أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    09-Aug-2026

الاحتياطيات الأجنبية في "المركزي".. كيف تصمد كخط دفاع يمتص الصدمات؟

 "الغد" ترصد خمسة عشر عاما من اختبار الصدمات وبناء شبكة الأمان النقدي

الغد-يوسف محمد ضمرة
 لا تُقاس متانة أي اقتصاد بمعزل عن قدرته على مواجهة ما لا يمكن التنبؤ به. وفي هذا السياق بالذات، تشكّل الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي أحد أدق المقاييس التي تكشف، بصرامة رقمية لا تحتمل التأويل، مدى جاهزية أي دولة لامتصاص الصدمات الخارجية. فهي، من الناحية الوظيفية، خط الدفاع الأول عن استقرار سعر الصرف، والضامن العملي لاستمرار تمويل الواردات الحيوية من الطاقة والغذاء، والمرجع الذي تعود إليه وكالات التصنيف الائتماني كلما أرادت تقييم قدرة دولة ما على الوفاء بالتزاماتها الخارجية دون اضطراب. وحين تنكشف هذه الاحتياطيات، فإن الكلفة لا تقتصر على الأرقام، بل تمتد إلى ثقة الأسواق بأكملها.
من هذا المنطلق، يقدّم مسار الاحتياطيات الأجنبية الأردنية بين عامي 2011 و2026 نموذجاً نادراً لدولة محدودة الموارد، شديدة التأثر بمحيطها الإقليمي، نجحت مع ذلك في تحويل خط دفاعها المالي من موقع الهشاشة إلى موقع القوة النسبية. خمس عشرة سنة، تختزل فيها الأرقام قصة اقتصاد اختبر الانهيار والتعافي والاستقرار والقفزة، في تسلسل يستحق تفكيكاً دقيقاً لا وصفاً عابراً.
صدمة 2011–2012.. حين كشف الإقليم هشاشة الاحتياطي
في نهاية عام 2011، وقفت الاحتياطيات الأجنبية الأردنية عند 11.4 مليار دولار، مستوى بدا حينها مريحاً نسبياً. لكن عاماً واحداً كان كافياً لتبديد ثلث هذا الرصيد، إذ هوت الاحتياطيات إلى 7.6 مليار دولار في نهاية 2012 إلى أدنى مستوى تسجله المملكة طوال الفترة محل الدراسة، وانخفاض تجاوزت نسبته 33 %.
لم يكن هذا الانهيار وليد عامل واحد، بل حصيلة تقاطع ثلاث صدمات متزامنة أنهكت ميزان المدفوعات دفعة واحدة: تكرار استهداف خط أنابيب الغاز المصري أجبر الحكومة على التحول العاجل والمكلف إلى الوقود الثقيل والديزل المستوردَين لتشغيل محطات توليد الكهرباء، ما ضاعف فاتورة الطاقة النقدية خلال فترة قصيرة نسبياً. في الوقت ذاته، أدت تداعيات "الربيع العربي" إلى انكماش حاد في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر والسياحة الوافدة من الأسواق العربية التقليدية، وهي روافد أساسية للنقد الأجنبي في الميزانية الخارجية الأردنية. وأضافت الموجات الأولى للجوء السوري عبئاً متصاعداً على الخدمات العامة والسلع المستوردة. النتيجة الحتمية كانت اتساع عجز الحساب الجاري إلى مستويات غير مسبوقة، ما دفع الأردن إلى توقيع برنامج تمويل ممتد مع صندوق النقد الدولي، شكّل لاحقاً حجر الأساس لمسار التعافي الذي تلا.
2013–2015.. حين تحوّل الإصلاح إلى ثقة قابلة للقياس
في غضون ثلاث سنوات فقط، تضاعف الرصيد تقريباً، مرتفعاً من 12.8 مليار دولار عام 2013 إلى 15 ملياراً عام 2014، ثم إلى 15.7 مليار دولار نهاية 2015. هذا التعافي السريع لم يكن نتاج عامل داخلي بحت، بل ثمرة تقاطع مسارين متوازيين يستحقان التمييز الدقيق بينهما.
المسار الأول داخلي بامتياز: تنفيذ برنامج إصلاح مالي ونقدي صارم بالتعاون مع صندوق النقد الدولي أعاد ضبط عجز الموازنة العامة، وأرسل إشارة ثقة واضحة إلى المانحين الإقليميين والدوليين، الذين ضخوا منحاً ومساعدات مباشرة عزّزت المركز الخارجي للمملكة. أما المسار الثاني فخارجي، ويتمثل في الانهيار العالمي لأسعار النفط بعد منتصف 2014، وهو تطور خفّف بشكل جوهري من فاتورة الاستيراد النفطي التي كانت أحد أبرز أسباب الاستنزاف في المرحلة السابقة.
الدرس المنهجي هنا بالغ الأهمية: التعافي لم يكن تلقائياً ولا مضموناً بالكامل، بل حصيلة تقاطع إصلاح داخلي حقيقي مع مناخ خارجي مساعد لم يكن الأردن يملك التحكم فيه. وهو تقاطع لا يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها في كل دورة اقتصادية لاحقة، ما يجعل قراءة هذه المرحلة درساً في حدود الإصلاح المحلي إذا لم يقترن بظروف خارجية مواتية.
2016–2019.. اختبار الاحتواء لا اختبار النمو
خلال هذه السنوات الأربع، تحركت الاحتياطيات ضمن نطاق ضيق نسبياً، بين 13.4 و14.5 مليار دولار، في حالة استقرت وصفها بـ"الاستقرار النسبي" أكثر من كونها نمواً فعلياً. وقد جاء هذا الثبات في ظل ضغوط متراكمة لم تهدأ: تباطؤ في وتيرة النمو المحلي، وتصاعد مستمر في كلفة استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين، وإغلاق معابر تجارية إقليمية رئيسية أثّر بشكل مباشر على حركة الترانزيت والتجارة البينية.
غياب النمو الحاد في هذه المرحلة لا ينبغي أن يُقرأ كضعف في الأداء، بل بالعكس تماماً: كنجاح واضح في "الاحتواء". فقدرة السياسة النقدية على منع هذه الضغوط الإقليمية المتراكمة من الانتقال إلى استقرار سعر صرف الدينار كانت في حد ذاتها إنجازاً، حافظ على مصداقية نظام الربط بالدولار في واحدة من أكثر البيئات الإقليمية اضطراباً خلال العقد الأخير. فالاستقرار في بيئة مضطربة قد يكون أصعب تحقيقاً من النمو في بيئة هادئة.
2020–2023.. الاستثناء الأردني في زمن الجائحة العالمية
يمثل هذا المسار أحد أكثر جوانب القصة إثارة للانتباه من الزاوية التحليلية البحتة. ففي الوقت الذي شهدت فيه اقتصادات عديدة حول العالم، بما فيها اقتصادات إقليمية مجاورة، تراجعاً حاداً في احتياطياتها بفعل الانهيار المفاجئ للسياحة والاستثمار خلال جائحة كورونا، واصلت الاحتياطيات الأردنية اتجاهها الصاعد بثبات لافت: من 15.9 مليار دولار في 2020 إلى 18 ملياراً في 2021، مروراً بمحطة تصحيح مؤقتة عند 17.3 مليار دولار في 2022، قبل أن تعاود الارتفاع إلى 18.1 مليار دولار في 2023.
يمكن تفسير هذا الأداء المضاد للدورة الاقتصادية العالمية بثلاثة عوامل متكاملة: برامج التمويل الميسّر التي أطلقتها المؤسسات المالية الدولية استجابة لصدمة الجائحة، وصمود تحويلات الأردنيين العاملين في الخارج كمصدر نقد أجنبي أكثر استقراراً من السياحة والاستثمار في أوقات الأزمات الصحية العالمية، إلى جانب إجراءات احترازية استباقية اتخذها البنك المركزي لحماية مستويات السيولة بالعملة الصعبة. هذه المرحلة بالذات تكشف مرونة غير متوقعة في بنية مصادر النقد الأجنبي الأردني، ومقاومة نسبية لصدمات من نوع لم يختبره الاقتصاد العالمي من قبل.
2024–2026.. القفزة القياسية ونقطة التحول التاريخية
هنا يكمن أبرز ملمح في كامل السلسلة الزمنية، والأكثر استحقاقاً للتوقف عنده بدقة: الاحتياطيات لم تنمُ هذه المرة بل قفزت، من 21 مليار دولار في 2024 إلى 25.5 مليار دولار في 2025 – أي بزيادة تفوق 21 % خلال سنة واحدة فقط – قبل أن تصل إلى نحو 26.1 مليار دولار وفق أحدث البيانات المتاحة لعام 2026.
هذا المعدل من النمو يتجاوز في وتيرته كل المراحل السابقة باستثناء مرحلة التعافي الأولى في 2013، لكنه يختلف عنها جوهرياً من حيث السياق: فهو يتحقق في ظل حرب مستمرة في غزة، واضطرابات ملاحية متصاعدة في البحر الأحمر تهدد سلاسل الإمداد الإقليمية، أي في بيئة إقليمية شديدة التوتر لا في بيئة تعافي ما بعد أزمة محسومة. وهذا التباين بالذات يرفع القيمة التحليلية للقفزة الأخيرة، إذ يوحي بأن مصادر تراكم الاحتياطيات باتت أكثر تنوعاً ومرونة، وأقل ارتباطاً بصدمة إقليمية واحدة تحدد مسارها بالكامل، سواء عبر تدفقات تمويل خارجي متعددة المصادر، أو تعزيز احتياطيات الذهب، أو ارتفاع كفاءة إدارة السيولة بالعملة الأجنبية داخل أروقة البنك المركزي نفسه.
ومع ذلك، يفرض المنهج العلمي التحليلي هنا: قفزة بهذا الحجم في سنة واحدة تستدعي تفكيكاً أدق لمصادرها الفعلية – هل هي تمويل سيادي، أم مساعدات ثنائية ومتعددة الأطراف، أم تدفقات استثمارية حقيقية، أم إعادة تقييم محاسبية لاحتياطيات الذهب نتيجة ارتفاع أسعاره عالمياً؟ فالإجابة على هذا السؤال هي ما يحدد إن كانت هذه القفزة تعكس تحولاً بنيوياً دائماً في ميزان المدفوعات الأردني، أم أنها محطة استثنائية مرتبطة بظروف تمويل خارجي مؤاتية قد لا تتكرر بالسهولة نفسها.
قراءة كمية شاملة: شكل المنحنى أهم من نقطتي البداية والنهاية
من حيث الأرقام المجردة، ارتفعت الاحتياطيات الأجنبية الأردنية من 11.4 مليار دولار في 2011 إلى نحو 26.1 مليار دولار في أحدث بيانات 2026، بزيادة إجمالية تقترب من 129 % خلال خمس عشرة سنة. غير أن أي قراءة تكتفي بمقارنة نقطتي البداية والنهاية تفوّت جوهر القصة. فالمسار ليس خطاً صاعداً منتظماً، بل منحنى يمر بأربع نقاط تحول واضحة المعالم: تراجع حاد في 2012، تعافٍ سريع في 2013–2015، ثبات ممتد بين 2016 و2019، ثم انطلاقة غير مسبوقة بين 2024 و2026. هذا الشكل المتعرج، أكثر من أي رقم منفرد، هو ما يكشف حقيقة جوهرية: أن حساسية الاحتياطيات الأردنية لبيئتها الإقليمية تفوق حساسيتها للدورة الاقتصادية المحلية وحدها – وهي خاصية بنيوية يفرضها الموقع الجغرافي والاعتماد الكبير على استيراد الطاقة والغذاء.
الأبعاد المؤسسية: أثر مباشر على التصنيف الائتماني وتكلفة الاقتراض
يرتبط ارتفاع الاحتياطيات عضوياً بثلاثة مؤشرات جوهرية تعتمدها المؤسسات المالية الدولية عند تقييم متانة أي قطاع خارجي: أولها عدد أشهر تغطية الواردات، المقياس التقليدي الأكثر اعتماداً لكفاية الاحتياطيات، والذي تحسّن بشكل ملموس مع تضاعف حجم الرصيد الأردني منذ نقطة الانهيار في 2012. وثانيها مخاطر التخلف عن السداد السيادي، إذ تخفّض الاحتياطيات المرتفعة كلفة الاقتراض الخارجي وتحسّن شروط التمويل في أسواق السندات الدولية بشكل مباشر وقابل للقياس. وثالثها مصداقية نظام سعر الصرف الثابت نفسه، حيث يمنح الحجم المرتفع من الاحتياطيات البنك المركزي هامش مناورة أوسع للدفاع عن ربط الدينار بالدولار دون الحاجة إلى تشديد نقدي حاد كلما اهتز الإقليم.
احتياطي قوي واستدامة.. مرآة حقيقية لقدرة الاقتصاد الوطني
تكشف تجربة الأردن بين عامي 2011 و2026 أن الاحتياطيات الأجنبية تجاوزت كونها بنداً محاسبياً في ميزانية البنك المركزي، لتصبح مرآة حقيقية لقدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص سلسلة متعاقبة من الصدمات لم تمنحه فترة راحة طويلة بين واحدة وأخرى: تداعيات الربيع العربي، أزمة اللجوء السوري الممتدة، جائحة كورونا العالمية، وأخيراً التوترات الجيوسياسية المحيطة بغزة والبحر الأحمر.
غير أن استدامة هذا المسار التصاعدي مضمونة بحكم التلقائية، بثلاثة عوامل جوهرية: استمرار الإصلاحات الهيكلية دون تراخٍ، وتنويع مصادر النقد الأجنبي بعيداً عن الاعتماد المفرط على المنح والتمويل الخارجي قصير الأمد، وتوسيع قاعدة الصادرات والاستثمار المنتج بما يرفع من مساهمة الاقتصاد الحقيقي في تكوين هذه الاحتياطيات. فالفارق الجوهري بين احتياطي مستدام وآخر هش لا يكمن في حجمه المطلق، بل في مصدره مما يعكس تراكم الاحتياطيات قوة إنتاجية وتصديرية حقيقية، بالإضافة لتدفقات تمويل خارجية رغم الظروف الجيوسياسية والمالية الدولية.
فالرقم القياسي المسجل اليوم إنجاز يستحق التوثيق وحصافة في إدارة السياسة النقدية للبنك المركزي الأردني، لكنه ليس ضمانة نهائية، بل نافذة فرصة يفترض أن تُستثمر لبناء اقتصاد أقل اعتماداً على الدعم الخارجي، وأكثر اتكاء على قدراته الإنتاجية والتصديرية الذاتية.