أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    18-Oct-2026

الرقابة على المال العام.. من رصد المخالفات إلى استباق المخاطر

 الغد-إيمان الفارس

 لا يبدو توجه ديوان المحاسبة نحو التدقيق المبني على المخاطر والتدقيق المستمر مجرد تحديث لأدوات الرقابة، بل يعكس اتجاها لإعادة صياغة آليات التعامل مع المال العام، بالانتقال من فحص ما حدث إلى استباق ما قد يحدث، استنادا إلى تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي وتطوير القدرات المهنية.
 
 
وأكد رئيس الديوان، الدكتور راضي الحمادين، أن هذا التوجه يقوم على الجمع بين الخبرة المهنية والتكنولوجيا الحديثة والتحليل المتقدم للبيانات، لتعزيز القدرة على استشراف المخاطر وتحسين الأداء المؤسسي، بدلا من الاكتفاء باكتشاف الملاحظات بعد وقوعها.
وفي هذا الإطار، يعمل الديوان على توسيع نطاق التدقيق المبني على المخاطر وترسيخ ممارسات التدقيق المستمر، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات واكتشاف الأنماط غير الاعتيادية، وتوجيه الموارد الرقابية نحو المجالات الأعلى خطورة، بما يعزز سرعة الاستجابة ودقة النتائج.
وتتزامن هذه التوجهات مع إعلان الحمادين بلوغ نسبة الإنجاز التراكمية للخطة الإستراتيجية للديوان للأعوام 2024-2027 نحو 94 %.
ويأتي ذلك في سياق توجه مؤسسي يربط تطوير الأداء بالاستثمار في الكوادر البشرية وبناء المهارات المهنية والرقمية والتحليلية، بما يواكب متطلبات الرقابة الحديثة.
ولا يقتصر التحول على الأدوات التقنية، بل يمتد إلى تطوير المنصة الرقابية الذكية، وتعزيز التكامل بين البيانات المالية والرقابية والتشغيلية، ورفع جودة التقارير، وتطوير آليات متابعة المخرجات الرقابية.
ويعكس ذلك توجها نحو بناء منظومة أكثر قدرة على تحديد مواطن الخلل مبكرا، غير أن الاختبار الأهم يبقى في مدى انعكاس هذه المبادرات على الحد من الهدر، وتحسين إدارة الموارد العامة، ومساءلة الجهات المخالفة.
وأكد خبراء في الإدارة والقانون الدستوري والقطاع العام، في تصريحات لـ"الغد"، أن أهمية هذا التحول تكمن في نقل الرقابة من نمط تصحيحي يعتمد بدرجة كبيرة على الفحص اللاحق، إلى نهج أكثر استباقية، يتيح تحديد مواطن الخطورة وتحليل كميات كبيرة من البيانات واكتشاف الأنماط غير الاعتيادية، بما يعزز القدرة على الوصول إلى مواطن الخلل في وقت أبكر وبكفاءة أكبر.
وتأتي مذكرة التفاهم مع شركة "PwC" في هذا السياق، لتوسيع التعاون في مجالات التدقيق وإدارة المخاطر وتحليل البيانات والأمن السيبراني وبناء القدرات. غير أن قيمة هذه الشراكة ستتحدد، وفقا للخبراء، بمدى ترجمة التعاون إلى ممارسات عملية وتحسين ملموس في جودة المخرجات الرقابية وكفاءة الكوادر.
تحول في منظومة الرقابة
اعتبر أستاذ القانون الإداري، الدكتور محمد المعاقبة، أن الأردن يشهد تحولا في منظومة الرقابة على المال العام، من التدقيق التقليدي القائم على الفحص اللاحق إلى نهج أكثر استباقية يعتمد على تحليل البيانات والتنبؤ بالمخاطر.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي قد يعزز قدرة المدقق على اكتشاف الأنماط غير الاعتيادية وتحديد العمليات مرتفعة المخاطر، لكنه لا يحل محل حكمه المهني.
وشدد المعاقبة على أن نجاح هذا التحول لا يرتبط بمجرد إدخال التكنولوجيا، بل بتوافر بيانات موثوقة وكفاءات مؤهلة وتكامل بين الأنظمة، فضلا عن قدرة الديوان على تحويل الأدوات الجديدة إلى نتائج رقابية فعلية.
وفي البعد الدستوري، أكد أستاذ القانون الدستوري في الجامعة الأردنية، الدكتور ليث نصراوين، أن تطوير منهجيات التدقيق وإدارة المخاطر ينسجم مع المادة (119) من الدستور، التي أناطت بديوان المحاسبة مهمة مراقبة إيرادات الدولة ونفقاتها وطرق صرفها.
وأشار إلى أن غايات الرقابة تتجاوز التحقق من مشروعية الإنفاق إلى تعزيز كفاءة إدارة الأموال العامة وحمايتها من الهدر والاعتداء عليها.
ولفت نصراوين إلى أن الأثر الحقيقي للتحديث يتوقف على فاعلية الرقابة ونتائجها، ومتابعة الملاحظات، وضمان مساءلة الجهات التي تثبت بحقها مخالفات مالية أو إدارية.
وأكد أهمية دور مجلسي الأعيان والنواب في مناقشة تقارير الديوان ومتابعة ما يرد فيها، باعتبار أن اكتشاف المخالفات لا يكفي ما لم تعقبه إجراءات لمعالجتها، وتحديد المسؤوليات، وترتيب الآثار القانونية والإدارية المترتبة عليها.
وبين التوجهات التي أعلنها الحمادين وقراءات الخبراء لأبعادها الإدارية والقانونية، يتضح أن التحول الرقابي لا يُقاس بحداثة الأدوات وحدها، بل بقدرتها على إحداث تغيير في الممارسات والنتائج. فالتكنولوجيا والتحليل المتقدم للبيانات قد يوسعان قدرة الديوان على استباق المخاطر، لكن فاعلية الرقابة تظل رهينة بمتابعة الملاحظات، ومعالجة الاختلالات، وتعزيز المساءلة، بما يضمن انعكاس التطوير المؤسسي على حماية المال العام ورفع كفاءة استخدامه.
كما تكشف هذه التوجهات أن التحول لا يقتصر على الجانب التقني؛ فبرمجية متابعة المخرجات الرقابية التي طورها الديوان، وتوسيع نطاق التركيز في التقرير السنوي على الموضوعات ذات الأهمية النسبية، وتبادل الخبرات مع أجهزة رقابية إقليمية، تعكس توجها نحو تطوير دورة الرقابة وأدوات متابعتها ونتائجها.
تحديد المخاطر وإدارتها
قال وزير تطوير القطاع العام الأسبق، ماهر المدادحة، إن إدارة المخاطر أصبحت "من الركائز الأساسية في الإدارة بشكل عام"، لافتا إلى أن حسن تحديد المخاطر وإدارتها والتعامل معها بجدية يسهم في الحد من الخسائر والأضرار، وصولا إلى تجنب هدر المال العام.
واعتبر أن تبني الديوان هذا النهج في التدقيق والتقييم يمثل "تطورا مهما"، كونه يتيح آليات جديدة للحد من هدر المال العام، بالتوازي مع توظيف تحليل البيانات والبرمجيات الحديثة، بما فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي، لتعزيز قدرة الديوان على رصد المخاطر وتحليل أنماط إدارة المال العام ومتابعة استخداماته بصورة أكثر دقة، بما يخدم الأهداف المرتبطة بالإنفاق العام.
وأضاف أن التطور في أدوات التدقيق ومنهجياته يتطلب بناء قدرات مؤسسية داخل الديوان وتطوير مهارات العاملين فيه، لتمكينهم من التعامل مع الأدوات الجديدة وأداء مهام الرقابة "على مستوى عالٍ من الكفاءة".
وفي هذا السياق، رأى المدادحة أن مذكرة التفاهم مع شركة "PwC" تأتي ضمن توجهات الديوان لتطوير عمله، بما يشمل تعزيز منهجيات التدقيق وإدارة المخاطر وبناء القدرات اللازمة لمواكبة هذا التحول.
من جهته، رأى المعاقبة أن الأردن أمام "تحول حقيقي في منظومة الرقابة على المال العام"، وإن كان لا يزال في مرحلة البناء والتطوير. وأشار إلى أن الانتقال من التدقيق التقليدي، القائم بدرجة كبيرة على الفحص اللاحق للعمليات، إلى التدقيق المبني على المخاطر والتدقيق المستمر، يعكس تحولا من الرقابة التصحيحية إلى رقابة أكثر استباقية، تركز على تحديد المخاطر والتنبؤ بها والتعامل معها في الوقت المناسب.
وقال إن توظيف تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي يمكن أن يُحدث "نقلة نوعية في العمل الرقابي"، من خلال القدرة على تحليل كميات كبيرة من البيانات، واكتشاف الأنماط غير الاعتيادية، وتحديد العمليات ذات المخاطر المرتفعة، بما يعزز قدرة المدقق على الوصول إلى مواطن الخلل بكفاءة ودقة أكبر.
وبشأن التعاون مع المؤسسات المهنية العالمية، رأى المعاقبة أن الشراكة مع "PwC" قد تسهم في تطوير منهجيات التدقيق وبناء القدرات ونقل الخبرات، مشددا على أن نجاحها "لا يُقاس بتوقيع المذكرة بحد ذاته"، وإنما بمدى انعكاسها على الممارسة الفعلية وجودة المخرجات وكفاءة الكوادر.
ولفت إلى أن التحدي الأساسي لا يرتبط بمجرد امتلاك التكنولوجيا، وإنما بقدرة منظومة الرقابة على توظيفها بصورة فاعلة. وأوضح أن "الذكاء الاصطناعي لا يحل محل الحكم المهني للمدقق، بل يعززه"، فيما يتطلب نجاح التدقيق المبني على المخاطر بيانات موثوقة، وكفاءات مؤهلة، وتكاملا بين الأنظمة، وإطارا مؤسسيا وتشريعيا داعما.
وجدد المعاقبة تأكيده أن المرحلة الحالية تمثل بداية تحول إستراتيجي في الرقابة على المال العام، مشيرا إلى أن أهمية المرحلة المقبلة تكمن في تحويل المبادرات الجديدة من مجرد تحديث للأدوات والمنهجيات إلى منظومة رقابة ذكية واستباقية، قادرة على التنبؤ بالمخاطر والحد من الهدر، وتعزيز كفاءة استخدام المال العام، ودعم متخذي القرار في الوقت المناسب.
تطوير آليات حماية المال العام
قال أستاذ القانون الدستوري في الجامعة الأردنية، الدكتور ليث نصراوين، إن "الانتقال من الرقابة التقليدية التي تقوم على اكتشاف المخالفات بعد وقوعها إلى رقابة وقائية، تعتمد على الكشف المبكر عن المخاطر والحد من احتمالات وقوعها"، يسهم في تطوير آليات حماية المال العام وتعزيز قدرة الديوان على أداء مهامه بكفاءة أكبر.
ومن الناحية الدستورية، أوضح نصراوين أن التوجه نحو تحديث أدوات التدقيق وتطوير منهجيات إدارة المخاطر ينسجم مع أحكام المادة (119) من الدستور، التي أناطت بديوان المحاسبة مهمة مراقبة إيرادات الدولة ونفقاتها وطرق صرفها.
وبيّن أن هذه المهمة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مقتصرة على التحقق من مشروعية الإنفاق العام فحسب، بل تشمل، في إطار غايات الرقابة، تعزيز كفاءة إدارة الأموال العامة وحمايتها من الهدر والاعتداء عليها.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل بشأن مدى قدرة التقنيات الحديثة والشراكات المهنية، بما فيها مذكرة التفاهم مع "PwC"، على إحداث تغيير ملموس في منظومة الرقابة، بدلا من أن يقتصر أثرها على تطوير الأدوات والإجراءات.
وشدد نصراوين على أن "الأهم من إدخال أدوات تقنية حديثة في منظومة الرقابة، هو مدى انعكاس هذه الخطوات على فاعلية الرقابة ونتائجها"، معتبرا أن معيار نجاح التحديث لا يتمثل في تبني التكنولوجيا بحد ذاته، بل في قدرتها على تحسين الأداء الرقابي وتحقيق نتائج عملية في حماية المال العام.
وأضاف أن تحقيق هذه الغاية يتطلب تطوير آليات متابعة ملاحظات الديوان، وضمان مساءلة الجهات التي تثبت بحقها مخالفات مالية وإدارية؛ فالكشف عن المخالفات، مهما بلغت دقة الوسائل المستخدمة فيه، لا يكفي وحده لضمان فاعلية الرقابة ما لم تعقبه إجراءات واضحة لمعالجة الاختلالات، وتحديد المسؤوليات، وترتيب الآثار القانونية والإدارية المترتبة عليها.
وفي هذا الإطار، أكد نصراوين أن "الرقابة المالية لا تحقق غاياتها بمجرد اكتشاف المخالفات، وإنما باتخاذ الإجراءات لمعالجتها وترتيب المسؤولية عنها"، بما يجعل المتابعة والمساءلة جزءا أساسيا من منظومة الرقابة، لا مرحلة ثانوية تلي التدقيق.
وأضاف أن "نجاح هذا التحول يتطلب ألا يقتصر التطوير على تحديث وسائل التدقيق، بل أن يمتد لتعزيز الأثر القانوني والمؤسسي للرقابة على المال العام".