شكاوى من قفزة بأسعار السلع الرمضانية في العقبة.. والتجار يعزونها لكلف الشحن
الغد-أحمد الرواشدة
العقبة- لم تمرْ البهجة في مدينة العقبة بحلول شهر رمضان المبارك، دون منغصات تمثلت في قفزة نوعية ومفاجئة بأسعار الخضار والفواكه والسلع التي لا تغيب عن مائدة الإفطار والسحور.
فبينما كانت المدينة الساحلية تستعد لاستقبال الزوار والسياح في أجواء رمضانية مميزة، وجد المواطن العقباوي نفسه أمام تحد جديد يضاف إلى قائمة التحديات المعيشية، حيث سجلت الأسواق الشعبية ومحال الخضار ارتفاعات قياسية مقارنة بالأشهر الماضية، مما خلق حالة من الإرباك والتململ في الشارع، ودفع بشريحة واسعة من المستهلكين إلى تغيير عاداتهم الشرائية والتوجه نحو "المولات" الكبرى بحثا عن طوق نجاة لميزانياتهم المتهالكة.
وفي جولة ميدانية لـ"الغد" في أسواق العقبة الرئيسة، بدءا من أسواق ومحال الخضار وصولا إلى المحال التجارية المنتشرة في الأحياء السكنية، لم يخفِ المواطنون في استياءهم الشديد من الارتفاعات التي طالت أصنافا أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، لا سيما البندورة، والخيار، والبطاطا، والباذنجان، وهي المكونات الرئيسة لطبق السلطة والمقبلات الرمضانية، إذ شهدت أسعارها تضاعفا في بعض الأحيان، مما جعل ملء "سلة الخضار" أمرا يتطلب حسابات دقيقة.
وبحسب المواطن سامر أبو تايه، وهو أب لخمسة أطفال، فإن "ما يحدث غير معقول، فقبل أسبوعين فقط كنت أشتري كيلو الخيار بـ35 قرشا، واليوم وصل سعره في بعض المحلات إلى 75، ونحن نتحدث عن العقبة، المنطقة الاقتصادية الخاصة، لكن الأسعار هنا أصبحت أغلى من العاصمة عمان".
ويضيف أبو تايه "أن شهر رمضان شهر رحمة، لكن التجار حولوه إلى شهر استغلال، في وقت إن الراتب لم يتغير والالتزامات تزيد، وكأنهم ينتظرون هذا الشهر لتعويض خسائر العام كله من جيوبنا".
من جانبها، تشير المواطنة فاتن الكباريتي، وهي ربة منزل، إلى "أن الارتفاع طال الفواكه أيضا بشكل جنوني"، مضيفة "إننا كنا نعتبر البرتقال والتفاح فاكهة الفقراء، لكن أسعارها اليوم جعلتها حكرا على فئة معينة. وسألت التاجر عن سبب ارتفاع سعر بعض الخضار، فأجاب: (الدنيا رمضان والنقل غال)".
وتلفت الكباريتي إلى نقطة جوهرية تتعلق بتوقيت الارتفاع، مشيرة إلى "أن الغريب أن الأسعار كانت مستقرة نسبيا قبل أيام قليلة من رمضان، وفجأة، وبمجرد الإعلان عن رؤية الهلال، قفزت الأسعار، وهذا يؤكد أن المسألة ليست مجرد عرض وطلب، بل هناك احتكار واستغلال لحاجة الناس".
أمام هذا الواقع، رصدت "الغد" خلال جولتها، تحولا ملحوظا في السلوك الاستهلاكي، حيث شهدت الأسواق الشعبية ومحال التجزئة الصغيرة تراجعا في الإقبال، مقابل ازدحام غير مسبوق في المراكز التجارية الكبرى (المولات) التي سارعت لطرح عروض ترويجية منافسة.
يقول الشاب محمد كريشان "إنني لم أعد أثق بمحلات الخضار في الحارات، فقد وجدت هنا في المول عرضا على البطاطا والبصل بنصف السعر الموجود في الخارج"، مؤكدا أنه "قد لا تكون الجودة بنفس درجة النخب الأول في الأسواق المتخصصة، لكنها تفي بالغرض وتوفر علي دنانير أنا بأمسّ الحاجة إليها"، معتبرا "أن المولات أصبحت الملاذ الآمن لذوي الدخل المحدود في العقبة، فهي تفرض نوعا من التوازن في السوق، ولولا وجودها لكانت الأسعار في الخارج أضعاف ما هي عليه الآن".
هامش ربح مبالغ فيه
ويؤيد هذا الرأي المواطن سالم العبيديين، الذي يؤكد أنه قطع مسافة طويلة من سكنه في المنطقة التاسعة للوصول إلى أحد المولات في وسط المدينة، مشيرا إلى "أن المسألة أصبحت مسألة مبدأ وتوفير، فالتاجر الصغير يتحجج بالنقل والكهرباء، لكن المولات أيضا تدفع تكاليف نقل وتشغيل، ومع ذلك تقدم أسعارا مقبولة، وهذا يعني أن هامش الربح الذي يضعه تجار التجزئة مبالغ فيه جدا".
في المقابل، يرفض تجار التجزئة وأصحاب محلات الخضار والفواكه في العقبة اتهامهم بالجشع أو الاستغلال، مؤكدين أنهم "حلقة في سلسلة طويلة"، وأن الارتفاع مفروض عليهم من المصدر ومن ظروف النقل الخاصة بمدينة العقبة.
يقول صاحب محل خضار في السوق التجاري، مدافعا عن موقفه "إن المواطن يرى السعر النهائي ويحكم علينا، لكنه لا يعلم ما نتكبده، فنحن نشتري البضاعة من السوق المركزي في عمان أو من المزارع في الأغوار، وتكلفة النقل (الشحن) من عمان إلى العقبة مرتفعة، فالشاحنة التي كانت تأخذ 120 دينارا أصبحت تطلب 150 وأكثر".
ويضيف "أن العقبة منطقة سياحية، وإيجارات المحلات هنا مرتفعة جدا مقارنة بالمحافظات الأخرى، وفاتورة الكهرباء في العقبة، التي نحتاجها لتشغيل المكيفات والثلاجات على مدار الساعة لحفظ الخضار من التلف بسبب الحرارة، تشكل عبئا هائلا، فمثلا إذا بعت كيلو البندورة بسعر التكلفة أو بربح قليل جدا، فلن أستطيع تغطية إيجار المحل أو دفع رواتب العمال".
من جانبه، يشير التاجر محمد الرياطي إلى سبب آخر يتعلق بطبيعة البضاعة الواردة للعقبة، وهو "أن العقبة تطلب دائما بضاعة نخب أول لتلبية طلبات الفنادق والمطاعم السياحية والمواطنين الذين يبحثون عن الجودة، وهذا الصنف سعره مرتفع من المصدر في السوق المركزي، والمولات تشتري كميات ضخمة وتستطيع الحصول على خصومات، وأحيانا تبيع بسعر التكلفة لجذب الزبائن لشراء سلع أخرى، ولا نستطيع منافستهم في هذه اللعبة".
ويضيف الرياطي "نحن أيضا مواطنون ولدينا عائلات ونشعر بالغلاء، لكننا لا نملك عصا سحرية، فالمزارع يرفع السعر، والناقل يرفع السعر، ونحن في الواجهة نتلقى اللوم من الجميع".
حول ذلك، يقول الخبير الاقتصادي الدكتور محمد النعيمات "إن ارتفاع الأسعار في العقبة ظاهرة موسمية تتكرر كل رمضان، لكنها هذا العام أكثر حدة بسبب التضخم العام، والمشكلة تكمن في سلاسل التوريد، حيث إن العقبة بعيدة عن مراكز الإنتاج الزراعي الرئيسة (الأغوار الشمالية والوسطى)، مما يجعل تكلفة النقل عاملا حاسما في السعر النهائي".
ويضيف النعيمات "إن هناك خللا في منظومة الرقابة على الأسعار في المناطق السياحية، حيث يتم التعامل مع السوق وكأنه سوق سياحي مفتوح، بينما الغالبية العظمى من المستهلكين هم مواطنون موظفون وعمال يتقاضون رواتب عادية، وهجرة المواطنين للمولات هي رد فعل طبيعي وصحي اقتصاديا، فهي تجبر التجار الصغار على إعادة النظر في هوامش أرباحهم، لكنها في المدى الطويل قد تضر بقطاع التجزئة الصغيرة إذا لم يتم تدارك الأمر".
مطالب بإنشاء سوق شعبي
إلى ذلك، طالب مواطنون بضرورة إنشاء "سوق شعبي دائم" مدعوم من سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، يتيح للتجار الرئيسيين البيع مباشرة للمواطنين دون وسطاء، مما يقلل من التكاليف ويوفر خضارا طازجة بأسعار معقولة، كما دعوا إلى تشديد الرقابة على "سماسرة النقل" الذين يتحكمون في تكاليف الشحن من الأسواق المركزية إلى العقبة.
من جهتها، بينت مديرية الصناعة والتجارة في العقبة، المهندسة سهيلة البدور، أن المديرية تتابع باهتمام بالغ حركة الأسواق منذ ما قبل حلول شهر رمضان، وأن فرق الرقابة والتفتيش تعمل على مدار الساعة لضمان استقرار الأسعار وتوفر السلع، مضيفة "إننا ندرك تمامًا حجم الضغوط التي يتعرض لها المواطن، ولذلك قمنا بتكثيف جولاتنا الرقابية الصباحية والمسائية على كافة أسواق الخضار والفواكه والمراكز التجارية في المحافظة، بهدف التأكد من الالتزام بالسقوف السعرية التي تحددها الوزارة لبعض الأصناف الأساسية في حال وجود مغالاة غير مبررة".
وقالت البدور "إن تكلفة النقل عامل مؤثر، ونحن نأخذه بعين الاعتبار، لكن هذا لا يبرر الرفع العشوائي للأسعار والجشع، حيث إننا قمنا بدراسة هوامش الربح، وأي تاجر يثبت أنه يتجاوز السقوف السعرية المحددة أو يمتنع عن إعلان الأسعار بشكل واضح سيتم تحرير مخالفة بحقه فورا وتحويله للقضاء، والقانون فوق الجميع، ولن نسمح باستغلال الشهر الفضيل للكسب غير المشروع".
وأضافت "أن مديرية الصناعة والتجارة في العقبة تشجع المواطنين على ثقافة الشكوى، وأي مواطن يلاحظ ارتفاعا غير مبرر في السعر أو تلاعبا في الجودة، عليه التواصل معنا فورا عبر تطبيق الوزارة أو أرقام الشكاوى المخصصة، فالمواطن هو شريكنا الأول في الرقابة".