النحل.. استثمار صامت يسهم بحماية الأمن الغذائي
الزعبي: الإنتاج السنوي للعسل يغطي %70 من الاستهلاك المحلي
الغد-عبدالله الربيحات
ماذا سيحدث لو اختفى النحل من الأردن لسنوات قليلة فقط؟ الجواب المباشر، وربما المفاجئ لكثيرين، هو أن الخسارة الحقيقية لن تكون في رفوف العسل، بل على موائد الأردنيين أنفسهم.
فحين يغيب النحل، لا يغيب منتج واحد من السوق، بل تتراجع إنتاجية عشرات المحاصيل التي تعتمد على التلقيح الحشري في تكوين ثمارها، من التفاح والمشمش إلى الخضراوات والبقوليات والنباتات العلفية. وهذا يعني ارتفاعاً في الأسعار، وتراجعاً في دخل المزارعين، وضغطاً إضافياً على أمن غذائي أردني هش أصلاً، بفعل محدودية الموارد المائية والاعتماد الكبير على الاستيراد.
هذه هي الزاوية التي ينبغي أن يُقرأ من خلالها انعقاد مهرجان العسل الأردني الثاني 2026، الذي ينظمه الاتحاد النوعي للنحالين الأردنيين، ليس كمناسبة تسويقية لبيع العسل، بل كتذكير وطني بأن قطاع النحل استثمار في البنية الزراعية للبلاد قبل أن يكون قطاعاً إنتاجياً قائماً بذاته.
تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن قيمة خدمات التلقيح التي تقدمها الحشرات، وفي مقدمتها النحل، للزراعة العالمية تتجاوز 235 مليار دولار سنوياً، وأن نحو ثلث الغذاء الذي يستهلكه الإنسان يعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على تلقيح حيواني. والأهم من الرقم الإجمالي هو ما تكشفه دراسات متخصصة من أن قيمة التلقيح في بعض الأقاليم، تعادل ما بين 53 ضعف قيمة إنتاج العسل والشمع نفسه.
بعبارة أخرى، النحال حين يبيع كيلوغرام العسل، فإنه في الحقيقة يقدم للمزارع المجاور خدمة تلقيح تفوق قيمتها ثمن ذلك الكيلوغرام بأضعاف مضاعفة، لكنها خدمة لا تُقيَّم ولا تُدرج في أي حساب اقتصادي رسمي.
خبير الأمن الغذائي د. فاضل الزعبي، بين أن الإحصاءات الرسمية لوزارة الزراعة تتحدث عن نحو 1400 نحال مرخّص، بينما تقدّر مصادر ميدانية العدد الفعلي بنحو 4 آلاف نحال، أغلبهم خارج الإطار الرسمي. بينما تراجع عدد الخلايا المرخصة من نحو 58 ألفا في العام 2021 إلى 38500 خلية في العام 2022، وهو تراجع تديره الوزارة عمداً لضبط الحيازات الوهمية عبر ربط الترخيص بالرقم الوطني، لا لتراجع حقيقي في النشاط.
وأشار الزعبي، إلى أن الإنتاج السنوي يتراوح بين 700 و800 طن، إذ يغطي نحو 70% من الاستهلاك المحلي، فيما يستورد الأردن ما يصل إلى ألف طن سنوياً، مع تفاوت هذا الرقم بحسب مواسم الجفاف كما حدث في موسم 2025. هذه الفجوة، رغم قربها من الاكتفاء الذاتي، تعني أن الأردن ما يزال عرضة لتقلبات الاستيراد في سلعة، قادر بنيوياً على إنتاجها محلياً بالكامل لو عولجت قيود التمويل والتنظيم والتسويق.
وبين الزعبي أن مهرجان العسل يكتسب أهميته من كونه لم يعد فعالية بيع موسمية، بل امتد في نسخته الثانية إلى 5 أيام بمشاركة 60 نحالاً و25 سيدة يعملن في مجال المنتجات الريفية، بعد أن زاره في نسخته الأولى أكثر من 10 آلاف زائر، وحقق مبيعات تجاوزت 60 ألف دينار.
وبين أن هذا النمو يعكس دور الاتحاد النوعي للنحالين الأردنيين كمؤسسة مهنية تتجاوز تمثيل مصالح النحالين إلى قيادة تحديث القطاع، عبر اتفاقيات تعاون مع منظمة الأغذية والزراعة لتطوير الإدارة الحديثة للمناحل، ومع مؤسسة الإقراض الزراعي، لتوفير تمويل ميسّر يفتح الباب أمام الشباب للاستثمار في تربية النحل.
وقال الزعبي، إن الأولوية ليست في مزيد من الفعاليات الترويجية، بل بإدراج خدمة التلقيح ضمن السياسات الزراعية الوطنية كخدمة اقتصادية قائمة بذاتها، وتنظيم استخدام المبيدات بما يحمي الملقحات، والتوسع بزراعة النباتات الرحيقية على هوامش المشاريع الإروائية، وإنشاء نظام وطني موثوق لتتبع جودة العسل، يحمي المنتج المحلي من الغش ومن منافسة العسل المستورد رديء الجودة. بدون هذه الإجراءات، سيبقى القطاع، أسير جهد فردي متقطع، بدل أن يتحول إلى ركيزة مؤسسية ضمن منظومة الأمن الغذائي الأردني.
وأكد أن مستقبل الزراعة الأردنية، لا يُقاس بعدد خلايا النحل، بل بقدرة الدولة على حماية هذا المورد البيئي والاقتصادي بوصفه بنية تحتية زراعية لا تقل أهمية عن مصادر المياه أو الأراضي الصالحة للزراعة.