أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    19-Oct-2026

بلد يكبر.. وبيوت تضيق*مالك العثامنة

 الغد

ليس سهلا على موظف أردني يتقاضى راتبا متوسطا أن يفهم كيف يتحسن الاقتصاد بينما تتراجع قدرته على تدبير شؤون بيته، وكيف تتوسع المشاريع والاستثمارات فيما يضيق هامش الأمان أمام أسرته، فهو لا يعارض بناء المستشفيات والطرق والمدن الجديدة، بل يريدها ويحتاج إليها، لكنه يسأل ببساطة عن مكانه في هذه النهضة، وعن نصيبه منها، وعن مستقبل أبنائه الذين يكبرون أمام عينيه فيما تتضاءل قدرته على توفير حياة تشبه تلك التي استطاع والده توفيرها له.
 
 
الحكومة الأردنية تتحرك اقتصاديا، وهذه حقيقة لا يصح إنكارها، فثمة مشاريع كبرى يجري العمل عليها، ونمو اقتصادي بلغ 3 بالمائة في الربع الثاني من العام الحالي، وهو مؤشر إيجابي وسط ظروف إقليمية بالغة التعقيد، لكن الاقتصاد لا يكتسب قيمته الاجتماعية من الأرقام وحدها، وإنما من قدرته على تغيير حياة الناس، وهنا تحديدا ينبغي أن نطرح سؤالا مختلفا عن تلك الأسئلة التي اعتدنا توجيهها للحكومات، وهو ليس كم مشروعا أنجزتم، بل كم أسرة أصبحت أكثر اطمئنانا بفضل هذه المشاريع؟
أخشى أن الطبقة الوسطى الأردنية، التي شكلت تاريخيا العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي والسياسي، باتت تتعرض لاستنزاف صامت لا يظهر دائما في المؤشرات الاقتصادية، فالموظف الذي يرسل أبناءه إلى المدارس، ويدفع أقساط الجامعة، ويسدد التزاماته الشهرية، لم يعد بالضرورة قادرا على الادخار أو تحسين مستوى معيشته، فيما أصبح الحفاظ على المستوى القائم إنجازا عائليا يحتاج إلى حسابات معقدة وتنازلات يومية.
وهذه الطبقة ليست مجرد شريحة دخل بين الأغنياء والفقراء، بل هي التي صنعت المعلم والطبيب والمهندس والموظف العام، ووفرت للدولة رصيدا من الاستقرار والثقة والطموح، وحين تبدأ هذه الطبقة بفقدان قدرتها على الصعود الاجتماعي، فإننا لا نواجه مشكلة اقتصادية فحسب، بل خللا يتسلل إلى العلاقة بين المواطن ومستقبل بلده.
ولذلك، فإن حكومة الدكتور جعفر حسان، وهي تمضي في تنفيذ المشاريع الكبرى، مطالبة بأن تجعل بناء الطبقة الوسطى جزءا أصيلا من مشروع التحديث الاقتصادي، من خلال سياسات ترفع الدخل الحقيقي، وتخلق وظائف نوعية، وتخفف كلفة التعليم والسكن والنقل، وتتيح للشباب أن يبدأوا حياتهم من دون أن يرثوا قلق آبائهم وديونهم.
فالاستثمار الذي لا يخلق دخلا مستداما للأردنيين يبقى أثره الاجتماعي محدودا، والمشروع الذي يرفع الناتج المحلي من دون أن يوسع فرص الناس في حياة أفضل يظل إنجازا اقتصاديا ناقصا، مهما بلغت قيمته المالية.
لسنا أمام خيار بين بناء المشاريع وبناء الإنسان، فالأردن يحتاج إلى الاثنين معا، لكن الفرق كبير بين اقتصاد تنمو فيه الأرقام واقتصاد تنمو معه الطبقة الوسطى، ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي أن يرافق كل مشروع حكومي جديد ليس فقط ماذا سيضيف إلى خزينة الدولة، بل ماذا سيضيف إلى حياة الأسرة الأردنية، فالدولة التي تبني مستقبلها بالحجارة والإسمنت وحدهما قد تجد بعد سنوات أن مشاريعها كبرت، بينما الطبقة التي يفترض أن تحمل هذا المستقبل أصبحت أصغر.