أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    26-Jul-2026

الذكاء الاصطناعي وصراع السيادة العالمية: أربع جبهات لمعركة واحدة

 الغد-نديم حاتم منصور

 يعيش العالم اليوم التحول الاقتصادي الأكبر منذ عقود، ويقف الذكاء الاصطناعي محركا أساسيا لهذا التغيير. ورغم أن هذه التقنيات وليدة الدول المتقدمة تكنولوجيا، فإن إحدى أبرز مفارقاتها تكمن في منحها فرصا شبه متكافئة للجميع؛ إذ إن سرعة انتشارها وتطورها المتسارع يفتحان باب المنافسة أمام من يملك زمام المبادرة. وستجتاح موجات هذا التحول قطاعات ظُنّت حتى وقت قريب بعيدة عن عالم الخوارزميات، مثل القوة والطاقة والصحة الحيوية والدفاع والمال. ومن يعتقد أن حكاية الذكاء الاصطناعي تقف عند حدود روبوتات الدردشة والمساعدات الرقمية، فقد أغفل حقيقة أن هذه التقنية تعيد بالكامل رسم قواعد اللعبة في القطاعات الاقتصادية الرئيسة.
 
 
والرابط بين هذه الموجات الفرعية بسيط في جوهره؛ فالذكاء الاصطناعي يمنح العلماء والمهندسين والمخططين قدرة حسابية هائلة لم تكن متاحة من قبل، تمكّنهم من اكتشاف الأنماط، وتحليل كميات هائلة من البيانات، واختبار فرضيات معقدة في زمن كان يستغرق سابقا سنوات. وهذه القدرة تحديدا هي ما يدفع كل قطاع من القطاعات التالية إلى الأمام بوتيرة غير مسبوقة، حتى وإن اختلفت أسباب كل قطاع ومنطقه الداخلي عن الآخر.
القطاع الأول: الطاقة
القطاع الأول، والأكثر ارتباطا وتأثيرا بالذكاء الاصطناعي، هو الطاقة؛ إذ تشهد هذه العلاقة سببية مباشرة. فمراكز البيانات التي تُشغّل النماذج المتقدمة تستهلك كميات هائلة ومتزايدة من الكهرباء، بطلب يتسارع بوتيرة تفوق قدرة الشبكات التقليدية على مواكبته. وقد خلق هذا الوضع سباقا موازيا لبناء قدرات توليد جديدة، سواء عبر الطاقة المتجددة أو الغاز أو حتى الطاقة النووية، ليتحول "أمن الطاقة" إلى عنصر إستراتيجي في قدرة الدول على المنافسة. فمن يملك الكهرباء الوفيرة والرخيصة يملك قدرة استضافة الحوسبة، ومن يملك الحوسبة يمسك بعنان اقتصاد المستقبل.
القطاع الثاني: التقنية الحيوية والصحة الرقمية
هنا يعمل الذكاء الاصطناعي كمسرّع بحثي غير مسبوق؛ إذ يختصر مراحل كانت تستغرق سنوات في اكتشاف الأدوية وتصميم البروتينات والعلاجات الحيوية إلى أسابيع أو أشهر. وتستثمر شركات الأدوية الكبرى اليوم مليارات الدولارات في شراكات مع شركات الذكاء الاصطناعي لبناء منصات بحثية متخصصة، فيما بدأت الحدود بين الشركات التقنية والدوائية تتلاشى تدريجيا.
ولا يعني ذلك أن الطريق من المختبر إلى السوق أصبح فوريا، فالقيود التنظيمية والتجارب السريرية لا تزال تفرض وتيرتها الخاصة، لكن مرحلة الاكتشاف المبكر، وهي الأكثر تكلفة وبطئا تاريخيا، تشهد تحولا جذريا حقيقيا.
القطاع الثالث: الدفاع والأمن السيبراني
يُعد هذا القطاع الأكثر وضوحا واستدلالا بالأرقام؛ إذ تعيد الموازنات الدفاعية حول العالم توزيع أولوياتها بسرعة نحو الأنظمة ذاتية التشغيل، والطائرات المسيّرة، والذكاء الاصطناعي القتالي. كما أن ما تشهده ساحات النزاع الحالية من اعتماد متزايد على الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة والمدعومة بالذكاء الاصطناعي يعيد تعريف مفهوم التفوق العسكري ذاته.
ولم تعد المعادلة قائمة على من يملك عددا أكبر من الجنود أو الدبابات، بل على من يملك القدرة الحاسوبية والخوارزمية لرصد الخصم واستهدافه بسرعة تفوق قدرة البشر على المجاراة. ويعيد هذا التحول تشكيل صناعة الدفاع بأكملها، ويحوّل شركات التقنية إلى لاعبين مركزيين في معادلة الأمن القومي.
القطاع الرابع: التكنولوجيا المالية
يتمثل القطاع الرابع في الجيل القادم من التكنولوجيا المالية، وتحديدا السباق على البنية التحتية للمدفوعات العالمية. فقد أصبحت العملات المستقرة والعملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية في قلب معركة صامتة حول من سيتحكم بالقنوات التي يتحرك عبرها المال حول العالم مستقبلا.
وتتسابق شركات الدفع الكبرى والبنوك المركزية على بناء هذه البنية التحتية، ليس لأنها تقنية مستحدثة فحسب، بل لأن من يتحكم بقنوات تحويل القيمة يتحكم بجزء جوهري من السيادة الاقتصادية في القرن الحالي.
ما يجمع هذه الموجات الأربع ليس الذكاء الاصطناعي بصفته أداة تسريع مشتركة فقط، بل إنها جميعا تعيد تعريف مصادر القوة الاقتصادية والجيوسياسية في آن واحد. فالطاقة والحوسبة، والقدرة على تسريع العلم، والتفوق العسكري القائم على الخوارزميات، والسيطرة على قنوات المال، ليست أربعة قطاعات منفصلة بقدر ما هي أربع واجهات لمعركة واحدة حول من سيقود الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
وستجد الدول والمناطق التي تكتفي بمراقبة جبهة واحدة من هذه الجبهات الأربع، بينما تتجاهل البقية، نفسها متأخرة على جميعها في وقت واحد. إن إدراك أن هذه الموجات الفرعية ليست تحولات مستقلة، بل تعبيرات مختلفة عن تحول واحد أكبر يقوده الذكاء الاصطناعي، يمثل نقطة البداية الضرورية لأي استراتيجية اقتصادية جادة تريد اللحاق بهذا العصر، لا الاكتفاء بمراقبته من الخارج.