الأردن والاتحاد الأوروبي.. شراكة ناضجة تبحث عن تعزيز التعاون الإقتصادي
الغد-طارق الدعجة وعبدالرحمن الخوالدة
في محطة سياسية واقتصادية مفصلية يعوَّل عليها لإحداث نقلة نوعية في مسار العلاقات بين الأردن والاتحاد الأوروبي.
تستضيف العاصمة عمان اليوم الخميس القمة الأردنية– الأوروبية الأولى من نوعها، بمشاركة جلالة الملك عبدالله الثاني، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.
وتكتسب القمة أهميتها كونها تمثل أول اختبار عملي لترجمة الشراكة السياسية الإستراتيجية التي أرساها جلالة الملك مع الاتحاد الأوروبي إلى شراكة اقتصادية أكثر عمقا وتأثيرا، توازي متانة العلاقات السياسية وتاريخها الممتد منذ عام 1977، أي ما يقارب خمسة عقود من التعاون المتواصل.
وتأتي القمة بعد توقيع اتفاقية الشراكة الإستراتيجية والشاملة بين الأردن والاتحاد الأوروبي خلال زيارة جلالة الملك إلى بروكسل في كانون الثاني 2025، وهي اتفاقية تعكس تقدير الاتحاد الأوروبي لدور الأردن المحوري في تحقيق الاستقرار الإقليمي، وتفتح في الوقت ذاته أفقا جديدا لتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري.
وكان جلالة الملك قد أكد، في خطاب ألقاه أمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية في حزيران الماضي، أهمية الارتقاء بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي بما يعكس حجم التحديات الدولية المتزايدة، ويعزز القدرة المشتركة على التعامل معها سياسيا واقتصاديا.
الشراكة الأردنية الأوربية بلغة الأرقام الاقتصادية
ويعد الاتحاد الأوروبي من أكبر الشركاء التجاريين والمانحين الدوليين للأردن، حيث استفادت المملكة على مدار العقود الماضية من برامج ومشاريع أوروبية في قطاعات حيوية، إلى جانب حصولها على تصنيف “الشريك المتقدم” عام 2010، باعتبارها من أهم شركاء أوروبا في الشرق الأوسط.
وبحسب البيانات الرسمية، بلغت قيمة الصادرات الأردنية إلى الاتحاد الأوروبي نحو 520 مليون دينار خلال الشهور العشرة الأولى من عام 2025، مقابل واردات بلغت 2.6 مليار دينار خلال الفترة ذاتها، ما يعكس اختلالا واضحا في الميزان التجاري يميل لصالح الجانب الأوروبي.
وتتركز صادرات الأردن إلى الاتحاد الأوروبي في قطاعات الملابس، والأسمدة، والأدوية، والمنتجات الكيماوية والزراعية، فيما تشمل أبرز الواردات المركبات، والآلات الصناعية والكهربائية والإلكترونية.
ويستفيد الأردن من اتفاقية تبسيط قواعد المنشأ مع الاتحاد الأوروبي، التي تهدف إلى دعم الصادرات الأردنية وتعزيز تنافسية القطاع الصناعي، إلا أن الاستفادة منها ما تزال دون الطموح، وفق تقديرات القطاع الخاص.
حزمة أوربية غير مسبوقة
وتتضمن اتفاقية الشراكة الإستراتيجية والشاملة حزمة دعم اقتصادي للأردن بقيمة تقارب 3 مليارات يورو للأعوام 2025–2027، تشمل 640 مليون يورو منحا، واستثمارات بنحو 1.4 مليار يورو، إضافة إلى نحو مليار يورو لدعم الاقتصاد الكلي.
وفي أيلول 2025، صرفت المفوضية الأوروبية الدفعة الأولى من برنامج المساعدة المالية الكلية بقيمة 250 مليون يورو، ضمن برنامج تبلغ قيمته الإجمالية 500 مليون يورو، على أن تُصرف الدفعتان المتبقيتان خلال عامي 2026 و2027.
سبل جني الثمار الاقتصادية للقمة
ويرى خبراء اقتصاديون وممثلو قطاع الأعمال أن القمة الأردنية–الأوروبية الأولى تشكل منعطفا مهما في مسار العلاقات الثنائية، وفرصة لإعادة تعريف هذه العلاقة على قاعدة اقتصادية أكثر توازنا وفاعلية، تقوم على الشراكة الإنتاجية وتوسيع آفاق التبادل التجاري والاستثماري، وبغية جني ثمار هذه القمة، شدد الخبراء على ضرورة الانتقال من النوايا السياسية إلى خطوات تنفيذية واضحة، تعالج اختلالات الميزان التجاري، وتمنح الصادرات الأردنية فرصا أوسع للنفاذ إلى السوق الأوروبية، ضمن رؤية تستهدف بناء اقتصاد تصديري أكثر مرونة واستدامة، فضلا عن ضرورة العمل على توسيع أدوات التمويل والدعم الفني الأوروبي بما يمكّن الشركات الأردنية من الامتثال للمعايير الأوروبية والانخراط الفاعل في سلاسل القيمة الإقليمية والعالمية. وفي هذا السياق، دعا الخبراء إلى استثمار القمة كمنصة إستراتيجية للترويج للاستثمار في القطاعات الاقتصادية الأردنية الواعدة، وفي مقدمتها الطاقة المتجددة، والصناعات الدوائية، وتكنولوجيا المعلومات، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والصناعات التحويلية، مع إبراز الدور المحوري للقطاع الخاص الأردني كشريك استثماري موثوق وقادر على التوسع والنمو.
وأكدوا أن تقديم القطاع الخاص بوصفه ركيزة أساسية في العملية التنموية، إلى جانب إبراز البيئة المستقرة والتشريعات الجاذبة، من شأنه تعزيز ثقة المستثمر الأوروبي وتحفيزه على الدخول في شراكات طويلة الأمد تسهم في خلق فرص عمل وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.
بغدادي: القمة الأردنية– الأوروبية فرصة لإعادة صياغة العلاقة اقتصاديا
وترى رئيسة ملتقى سيدات الأعمال والمهن الأردنية، ريم بغدادي، أن القمة الأردنية– الأوروبية الأولى التي تستضيفها المملكة، تمثل فرصة مهمة لإعادة توجيه العلاقة مع الاتحاد الأوروبي من إطارها السياسي التقليدي إلى شراكة اقتصادية قائمة على المصالح المشتركة.
وأكدت بغدادي ضرورة استثمار القمة كمنصة لتسويق القطاعات الاقتصادية الأردنية الواعدة أمام مجتمع الاستثمار الأوروبي، وفي مقدمتها الصناعات الدوائية، وتكنولوجيا المعلومات، والسياحة العلاجية، والخدمات اللوجستية، إلى جانب قطاع المنسوجات وصناعة الألبسة، وقطاع الطاقة المتجددة، لما لهذه القطاعات من قيمة مضافة عالية وقدرة على دعم التطلعات التنموية والاقتصادية للمملكة.
وشددت على أهمية إعطاء ملف اختلال الميزان التجاري بين الأردن والاتحاد الأوروبي أولوية خاصة، داعية إلى تمكين الصادرات الأردنية من النفاذ بشكل أوسع إلى الأسواق الأوروبية، من خلال تبسيط القواعد الفنية، ودعم سلاسل الإنتاج، وتعزيز تنافسية المنتجات الوطنية، بما ينسجم مع توجهات الأردن نحو بناء اقتصاد تصديري أقل اعتمادا على الطلب المحلي.
كما دعت بغدادي إلى إبراز القدرات الاقتصادية والإنتاجية للقطاع الخاص الأردني أمام الشركاء الأوروبيين، مؤكدة أن القطاع الخاص يشكل عنصرا محوريا في تحويل التفاهمات السياسية إلى استثمارات حقيقية على أرض الواقع.
وأشارت إلى أن ما يمتلكه الأردن من بيئة مستقرة وموقع إستراتيجي يربط أوروبا بالأسواق العربية يشكل ميزة إضافية، إلا أن القيمة الحقيقية تكمن في شركاته الوطنية القادرة على الشراكة والتوسع والالتزام بالمعايير الأوروبية، لافتة إلى نجاح القطاع الخاص الأردني في قطاعات حيوية مثل الصناعات الدوائية، والتكنولوجيا والخدمات الرقمية، والصناعات الغذائية، والطاقة المتجددة، وهي قطاعات تتقاطع مع أولويات الاستثمار الأوروبي.
وأضافت أن اتفاقيات الشراكة وقواعد المنشأ الميسرة تتيح فرصا لتعزيز دور الشركات الأردنية كمراكز إنتاج وتصدير للأسواق الأوروبية، خاصة عند اقترانها بقصص نجاح قائمة وشراكات قابلة للتوسع، بما يجعل الترويج للفرص الاقتصادية قائما على الإنجاز لا على الوعود.
وشددت بغدادي على أن نجاح القمة الأردنية الأوروبية على الصعيد الاقتصادي يبقى مرهونا بتمكين القطاع الخاص الأردني وإشراكه بفاعلية في الحوارات، وتقديمه كشريك استثماري موثوق.
الصمادي: القمة فرصة لتوسيع صادرات الأردن وتعزيز التكامل الصناعي
بدوره اعتبر عضو مجلس إدارة غرفة التجارة الأوروبية في الأردن المهندس محمد الصمادي أن القمة الأردنية الأوروبية المقررة عقدها اليوم تشكل فرصة حقيقية لإعادة ضبط مسار التعاون الاقتصادي بين الأردن والاتحاد الأوروبي، والانتقال به من مستوى الدعم التقليدي إلى مستوى أعمق يرتكز على التصدير والتكامل الصناعي والنفاذ المستدام للأسواق الأوروبية.
وقال الصمادي إن توسيع الصادرات الأردنية يتطلب التركيز على التنفيذ العملي لما تم الاتفاق عليه، وليس الاكتفاء بالإطار السياسي أو التعاوني العام.
وأضاف أن الاتفاقيات القائمة توفر أساسا جيدا، إلا أن الأثر الحقيقي لن يتحقق ما لم تُترجَم إلى برامج واضحة تستهدف القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة، وتربط الدعم الأوروبي بمؤشرات أداء تصديرية ملموسة. وأشار إلى أن قواعد المنشأ تعد من أهم المفاتيح غير المستغلة، وأن القطاع الصناعي الأردني ما يزال يواجه تحديات مرتبطة بالتعقيدات الإجرائية وضيق نطاق المنتجات المشمولة، داعيا إلى تبسيط آليات التطبيق وتوسيع قائمة السلع المؤهلة بما يعزز قدرة المنتج الأردني على المنافسة في السوق الأوروبية.
وأضاف الصمادي أن الصادرات الأردنية تواجه فجوة امتثال للمعايير الأوروبية المتعلقة بالجودة والسلامة والبيئة، مؤكدا أن الحل يكمن في إنشاء آلية أوروبية مبسطة ومركزية للتعامل مع الصادرات الأردنية، إلى جانب برامج دعم فني وتمويلية للمصانع الأردنية خاصة الصغيرة والمتوسطة.
وأوضح أن تحسين كلف الإنتاج والتصدير، خصوصا الطاقة والنقل والتمويل، يشكل عاملا حاسما في تعزيز تنافسية المنتج الأردني، مشددا على أهمية جذب استثمارات صناعية أوروبية موجهة للتصدير ودمج المملكة في سلاسل القيمة الأوروبية لتحقيق نمو اقتصادي مستدام وفرص عمل متبادلة.
وقال الصمادي إن القمة المقبلة تمثل فرصة لتحويل الإرادة السياسية المشتركة إلى نتائج اقتصادية ملموسة، ووضع الصادرات الأردنية في موقع متقدم داخل السوق الأوروبية بما يعزز مكانة الأردن كشريك موثوق وإستراتيجي للاتحاد الأوروبي.
العلاونة: القمة بوابة لتحفيز الدعم المؤسسي والتمويلي للقطاع الخاص
من جانبه أكد رئيس جمعية رجال الأعمال الأردنيين، أيمن العلاونة، أهمية القمة الأردنية الأوروبية الأولى في تعزيز الشراكة الاقتصادية بين الأردن والدول الأوروبية، موضحا أن القمة تتيح منصة للترويج للفرص الاقتصادية والاستثمارية التي يتمتع بها الأردن، خصوصا في القطاعات الحيوية مثل الطاقة المتجددة، التكنولوجيا، السياحة، والصناعات التحويلية.
وبين العلاونة أنه يمكن تسخير هذه القمة للمساهمة في تعزيز التعاون التجاري، حيث إنه على الرغم من نمو الصادرات الأردنية إلى الاتحاد الأوروبي لتصل في العام الماضي إلى نحو 520 مليون دينار، إلا أنه يمكن زيادة هذا الحجم وتنويع الصادرات إلى عدد كبير من الدول الأوروبية، من خلال تحسين شروط اتفاقية التجارة الحرة وزيادة الحصص التفضيلية للمنتجات الأردنية، وتشجيع الشركات الأوروبية على الاستثمار في السوق الأردني، بما يدعم نمو القطاع الخاص ويوفر فرص عمل جديدة للشباب الأردني، وتوسيع قاعدة السلع المعفاة من الرسوم، إضافة إلى التركيز على القطاعات الواعدة منها المنتجات الزراعية العضوية، والصناعات التحويلية وخدمات تكنولوجيا المعلومات، إضافة إلى التركيز بشكل أكبر على الصناعات الدوائية. وأكد العلاونة ضرورة زيادة الدعم المؤسسي والتمويلي للشركات التي تصدر إلى الاتحاد الأوروبي من خلال برامج دعم الصادرات ودعم مشاركة الصناعات الأردنية في المعارض الأوروبية وتغطية تكاليف الشهادات الأوروبية التي يتطلبها الاتحاد الأوروبي، ووضع استراتيجية تسويق متكاملة بدءا بالتوجه إلى إنشاء منصة إلكترونية موحدة للصادرات الأردنية، واعتماد علامة تجارية أردنية موحدة في أوروبا مما يزيد الطلب على المنتجات الأردنية، والعمل على وضع أنظمة إنذار مبكر للتغيرات في السياسات التجارية الأوروبية.
وشدد العلاونة على ضرورة تضافر جهود الحكومة والقطاع الخاص لضمان استفادة الأردن القصوى من هذه القمة المهمة.
كما أكد أن الاستفادة من القمة تتطلب رؤية واضحة، وإستراتيجية ترويجية فعالة، وعرض الفرص الاستثمارية بطريقة مبتكرة تجذب المستثمرين الأوروبيين وتبرز الدور المحوري للقطاع الخاص في دفع عجلة الاقتصاد الوطني.
وأكد العلاونة أهمية إبراز المزايا التنافسية التي يمتلكها الأردن، مثل الموقع الجغرافي الإستراتيجي، والاستقرار السياسي، والإطار التشريعي الجاذب للاستثمار، والبنية التحتية المتطورة، مؤكدا أن هذه العوامل تجعل الأردن وجهة مميزة للمستثمرين الأوروبيين الباحثين عن شراكات طويلة الأمد.
وأشار إلى أن القطاع الخاص الأردني يتمتع بإمكانات كبيرة وفرص متنوعة، لافتا إلى أن المستثمرين الأوروبيين يمكنهم الاستفادة من بيئة أعمال ديناميكية، وشراكات مع شركات محلية رائدة، وفرص للاستثمار في المشاريع التحتية والخدمية.