجهات وتحدد ملكيتها، و(البنية التحتية بمعايير عالمية)، لضمان عدم انقطاع الخدمة نهائيا، و(الكوادر البشرية) من خلال مهندسي السحابيات، وخبراء الأمن السيبراني، وعلماء البيانات الذين يديرون هذا الكيان، بعقلية القطاع الخاص المرنة.
وقال "إن المتطلب الرابع يتمثل في (الاستدامة)، بالاعتماد على تقنيات تبريد موفرة للطاقة لتقليل البصمة الكربونية والتكاليف".
تحديات مشروع مركز البيانات
ولكن العكاليك قال "إن الطريق ليس مفروشا بالورود، فتحدياته جسيمة وتتطلب إرادة سياسية صلبة"، لافتا إلى أن التحدي الأكبر يتمثل بمقاومة البيروقراطية؛ إذ تخشى بعض الجهات من فقدان السيطرة على بياناتها وتعتبرها ملكية خاصة لا تود مشاركتها، وقال "إن هذا الانغلاق المعلوماتي هو العدو الأول للتحول الرقمي".
وأشار إلى تحدي إدارة التغيير وهجرة الأنظمة القديمة، التي قد لا تتوافق مع التقنيات الحديثة للمركز الموحد، ما يتطلب عمليات تحديث شاملة قد تكون مكلفة زمنيا وماديا.
وأضاف لا ننسى تحدي الهجمات السيبرانية المتطورة التي ستستهدف المركز، ما يضع ضغطا مستمرا لتحديث منظومات الدفاع والذكاء الاصطناعي الأمني.
كفاءة خدمات وخفض تكاليف
أكد ممثل قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في غرفة تجارة الأردن هيثم الرواجبة، أهمية توجه الحكومة لإنشاء مركز بيانات حكومي موحد، وذلك لما لهذا المشروع من أهمية كبيرة في دعم عملية التحول الرقمي وتحسين واقع وسرعة واستقرار الخدمات الحكومية الرقمية، النابعة من كل الوزارات والمؤسسات الحكومية.
وأكد الرواجبة أن من شأن وجود مثل هذا المركز المساهمة في رفع كفاءة الخدمات الحكومية وتحسين سرعتها وتقليل الانقطاعات والأعطال الناتجة عن ضعف البنية التحتية، وخفض التكاليف التشغيلية وتقليل كلفة الخدمات والصيانة والكهرباء والتراخيص والكوادر المكررة.
ولفت، إلى أهميته في الانتقال من الإنفاق الرأسمالي إلى الإنفاق التشغيلي المنظم، وتمكين التكامل بين الجهات الحكومية ومنع ازدواجية البيانات والأنظمة.
التحول الرقمي يعتمد على البيانات
أكد الرواجبة ضرورة هذا المشروع الذي اعتبره دعامة أساسية للتحول الرقمي، لأن عملية التحول الرقمي تعتمد على البيانات، فلا يمكن بناء خدمات ذكية مؤتمتة أو قائمة على الذكاء الاصطناعي، من دون وجود بيانات مركزية وموحدة ومنظمة.
ولفت، إلى أن أهمية مثل هذا المشروع تزداد في حالة تقديم الخدمات الحكومية الرقمية المشتركة التي تشترك فيها أكثر من مؤسسة حكومية مثل، الهوية الرقمية والدفع الإلكتروني، حيث تتطلب منصة مركزية موثوقة وآمنة.
وأكد أهمية المشروع في تسهيل الرقابة والتدقيق والامتثال للتشريعات ودعم مفاهيم الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في مختلف القطاعات، ودعم مفهوم المدن الذكية وإنترنت الأشياء.
وفي الجانب التقني قال الرواجبة "إن المشروع يحتاج إلى تصميم وفق معايير عالمية وتشمل، بنية تحتية مرنة وقابلة للتوسع، أنظمة وربط شبكي حكومي عالي الاعتمادية، فضلا عن أهمية كبيرة لمتطلبات تشريعية وأمنية وبشرية تشمل إطارا وطنيا لحوكمة البيانات وسياسات واضحة لتصنيف البيانات (سرية وحساسة وعامة)، وتحديد صلاحيات الوصول والمسؤوليات فضلا عن أهمية المتطلبات الأمنية مثل وجود مركز عمليات أمن سيبراني وتشفير البيانات أثناء النقل والتخزين".