الغد-محمود الطراونة
لا تقاس فاعلية الحماية الاجتماعية في الأردن بحجم المساعدات المقدمة أو عدد المستفيدين منها فحسب، بل بقدرة المؤسسات على توفير استجابة متكاملة لاحتياجات الأسر، إذ تحتاج الأسرة محدودة الدخل إلى معونة مالية، ورعاية صحية، ودعم تعليمي لأطفالها، وفرصة عمل لأحد أفرادها؛ لكن أثر هذه الخدمات يظل محدودًا إذا قُدمت بصورة منفصلة، وتُركت الأسرة لتتولى بنفسها مهمة التنقل بين المؤسسات ومتابعة الإجراءات.
وتزداد أهمية هذا التحدي مع اتساع نطاق برامج الحماية الاجتماعية وتعدد الجهات المقدمة لها، إذ إن برامج الدعم لم تعد مقتصرة على قدرة الدولة على إيصال الدعم إلى المستحقين، بل إلى مدى نجاحها في ربط المساعدات بالخدمات الصحية والاجتماعية والتأهيلية، وضمان استجابة منتظمة للمشاكل والعقبات التي تواجه الأسرة.
منظومة واسعة.. والتحدي في التكامل
وتُظهر الأرقام الحكومية حجم المسؤولية التي تتحملها منظومة الحماية الاجتماعية في الأردن، ففي إيجاز إعلان البرنامج التنفيذي الحكومي للأعوام 2026–2029، قالت وزيرة التنمية الاجتماعية وفاء بني مصطفى إن الدعم النقدي الشهري المتكرر من خلال صندوق المعونة الوطنية يصل إلى 249 ألف أسرة، تضم نحو 1.121 مليون فرد، وبقيمة إجمالية تبلغ 259 مليون دينار سنويًا، كما بلغ عدد المشمولين بالتأمين الصحي ضمن البرامج المعلنة نحو 857 ألف شخص.
فيما تعكس هذه الأرقام اتساع نطاق التدخل الحكومي، بيد أنها تثير جدلا حول مدى الترابط بين المساعدة النقدية والخدمات الأخرى التي قد تحتاج إليها الأسرة نفسها. فالحصول على معونة مالية لا يعني بالضرورة تلبية الاحتياجات الصحية أو التعليمية أو التأهيلية، كما أن شمول الفرد بالتأمين الصحي لا يثبت وحده سهولة وصوله إلى بقية الخدمات الاجتماعية.
وهنا تبرز أهمية الإستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية 2025–2033، التي تضم أربعة محاور هي "كرامة" للمساعدات الاجتماعية، و"تمكين" للخدمات الاجتماعية، و"فرصة" للعمل اللائق والضمان الاجتماعي، و"صمود" لتعزيز القدرة على مواجهة الأزمات والصدمات، لتضع الإستراتيجية التكامل بين هذه المحاور ضمن رؤيتها لبناء منظومة أكثر شمولًا واستدامة.
غير أن الانتقال من الإطار الإستراتيجي إلى التطبيق يتطلب أكثر من تعدد البرامج؛ بل يحتاج إلى آليات تضمن تبادل المعلومات، والإحالة بين المؤسسات، ومتابعة الحالات التي تتطلب تدخلا أكثر من جهة في وقت واحد.
خطوة نحو توحيد المسار
ويمثل إطلاق السجل الاجتماعي الأردني أحد أبرز البرامج الحكومية الهادفة إلى تحسين استهداف المستفيدين وربط برامج الحماية الاجتماعية، ووفق ما أعلنته الحكومة في كانون الثاني (يناير) من العام 2026، جاءت فكرة السجل ليكون منصة موحدة للتقدم بطلبات الاستفادة من البرامج والخدمات، على أن تشمل مرحلته الأولى ست خدمات، هي التأمين الصحي الاجتماعي، والدعم النقدي الموحد، وبدائل الإيواء للأشخاص ذوي الإعاقة، وخدمات الأبنية والمساكن للأسر الفقيرة، علاوة على دعم الطاقة للأسر الفقيرة، والمساعدات العينية والنقدية.
ويمثل هذا التوجه فرصة لتقليل تكرار الإجراءات، وتحسين دقة الاستهداف، وتسهيل وصول الأسرة إلى أكثر من خدمة عبر مسار موحد، لكنه يضع التنفيذ أمام اختبار حقيقي هو "هل سيقتصر دور السجل على استقبال الطلبات وتجميع البيانات، أم سيتيح أيضًا إحالة المستفيدين إلى الجهات المعنية ومتابعة حصولهم الفعلي على الخدمات؟"
فالتكامل لا يتحقق بمجرد جمع المعلومات في منصة إلكترونية؛ بل يتطلب تحديث البيانات، وتحديد صلاحيات الوصول إليها، وربط الأنظمة بصورة عملية، إضافة إلى توضيح مسؤولية كل جهة عن متابعة الحالات.
كما ينبغي ألا يتحول السجل إلى أداة لاستبعاد الأسر التي لا تستوفي شروط برنامج معين، بل إلى وسيلة تساعد على تحديد احتياجاتها وتوجيهها إلى الخدمات التي تنطبق عليها معايير الاستحقاق.
من الدعم النقدي إلى الاستجابة
عموما لا تكفي المساعدات المالية وحدها لمعالجة جميع أسباب الفقر والضعف الاجتماعية، إذ تحتاج الأسرة إلى دعم نقدي عاجل، وأيضا تحتاج أيضًا إلى خدمات صحية أو تعليمية، أو تأهيل مهني لأحد أفرادها، أو رعاية متخصصة لطفل ذي إعاقة أو مسن يحتاج إلى المساندة.
وفي هذا السياق، أعلنت الحكومة توجهًا لتوسيع وحدات التدخل المبكر والمراكز النهارية الدامجة للأشخاص ذوي الإعاقة، مع توقع ارتفاع عددها من 68 مركزًا ووحدة قائمة إلى 128 خلال السنوات الثلاث المقبلة. كما أشارت إلى دعم أكثر من 500 حضانة بمختلف أشكالها المؤسسية والخاصة والمنزلية.
وتبرز أهمية هذه الخدمات في أنها لا تستجيب لاحتياج فردي فحسب، بل قد تخفف الأعباء عن الأسرة وتتيح لأفرادها فرصًا أكبر للتعليم والعمل، ومع ذلك، فإن زيادة عدد المراكز أو الحضانات لا تكفي وحدها لقياس أثرها؛ إذ ينبغي معرفة مدى توزيعها الجغرافي، وتكلفة الوصول إليها، وقدرتها الاستيعابية، ومدى استفادة الأسر الأشد احتياجًا منها.
كما أن ربط المساعدات بالتدريب والتشغيل يحتاج إلى مراعاة اختلاف ظروف المستفيدين، فبعض الأسر يمكن أن تستفيد من برامج التمكين الاقتصادي، فيما تحتاج أسر أخرى إلى دعم مستمر بسبب الإعاقة أو المرض أو مسؤوليات الرعاية، ولذلك، فإن الاستجابة الواقعية والحقيقية لا تقوم على مسار موحد للجميع، بل على تقييم احتياجات كل أسرة وتحديد التدخل الأنسب لها.
كيف يُقاس نجاح التكامل؟
إلى هنا، وحتى يمكن الحكم على مدى تقدم الأردن في بناء منظومة متكاملة، ينبغي أن تتجاوز مؤشرات الأداء أعداد المستفيدين والمبالغ المصروفة والبرامج المنفذة، لتشمل نتائج ملموسة تتعلق بتجربة الأسرة نفسها.
ومن أهم هذه المؤشرات نسبة الإحالات بين المؤسسات التي تنتهي بحصول المستفيد فعليًا على الخدمة، ومتوسط الوقت اللازم للحصول عليها، وعدد الإجراءات والوثائق المطلوبة، ومدى اضطرار الأسرة إلى تكرار تقديم البيانات نفسها.
كما ينبغي قياس نسبة الحالات التي تُتابع بصورة مشتركة، والفجوات في الوصول إلى الخدمات بين المحافظات والفئات الاجتماعية.
وتحتاج هذه المؤشرات أيضا إلى الإعلان عنها بشكل دوري، لتحديد الأهداف المتوقعة منها، وما تحقق على أرض الواقع، كما ينبغي توفير آلية للشكاوى تتيح للمستفيد معرفة الجهة المسؤولة عن طلبه ومتابعته عند تعثر الموافقة على طلبه أو تأخر الخدمة.
ولا يقل عن ذلك أهمية، إشراك الأسر في تقييم الخدمات؛ فسهولة الإجراءات، ووضوح المعلومات، واحترام كرامة المستفيد، باعتبارها عناصر أساسية للحكم على جودة المنظومة، إلى جانب كفاءة الإنفاق ودقة الاستهداف.
تعدد البرامج ووحدة الاستجابة
في المحصلة، يمتلك الأردن إستراتيجية وطنية للحماية الاجتماعية، وبرامج واسعة للدعم النقدي والصحي والاجتماعي، ويتجه إلى تطوير سجل اجتماعي موحد يمكن أن يشكل قاعدة لتعزيز التكامل، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذه الأدوات إلى مسار واضح تستطيع الأسرة من خلاله الوصول إلى الخدمات المناسبة من دون أن تتحمل عبء التنسيق بين المؤسسات.
فالنجاح لا يُقاس فقط بعدد الأسر التي تتلقى المساعدات، بل بمدى قدرة المنظومة على تحديد احتياجاتها المتداخلة، وتنسيق التدخلات اللازمة، ومتابعة نتائجها، وعندما يصبح الوصول إلى الدعم والرعاية والتأهيل أكثر سهولة وتنظيما، تنتقل الحماية الاجتماعية من برامج متناثرة إلى منظومة أكثر قدرة على الحد من الهشاشة والفقر وتعزيز فرص التمكين وصون كرامة الإنسان.