سكة العقبة الشيدية معان.. بوابة لتعزيز دور المملكة اللوجستي
الغد-محمود خضر الشبول
يفتح مشروع سكة حديد العقبة – الشيدية – معان الباب أمام تحول نوعي في منظومة نقل البضائع في المملكة، مع انتقال جزء كبير من منتجات التعدين من الشاحنات إلى السكك الحديدية، في خطوة يرى خبراء ومختصون أنها تتجاوز خفض كلف النقل، لتؤسس لمنظومة نقل متعدد الوسائط تعزز تنافسية الصادرات، وتدعم مكانة العقبة مركزا إقليميا للنقل والخدمات اللوجستية.
ويرى خبراء أن الأثر الاقتصادي للمشروع يمتد إلى رفع كفاءة سلاسل التوريد وتقليل الضغط على الطرق وخفض كلف صيانتها، إلى جانب توفير استهلاك الطاقة وتعزيز فرص الاستثمار في الصناعات والخدمات المساندة، فيما يكتسب المشروع أهمية إضافية باعتباره نواة لشبكة السكك الحديدية الوطنية وربطها مستقبلا بالمراكز الإنتاجية والموانئ البرية والمعابر الحدودية.
وكان جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، شهدا وضع حجر الأساس لمشروع سكة حديد العقبة–الشيدية–معان، الذي يستهدف في مرحلته الأولى نقل قرابة 13 مليون طن من الفوسفات سنويا من الشيدية إلى العقبة، إلى جانب تحقيق التكامل مع مشروع ميناء معان البري، بما يتيح نقل أنواع مختلفة من البضائع بين العقبة ومعان.
وتتولى الشركة الأردنية الإماراتية للقطارات تشييد المشروع وتنفيذه، باستثمار أردني - إماراتي مشترك بقيمة تقدر بقرابة 2.3 مليار دولار، ويشمل حزمة مشاريع فرعيَّة كبرى في البنية التحتيّة تتضمّن مسارات للسِّكك الحديدية، وفق المواصفات العالميّة المثلى في قطاع السكك الحديدية.
خفض الكلف وتعزيز الصادرات
الخبير الاقتصادي منير دية يرى أن المشروع يمثل استثمارا استراتيجيا يتجاوز أثره المباشر في قطاع النقل، ليصل إلى قطاع التعدين والصادرات والاستثمار والتنمية في جنوب المملكة.
وقال دية إن الربط السككي سيخفض كلف نقل منتجات التعدين، ويرفع قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية، مقدرا الوفر في كلف النقل بنحو 40 مليون دولار سنويا، إلى جانب ما يمكن أن يولده المشروع من فرص استثمارية وتشغيلية مرتبطة بالبنية التحتية والخدمات والصناعات المساندة.
وأضاف أن إنشاء شبكة تربط مناطق الإنتاج بميناء العقبة، ثم التكامل مستقبلا مع ميناء معان البري والمحاور الأخرى، من شأنه أن يدعم موقع الأردن في حركة النقل والترانزيت ويعزز مكانة العقبة بوابة رئيسية للتجارة الإقليمية.
ويتفق الخبير الاقتصادي مفلح عقل مع أهمية الأثر المباشر للمشروع في خفض كلفة نقل الفوسفات، ما ينعكس على ربحية القطاع ومساهمته في الاقتصاد الوطني ومساهمته في تحسين الميزان التجاري وأيضا من كلف الطاقة خاصة وأن الأردن يستورد حوالي 80 % من حاجته في مجال الطاقة، لافتا في الوقت ذاته إلى أثر آخر يتمثل في تخفيف كثافة حركة الشاحنات والضغط على طريق العقبة نتيجة نقل كميات كبيرة من المنتجات التعدينية عبر السكك بدلا من الطرق.
ولا يرى عقل أن التحول إلى السكك يعني تراجع دور النقل البري، إذ يمكن لقطاع الشاحنات أن يتكيف مع النمو في النشاط الاقتصادي ويتجه نحو أنماط وأعمال أخرى، خصوصا مع توسع النشاط اللوجستي المرتبط بالمشروع.
نقلة إلى النقل متعدد الوسائط
من جهتها، ترى وزيرة النقل السابقة المهندسة وسام التهتموني أن المشروع يمثل أول مشروع حديث لنقل البضائع بالسكك بهذا الحجم في المملكة، ويمكن أن يشكل بداية حقيقية لتطبيق مفهوم النقل متعدد الوسائط، من خلال التكامل بين القطارات والشاحنات والموانئ والسفن.
وقالت التهتموني إن قدرة القطارات على نقل كميات كبيرة مقارنة بالشاحنات ستنعكس مباشرة على كلف نقل المواد المصدرة، مقدرة أن تنخفض كلفة النقل للمواد التي ستنقل بالقطار بنحو 30 - 35 % مقارنة بالنقل بالشاحنات.
وأشارت إلى أن الأثر لا يقتصر على كلفة الشحن، بل يشمل خفض الضغط الناجم عن حركة الشاحنات الثقيلة على الطرق، وبالتالي تقليل كلف الصيانة والحوادث المرتبطة بحركة الشاحنات، فضلا عن المساهمة في خفض الانبعاثات وتعزيز التوجه نحو النقل الأخضر.
وترى وزيرة النقل السابقة الدكتورة لينا شبيب أن المشروع يمثل خطوة محورية في إعادة رسم خريطة نقل البضائع، ولا سيما لقطاع التعدين، إذ إن ربط مناطق الإنتاج مباشرة بمنفذ التصدير في العقبة يقلل الاعتماد على الشاحنات في جزء واسع من رحلة البضائع، ويحد من الهدر اللوجستي المرتبط بالتكدس والاختناقات وتذبذب سعة الطرق.
وبينت أن السكك الحديدية تتمتع بميزة في نقل الكميات الثقيلة لمسافات طويلة، بما ينعكس على كلفة الطن وعلى قدرة المصدر الأردني على المنافسة، فيما يؤدي تكامل السكة مع عمليات الميناء إلى رفع كفاءة عمليات المناولة وتحسين القدرة على الالتزام بمواعيد الشحن.
عقدة لوجستية متعددة الوسائط
ويبرز المشروع، وفق شبيب، فرصة لإعادة تموضع العقبة من منفذ بحري إلى عقدة لوجستية متعددة الوسائط، تجمع النقل السككي بالمناولة المينائية والتخزين والتصدير، بما يسمح بتدفق أكثر انتظاما للبضائع وتخطيط أفضل للحركة والمناولة.
وأكدت أن تحقيق هذا الأثر يتطلب النظر إلى الخط باعتباره جزءا من شبكة متكاملة وليس مقطعا معزولا، إلى جانب تطوير منظومة التشغيل والحوكمة والتسعير والجدولة، وضمان قابلية الربط مع أجزاء الشبكة الوطنية والدول المجاورة مستقبلا.
وتكتسب هذه الرؤية بعدًا إضافيًا مع خطط ربط السكة بميناء معان البري؛ إذ تشير البيانات الحكومية إلى أن المشروع سيرتبط بسكة حديد العقبة عبر وصلة تمتد من مسار الشيدية إلى الميناء البري بطول 42 كيلومترًا، فيما سينفذ الميناء على مراحل ليتكامل مع منطقة معان التنموية كنواة لمنطقة لوجستية وجمركية وصناعية جديدة.
أثر يتجاوز قطاع النقل
بدوره، يرى وزير الدولة للشؤون الاقتصادية السابق الدكتور يوسف منصور أن خفض كلف نقل الفوسفات والبوتاس لا ينعكس على الشركات المصدرة فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد من خلال خفض استهلاك الطاقة المستوردة وتحسين كفاءة حركة البضائع.
وقال منصور إن إنشاء السكك والمحطات المرتبطة بها يمكن أن يولد نشاطا اقتصاديا إضافيا حول مساراتها، من خلال الخدمات والتجارة والصناعات المساندة، إلى جانب الأثر الذي يحدثه الإنفاق الاستثماري خلال مرحلة الإنشاء في التشغيل وتحريك النشاط الاقتصادي، ولا سيما في محافظات الجنوب.
وأشار إلى أن تعزيز موقع الأردن كمركز لوجستي لا يتحقق بالنقل وحده، وإنما بتكامل أنشطة التخزين والشحن والتوزيع والخدمات والمتابعة، بما يحول الموقع الجغرافي للمملكة إلى ميزة اقتصادية مستدامة.
وفي هذا السياق، تؤكد التهتموني أن محطات التحميل والتنزيل والمناولة والموانئ البرية التي يمكن أن تنشأ حول الشبكة تفتح المجال أمام استثمارات في التخزين والخدمات المساندة والصناعات التحويلية، بما يعزز الأثر التنموي للمشروع في الجنوب.
وبذلك ، لا تقف أهمية سكة العقبة – الشيدية – معان عند نقل ملايين الأطنان من منتجات التعدين بكلفة أقل، بل في قدرتها على أن تصبح الحلقة الأولى في منظومة نقل بضائع أكثر تكاملا، تجمع السكك والطرق والموانئ والمراكز اللوجستية، وتربط مناطق الإنتاج بمنافذ التصدير.
ويبقى حجم الأثر الاقتصادي الفعلي للمشروع مرتبطا، وفق الخبراء، بمدى استكمال حلقات الشبكة وتكاملها مع ميناء معان البري والمناطق الصناعية واللوجستية، وتطوير نموذج تشغيلي يضمن التكامل بين السكك والشاحنات والموانئ؛ بما يحول الربط السككي من وسيلة لنقل منتجات التعدين إلى شريان اقتصادي يدعم تنافسية الصادرات ويعزز موقع الأردن على خريطة النقل واللوجستيات الإقليمية.