أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    29-Jan-2026

الذهب والفضة كمؤشر اقتصادي.. قراءة في التحولات العالمية وانعكاسها على الأردن

 الغد-د. مروة بنت سلمان آل صلاح

 في عالمٍ لم تعد فيه المؤشرات الاقتصادية التقليدية كافية لقراءة التحولات العميقة في الأسواق، ولم تعد العملات الورقية وحدها معيارًا حاسمًا للقوة والاستقرار، عاد الذهب ليحتل موقعه المحوري في قلب المشهد الاقتصادي العالمي. إن الارتفاع المتواصل في أسعار الذهب خلال السنوات الأخيرة لا يمكن تفسيره بوصفه ظاهرة ظرفية أو موجة عابرة، بل هو انعكاس مباشر لتحولات هيكلية في النظام المالي الدولي، وتعبير صريح عن حالة قلق استراتيجي تطال الدول والمؤسسات والأفراد على حد سواء. الذهب اليوم لم يعد مجرد مخزن للقيمة، بل أصبح لغة ثقة عالمية، ومؤشرًا مركبًا يعكس توازنات السياسة، ومرونة الاقتصاد، ومستقبل العملات في زمن تتداخل فيه القرارات النقدية مع الاعتبارات الجيوسياسية والتقنية.
 
 
تاريخيًا، ارتبط الذهب بفترات عدم الاستقرار، وكان الملاذ الآمن الأول عند اهتزاز الثقة بالأسواق المالية. غير أن ما يميز المرحلة الراهنة هو تزامن عدة عوامل ضاغطة في آنٍ واحد. فموجات التضخم التي اجتاحت الاقتصادات الكبرى، ولامست في بعض الدول المتقدمة مستويات تجاوزت 6 % خلال فترات سابقة، أعادت طرح سؤال القيمة الحقيقية للنقود. ومع تآكل القوة الشرائية للعملات، عاد المستثمرون والبنوك المركزية إلى الأصول الحقيقية، وفي مقدمتها الذهب، باعتباره أصلًا محدود العرض، غير خاضع للتوسع السياسي أو للتجارب النقدية غير المحسوبة.
السياسة النقدية العالمية شكلت أحد المحركات الأساسية لهذا الصعود. فرفع أسعار الفائدة الذي اعتمدته البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، كان يهدف إلى كبح التضخم واستعادة السيطرة على الأسعار. نظريًا، يفترض أن تقل جاذبية الذهب في بيئة الفائدة المرتفعة، لكنه في الواقع حافظ على زخمه. السبب يعود إلى أن التشدد النقدي ترافق مع مخاوف أعمق تتعلق بتباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع مخاطر الديون السيادية. ومع تجاوز حجم الدين العالمي حاجز 300 تريليون دولار، باتت الأسواق تدرك أن أسعار الفائدة المرتفعة ليست حلًا مستدامًا، بل إجراء مؤقت في نظام مالي مثقل بالالتزامات.
الدولار الأميركي، بوصفه العملة الاحتياطية الأولى عالميًا، ظل عنصرًا محوريًا في معادلة الذهب. تقليديًا، ترتبط قوة الدولار بعلاقة عكسية مع أسعار الذهب. إلا أن السنوات الأخيرة أظهرت حالة أكثر تعقيدًا؛ إذ احتفظ الدولار بقوة اسمية مدعومة بالفائدة المرتفعة، بينما واصل الذهب مساره الصاعد. هذا التباين يعكس تحولًا بنيويًا في سلوك الأسواق، حيث لم يعد الاعتماد على عملة واحدة كافيًا لضمان الاستقرار طويل الأمد، خصوصًا في ظل تسييس بعض أدوات النظام المالي العالمي واستخدامها كوسائل ضغط جيوسياسي.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم حركة الذهب بمعزل عن الفضة، ولا يمكن قراءة أسعار المعادن الثمينة بعيدًا عن المواقف السياسية التي تشكل الإطار العميق لتقلباتها. فالمعادن الثمينة لا تتحرك وفق منطق السوق وحده، بل تستجيب بشكل مباشر وغير مباشر للتحولات الجيوسياسية، والقرارات السيادية، ومستوى التوتر أو التفاهم بين القوى الدولية.
الذهب، بصفته أصلًا سياديًا بامتياز، يميل إلى الارتفاع كلما تصاعدت حدة الأزمات السياسية أو اتسعت فجوة عدم الثقة بين الدول. النزاعات الإقليمية، العقوبات الاقتصادية، تسييس الأنظمة المالية، أو حتى التلويح باستخدام أدوات الاقتصاد كسلاح سياسي، جميعها عوامل تعزز الطلب على الذهب باعتباره أصلًا لا يخضع لسلطة دولة بعينها ولا يمكن التحكم به بقرار سياسي منفرد. لذلك، كثيرًا ما تسبق تحركات الذهب التحولات الكبرى في المشهد السياسي، ليكون مؤشرًا استباقيًا على القلق العالمي قبل أن ينعكس في البيانات الاقتصادية الرسمية.
أما الفضة، فرغم تصنيفها ضمن المعادن الثمينة، إلا أن سلوكها أكثر حساسية لتعقيدات السياسة الاقتصادية العالمية. فهي تجمع بين كونها مخزنًا للقيمة وأداة صناعية استراتيجية تدخل في قطاعات حيوية مثل الطاقة المتجددة، والصناعات الإلكترونية، والتقنيات النظيفة. هذا البعد المزدوج يجعل أسعار الفضة تتأثر ليس فقط بالمخاطر السياسية، بل أيضًا بالقرارات الحكومية المتعلقة بالتحول الطاقي، والإنفاق على البنية التحتية، والسياسات الصناعية طويلة الأمد.
في فترات الاستقرار النسبي أو وضوح الرؤية السياسية، قد تتراجع جاذبية الذهب مقابل تحسن أداء الفضة مدفوعة بالطلب الصناعي. أما في لحظات الغموض السياسي الحاد، فإن الذهب غالبًا ما يتفوق، بينما تبقى الفضة أكثر تقلبًا، تعكس تردد الأسواق بين الخوف من المخاطر السياسية والرغبة في الاستفادة من فرص النمو الاقتصادي. حتى العلاقة بين المعدنين نفسها تتحول إلى مؤشر سياسي غير مباشر؛ فاتساع الفجوة بين أداء الذهب والفضة يعكس تصاعد القلق الجيوسياسي، بينما تقلصها يشير عادة إلى تحسن التوقعات الاقتصادية أو استعادة قدر من الاستقرار السياسي.
بهذا المعنى، لا تعكس المعادن الثمينة حركة الأسعار فحسب، بل تترجم المزاج السياسي العالمي بلغة اقتصادية دقيقة، حيث يصبح الذهب مرآة لمخاوف الحاضر، وتتحول الفضة إلى مؤشر على سياسات المستقبل واتجاهات الاستثمار الاستراتيجي.
من هنا، برزت أهمية الذهب ضمن الاحتياطيات الرسمية من العملات الصعبة. فقد أظهرت بيانات البنوك المركزية أن مشتريات الذهب تجاوزت في بعض السنوات ألف طن، وهو من أعلى المستويات المسجلة تاريخيًا. اللافت أن هذا التوجه لم يقتصر على الاقتصادات الناشئة، بل شمل دولًا صناعية تسعى إلى إعادة التوازن لاحتياطياتها وتقليل تعرضها لمخاطر سعر الصرف والعقوبات المالية. الذهب هنا يُعاد تعريفه كأصل سيادي، يعزز الاستقلال النقدي ويمنح الدول هامشًا أوسع في إدارة سياساتها الاقتصادية.
في اقتصاد صغير نسبيًا كالأردن، تصبح قراءة حركة الذهب ليست ترفًا تحليليًا، بل أداة إنذار مبكر لاتجاهات الثقة والسلوك المالي. فالاقتصاد الأردني، بحكم انفتاحه وارتباطه الوثيق بالأسواق العالمية، يتأثر بشكل مباشر وغير مباشر بهذه التحولات. ارتفاع أسعار الذهب عالميًا ينعكس على سلوك الأفراد والمؤسسات محليًا، حيث يُنظر إلى الذهب كوسيلة تحوّط تحمي المدخرات من تقلبات التضخم الإقليمي والعالمي، خصوصًا في بيئة تتسم بحساسية جيوسياسية عالية.
التضخم العالمي وارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية انعكست آثارها على الاقتصاد الأردني من خلال كلفة الاستيراد ومستويات المعيشة. في هذا السياق، يكتسب الذهب بعدًا نفسيًا واقتصاديًا مزدوجًا؛ فهو من جهة أداة ادخار تقليدية متجذرة اجتماعيًا، ومن جهة أخرى مؤشر على مستوى القلق الاقتصادي. ويمكن ملاحظة أن الطلب على الذهب في الأردن يرتفع عادة في فترات عدم اليقين، ما يعكس سلوكًا عقلانيًا يسعى إلى الحفاظ على القيمة في بيئة متغيرة.
السياسة النقدية الأردنية، المرتبطة بالدولار من خلال ربط الدينار، تتأثر بدورها بالتوجهات العالمية للفائدة. أي تشدد نقدي أمريكي ينعكس على أسعار الفائدة المحلية وتكلفة الاقتراض. وفي هذا الإطار، يصبح صعود الذهب إشارة مهمة إلى أن الأسواق، رغم استقرار سعر الصرف، ما تزال تبحث عن أدوات تحوط إضافية تقلل من المخاطر النظامية. هذا لا يعني ضعف السياسة النقدية، بل يعكس وعيًا متزايدًا لدى الأفراد والمؤسسات بأهمية تنويع أدوات الادخار والاستثمار.
من زاوية الاحتياطيات، لا يُنظر إلى الذهب في الحالة الأردنية كبديل مباشر للعملات الأجنبية، بل كجزء من منظومة الاستقرار غير المباشر. فالدول التي تعزز احتياطياتها من الذهب تسهم في إعادة تشكيل البيئة النقدية العالمية، ما ينعكس على الاقتصادات المرتبطة بالنظام المالي الدولي. هنا تبرز أهمية القراءة الاستباقية لهذه التحولات عند صياغة السياسات الاقتصادية، بما يضمن الحفاظ على الاستقرار وتعزيز الثقة.
سياسيًا، تلعب التوترات الإقليمية دورًا واضحًا في تعزيز مكانة الذهب محليًا. المنطقة بطبيعتها الجيوسياسية المعقدة تجعل من الذهب خيارًا مفضلًا في أوقات الترقب وعدم اليقين. ارتفاع أسعاره في السوق المحلي لا يعكس فقط حركة الأسواق العالمية، بل يعكس أيضًا إدراكًا عميقًا بأن الاستقرار الاقتصادي يحتاج إلى أدوات تحفظ القيمة بعيدًا عن الصدمات السياسية والاقتصادية المفاجئة.
في ظل ظهور العملات الرقمية وتصاعد النقاش حول مستقبل النقود، يبرز الذهب في الأردن كأصل تقليدي حافظ على مكانته رغم كل التحولات. ورغم الاهتمام المتزايد بالتقنيات المالية الحديثة، ما يزال الذهب يحظى بثقة اجتماعية واقتصادية عالية، سواء في الادخار طويل الأجل أو في البعد الثقافي المرتبط به. هذا التوازن بين الحداثة المالية والتمسك بالأصول الملموسة يعكس نضجًا في السلوك الاقتصادي المحلي، لا رفضًا للتقنية بل إدراكًا لحدودها.
التقنية نفسها أسهمت في تطوير سوق الذهب الأردني، من خلال منصات التسعير اللحظي، والتجارة الإلكترونية، وتحسين مستويات الشفافية. هذه التحولات عززت ربط السوق المحلي بالأسواق العالمية، ورفعت كفاءة التسعير، ووسّعت قاعدة المتعاملين. كما أنها فتحت المجال أمام تطوير أدوات استثمارية أكثر تنظيمًا، تدمج بين الذهب والتقنية ضمن إطار اقتصادي أكثر حداثة.
اقتصاديًا، لارتفاع أسعار الذهب انعكاسات متباينة على الأردن. فمن جهة، قد يحدّ من الطلب في قطاع المشغولات بسبب ارتفاع الكلفة، ومن جهة أخرى، يعزز قيمة المدخرات القائمة ويمنح الأفراد شعورًا أعلى بالأمان المالي. 
كما يُعد الذهب مؤشرًا غير مباشر على مستوى الثقة بالاقتصاد، ما يجعله عنصرًا مهمًا في قراءة المزاج الاقتصادي العام.
في الخلاصة، لا يمكن فهم ارتفاع أسعار الذهب بمعزل عن المشهد العالمي الأوسع. نحن أمام مرحلة انتقالية يعاد فيها تشكيل النظام الاقتصادي الدولي، حيث تتقاطع السياسة مع الاقتصاد، وتندمج التقنية مع السيادة النقدية، ويُعاد تعريف مفهوم الاحتياطي والقيمة. الذهب، بخبرته التاريخية وصموده أمام الأزمات، أثبت أنه ليس بقايا نظام قديم، بل عنصر توازن في نظام جديد أكثر تعقيدًا وأقل يقينًا. وفي عالم تتسارع فيه الابتكارات المالية وتتعدد فيه العملات، يظل الذهب مرآة صادقة لمخاوف الأسواق، ورسالة واضحة بأن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على السرعة وحدها، بل على الحكمة، والتوازن، والفهم العميق لطبيعة المخاطر والفرص في آنٍ واحد.