أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    14-Sep-2026

الزراعة المستقبلية: الانتقال للإنتاج الأكثر كفاءة مائيا

 الغد-عبدالله الربيحات

 أكد خبراء زراعيون أن الأردن يواجه معادلة زراعية شديدة الحساسية عنوانها "المياه مقابل الغذاء"، والتي يتناولها المعنيون وأصحاب القرار في القطاع الزراعي، في ظل واحدة من أعلى درجات شح المياه عالميا، ما يجعل السؤال الحقيقي ليس فقط: كم ننتج من الغذاء؟ بل: كم من المياه نستهلك لإنتاج هذا الغذاء؟
 
 
وبينوا لـ"الغد" أن المطلوب اليوم هو الانتقال من مفهوم زيادة الإنتاج الزراعي بأي تكلفة مائية إلى مفهوم "الإنتاج الأكثر كفاءة مائيا"، وهذا يعني إعادة النظر في التركيب المحصولي وفقا للمناخ وتوافر المياه والقيمة الغذائية والاقتصادية للمحصول.
وقالوا إن ذلك لا يعني أن على الأردن أن يزرع فقط المحاصيل الأقل استهلاكا للمياه؛ فهذه نظرة مبسطة لقضية أكثر تعقيدا، إذ يجب تقييم المحاصيل وفق مجموعة متكاملة من المعايير تشمل إنتاجية المياه، والقيمة الاقتصادية، والطلب في السوق، والأهمية للأمن الغذائي، وفرص التصدير، وقدرتها على توليد الدخل وفرص العمل في المجتمعات الريفية.
معادلة معقدة
وفي السياق، قال الخبير في التنمية الريفية والأمن الغذائي، د. نائل الظاهر، إن الزراعة الأردنية تواجه معادلة شديدة التعقيد، وهي: كيف نحافظ على إنتاج غذائي وقطاع زراعي قادر على دعم الأمن الغذائي والتنمية الريفية في ظل محدودية الموارد المائية؟
ومن هنا، فإن السؤال لم يعد فقط: كم ننتج؟ بل أصبح أكثر دقة: ماذا نزرع، وأين نزرع، وكم من المياه نستخدم، وما القيمة الاقتصادية والغذائية والاجتماعية التي نحققها من كل م³ من المياه؟
وأضاف أن ذلك لا يعني أن على الأردن أن يزرع فقط المحاصيل الأقل استهلاكا للمياه؛ فهذه نظرة مبسطة لقضية أكثر تعقيدا، إذ يجب تقييم المحاصيل وفق مجموعة متكاملة من المعايير تشمل إنتاجية المياه، والقيمة الاقتصادية، والطلب في السوق، والأهمية للأمن الغذائي، وفرص التصدير، وقدرتها على توليد الدخل وفرص العمل في المجتمعات الريفية. فقد يكون محصول ما أكثر استهلاكا للمياه، لكنه يحقق قيمة اقتصادية أو تشغيلية مرتفعة، في حين قد يستهلك محصول آخر موردا مائيا نادرا دون أن يحقق عائدا اقتصاديا أو غذائيا يبرر ذلك.
وزاد أن الارتباط المباشر بين المياه والأمن الغذائي يظهر بوضوح؛ ففي بلد محدود الموارد المائية مثل الأردن، لا يمكن أن يعني الأمن الغذائي تحقيق الاكتفاء الذاتي من جميع السلع الغذائية، بل يتطلب تحديد المنتجات التي يمتلك الأردن فيها ميزة نسبية وقدرة على الإنتاج المستدام، مع الحفاظ على مستوى مدروس من الإنتاج المحلي لبعض السلع الاستراتيجية، وتأمين الاحتياجات الأخرى عبر تنويع مصادر الاستيراد والمخزون الاستراتيجي وسلاسل إمداد مرنة.
وبذلك يصبح الاستخدام الكفؤ للمياه جزءا أساسيا من سياسة الأمن الغذائي، وليس مجرد قضية زراعية أو بيئية.
وتابع أن لهذه المعادلة بعدا اجتماعيا لا يقل أهمية، فالزراعة في الأغوار والبادية والمرتفعات والمناطق الريفية ليست مجرد استخدام للمياه والأرض؛ بل هي مصدر دخل وفرص عمل واستقرار لمجتمعات ريفية، ولذلك فإن إعادة توجيه الخريطة المحصولية يجب ألا تتم على حساب صغار المزارعين.
فإذا كان المطلوب الانتقال نحو محاصيل وتقنيات أكثر كفاءة في استخدام المياه، فيجب أن يصاحب ذلك إرشاد زراعي وتسويقي، وتمويل مناسب، وزراعة تعاقدية، وتأمين زراعي، وتنظيم المنتجين في تعاونيات، وربطهم بالتصنيع الغذائي والأسواق المحلية والتصديرية.
وبيّن أنه من هنا، فإن السؤال: "هل يزرع الأردن المحاصيل المناسبة لمحدودية مياهه؟" يجب أن يتحول إلى أداة دائمة للتخطيط الزراعي، فالأردن بحاجة إلى خريطة محصولية ديناميكية تربط بين الموارد المائية والمناخ والأسواق والأمن الغذائي ودخل المزارعين، وتُحدَّث باستمرار وفق البيانات والتغيرات الاقتصادية والمناخية.
من جهته، بيّن الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية، د. حسان العسوفي، أن الأردن يواجه معادلة زراعية شديدة الحساسية عنوانها "المياه مقابل الغذاء"، والتي يتناولها جميع المعنيين وأصحاب القرار في القطاع الزراعي، في ظل واحدة من أعلى درجات شح المياه عالميا، ما يجعل السؤال الحقيقي ليس فقط: كم ننتج من الغذاء؟ بل: كم من المياه نستهلك لإنتاج كل وحدة من هذا الغذاء؟
فالقطاع الزراعي يُعد من أكبر مستخدمي المياه، وفي المقابل، ما يزال الأردن يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد العديد من السلع والمحاصيل الغذائية.
وأضاف أن التوسع في زراعة المحاصيل التي تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، لا سيما في المناطق المروية، قد لا يكون الخيار الأكثر كفاءة من منظور الأمن الغذائي والمائي، حتى لو حقق إنتاجا مرتفعا على المستوى الزراعي.
وقال إن المطلوب اليوم هو الانتقال من مفهوم زيادة الإنتاج الزراعي بأي تكلفة مائية إلى مفهوم "الإنتاج الأكثر كفاءة مائيا"، ما يعني إعادة النظر في التركيب المحصولي وفقا للمناخ وتوافر المياه والقيمة الغذائية والاقتصادية للمحصول.
وتابع أن المحاصيل الأقل استهلاكا للمياه، والأصناف المبكرة أو المتحملة للجفاف والحرارة، والمحاصيل التي يمكن إنتاجها خلال فترات انخفاض الاحتياجات المائية، ينبغي أن تحظى بأولوية أكبر، إلى جانب التوسع المدروس في الزراعات البعلية المناسبة للظروف المناخية.
كما أن بعض المحاصيل الاستراتيجية لا ينبغي تقييمها فقط على أساس كمية المياه التي تستهلكها، وإنما وفق إنتاجية وحدة المياه؛ أي كمية الغذاء أو القيمة الاقتصادية التي نحصل عليها مقابل كل م³ من المياه.
وبيّن أن المملكة تحتاج فنيا إلى خريطة وطنية للإنتاج الزراعي مرتبطة بالمياه، تحدد المحاصيل والأصناف الأكثر ملاءمة لكل منطقة، بناء على كمية ونوعية المياه والتربة ودرجات الحرارة والأمطار والقيمة الاقتصادية والغذائية، على أن تترافق مع التوسع في تقنيات الري الحديث، وجدولة الري وفق الاحتياجات الفعلية للنبات، واستخدام الحساسات والبيانات المناخية، وتقليل الفاقد في شبكات الري وعلى مستوى المزرعة.
وأضاف أنه ينبغي دعم البحث العلمي في استنباط واختيار أصناف أكثر تحملا للجفاف والحرارة والملوحة، والتوسع في الزراعة المحمية والزراعة الدقيقة، والاستفادة من المياه غير التقليدية المعالجة ضمن ضوابط السلامة، مع تشجيع المزارعين اقتصاديا على التحول نحو المحاصيل ذات الكفاءة المائية الأعلى.
وتابع أن الأمن الغذائي في الأردن لا يعني بالضرورة إنتاج كل شيء محليا، وإنما إنتاج ما نستطيع إنتاجه بكفاءة مائية واقتصادية، واستيراد المحاصيل التي يكون إنتاجها محليا مستنزفا للمياه بصورة غير مبررة.
لذلك، فإن السياسة الزراعية المستقبلية يجب أن تربط بين الأمن الغذائي والأمن المائي، وأن تنتقل من دعم المحصول لمجرد كونه محصولا زراعيا إلى دعم كفاءة استخدام المياه والإنتاجية والقيمة الغذائية والاقتصادية، مبينا أن المياه في الأردن ليست مجرد مدخل للإنتاج؛ بل إنها مورد استراتيجي يجب أن يحدد شكل الزراعة نفسها.
تحديات استثنائية
بدوره، قال الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية، د. نبيل بني هاني، إن قطاع الزراعة في الأردن يواجه تحديات استثنائية جراء الشح المائي الحاد والتغير المناخي، ما يجعل معادلة الأمن الغذائي مقابل استنزاف الموارد المائية تحتم إعادة نظر جذرية.
فالنمط التقليدي لزراعة المحاصيل الشرهة للمياه في بيئة جافة لم يعد خيارا مستداما، الأمر الذي يتطلب موازنة دقيقة بين تلبية الاحتياجات الغذائية الأساسية والحفاظ على المخزون المائي المحدود والمتجدد للأجيال القادمة.
وأضاف أنه لتعظيم كفاءة استخدام المياه، بات لزاما التوسع في تبني التقنيات الحديثة، كأنظمة الري بالتنقيط المتطورة، ومجسات رطوبة التربة، وتطبيقات التسميد الموجه (الري بالتسميد)، مبينا أن هذه الابتكارات التكنولوجية تسهم بشكل مباشر في تقليص الهدر المائي ورفع إنتاجية كل م³ من المياه المستخدمة، ما يدعم استدامة الأنشطة الزراعية المروية ويحقق أعلى عائد إنتاجي بأقل كمية مياه ممكنة.
ودعا إلى التركيز على المحاصيل قليلة الاستهلاك للمياه، وذلك بالتوسع في زراعة المحاصيل ذات الاحتياجات المائية المنخفضة والعائد الاقتصادي المرتفع، مثل الزيتون وبعض أصناف الحبوب المقاومة للجفاف، واستخدام الموارد البديلة عبر التوسع في إعادة استخدام المياه العادمة المعالجة ثلاثيا للزراعات المقيدة والأعلاف، وتوظيف الإدارة الذكية للري لضمان كفاءة استغلال كل قطرة مياه.