أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    04-Jan-2026

قراءة في أداء الاقتصاد الأردني للربع الثالث 2025*د. رعد محمود التل

 الراي 

بلغ الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة في الربع الثالث من عام 2025 نحو 11,137 مليون دينار، مسجلاً نمواً بنسبة 2.8 بالمئة مقارنة بالربع ذاته من عام 2024. هذه النسبة لا يمكن قراءتها بمعزل عن المسار الزمني للنمو، إذ تعكس اتجاهاً تصاعدياً متدرجاً بدأ من متوسط 2.5 بالمئة خلال أرباع 2024، ثم 2.6 بالمئة في الربع الأخير من ذلك العام، وصولاً إلى 2.7 بالمئة في الربع الأول من 2025، قبل أن يستقر عند 2.8 بالمئة في الربعين الثاني والثالث بزيادة مقدراها 0.3 نقطة مئوية! هذا المسار يؤشر إلى نمط نمو هادئ لكنه متماسك، قائم على الاستمرارية لا القفزات المؤقتة.
 
على مستوى القطاعات، أظهرت التقديرات الأولية أن أهم الأنشطة الاقتصادية التي حققت أعلى معدلات نمو خلال الربع الثالث من عام 2025 مقارنة بالربع الثالث من عام 2024 تمثلت في: قطاع التعدين، الذي سجل أعلى معدل نمو بنسبة 7.4٪، يليه قطاع الزراعة بنسبة 6.3٪، ثم قطاع الصناعة التحويلية بنسبة 5.1٪، يليه قطاع إمدادات الكهرباء بنسبة 4.6٪، وأخيراً قطاع النقل والتخزين بنسبة 4٪.
 
الملفت أن نحو نصف النمو خلال الربع الثالث جاء من قطاعات إنتاجية ذات قيمة اضافية عالية، ما يمثل بعداً مهماً في طبيعة وبنية الاقتصاد الأردني. فقطاع التعدين الذي نما بنسبة 7.4٪، هو الأسرع نمواً ساهم بحوالي 0.9 من معدل النمو المتحقق، ما يشير إلى زيادة الطلب على المواد الخام مثل الفوسفات والبوتاس، سواء للاستخدام المحلي أو للتصدير. في المقابل، سجل قطاع الزراعة مساهمة بمعدل النمو قاربت 0.27، ما يعكس تحسناً في الإنتاجية أو زيادة الصادرات الغذائية مما يساهم بتعزيز الأمن الغذائي. أما قطاع الصناعة التحويلية فقد ساهم بنسبة 0.23.
 
كما نما قطاع إمدادات الكهرباء بنسبة 4.6٪ وقطاع النقل والتخزين بنسبة 4٪، وهذان القطاعان يعملان داعمين للنمو إذ يتفاعلان مع نشاط القطاعات الأخرى مثل الصناعة والزراعة، ويوفران البنية التحتية والخدمات اللازمة للإنتاج والتجارة. وعليه، فإن المعدلات العالية في التعدين والزراعة مهمة، لكنها أقل تأثيراً على الاقتصاد الكلي مقارنة بالصناعة التحويلية، التي تمثل المحرك الرئيس للنمو بسبب أهميتها ومساهمتها في الناتج، مما يوضح أن قوة الاقتصاد لا تكمن فقط في معدل نمو القطاع، بل في حجمه وأثره الفعلي في الناتج الكلي.
 
القراءة التحليلية للأرقام تقود إلى نتيجتين رئيستين: الأولى، أن النمو الاقتصادي قائم ومستقر ويعتمد على عدد من القطاعات الانتاجية في الاقتصاد (أكثر من نصف معدل النمو المتحقق). والثانية، أن قطاعي الصناعة والزراعة يمثلان نقطة القوة الأكثر وضوحاً، ما يجعل السياسات الصناعية والزراعية رافعة مركزية لأي تسريع مستقبلي للنمو. لذلك فإن تعميق هذا الدور يتطلب استثمارات في البنية التحتية اللوجستية، وتحسين كفاءة الطاقة، وتطوير المهارات، إضافة إلى سياسات مالية ونقدية تحفيزية داعمة للاستثمار الزراعي والصناعي الإنتاجي والتصديري.
 
من زاوية السياسات الاقتصادية، تبرز الحاجة إلى حزم متكاملة ومتدرجة على المدى القصير، فمن الضروري حماية زخم الاستثمار الصناعي عبر تسهيلات ائتمانية موجهة، وحوافز ضريبية مؤقتة مرتبطة بالتكنولوجيا والتصدير، وتعزيز سلاسل التوريد المحلية. على المدى المتوسط، يصبح من الضروري الانتقال من نمو قائم على استخراج الموارد إلى نمو قائم على تعظيم القيمة المضافة، خصوصاً في التعدين والزراعة، من خلال ربطهما بالصناعات التحويلية وخلق سلاسل إنتاج أطول وأكثر كثافة تشغيلية.
 
الشق المالي لا يقل أهمية. فبينما تظل الاستدامة المالية أولوية، فإن إعادة توجيه جزء أكبر من الإنفاق الرأسمالي نحو قطاعات إنتاجية وبنى تحتية استراتيجية سيولد عائداً اقتصادياً أعلى على المدى الطويل. الاستثمار في اللوجستيات، والطاقة المتجددة، والمياه، والزراعة الذكية من شأنه رفع الإنتاجية وتقليل الانكشاف على الصدمات الخارجية، خاصة في سلاسل الإمداد والغذاء والطاقة.
 
بالنسبة لسوق العمل، فإن وتيرة النمو الحالية غير كافية لاستيعاب التدفقات الجديدة من الخريجين. فالمطلوب بالاضافة الى زيادة معدل النمو الاقتصادي هو تحول نوعي في السياسات العمالية، يركز على التدريب المهني والتقني المرتبط مباشرة باحتياجات القطاعات القائدة للنمو، وفي مقدمتها الصناعة المتقدمة، والنقل والخدمات اللوجستية، والخدمات المالية والتقنية. الربط المؤسسي بين التدريب وسوق العمل سيعزز فرص التشغيل ويقلل من فجوة المهارات.
 
إن الحفاظ على مسار نمو تصاعدي في ظل ظروف إقليمية شديدة الاضطراب يعكس درجة من المرونة الهيكلية للاقتصاد الأردني، وقدرة الأنشطة الداخلية على امتصاص الصدمات الخارجية. إلا أن هذه المرونة تظل جزئية، إذ إن وتيرة النمو الحالية تبقى دون المستوى المطلوب لمعالجة الاختلالات البنيوية، وفي مقدمتها البطالة، خاصة بين الشباب، وضعف القدرة على توليد فرص عمل كافية ومستدامة.
 
أداء الاقتصاد الأردني في الربع الثالث من 2025 يعكس قدرة على الصمود والنمو التدريجي في بيئة إقليمية معقدة. لكنه في الوقت ذاته يسلط الضوء على حدود النمو القائم. التحدي الحقيقي لا يكمن في الحفاظ على هذا المسار فحسب، بل في تحويله إلى نمو أعمق وأكثر تنوعاً وقدرة على خلق فرص عمل وتحسين مستويات المعيشة.