كلف المعيشة.. كل خطوة تتطلب إعادة ترتيب الأولويات
الغد-رهام زيدان
رغم أن الثلاثيني عمر عبدالله يحاول الزواج منذ فترة طويلة ليبني أسرة ينتمي إليها، إلا أنه ظل يؤجل هذه الخطوة عامًا بعد عام بسبب "عجز مالي مزمن" يعاني منه منذ سنوات.
ويقول عمر: "دخلي الشهري لا يتيح لي تحمل تكاليف الزواج، ورغم أنني حاولت الإدخار مرارًا وتكرارًا ولو بجزء بسيط من دخلي لهذه الغاية، إلا أنه لا يكفي".
ويشير عمر إلى أنه كلما كان يخطط لاتخاذ خطوة جديدة في حياته، فإنه يعيد ترتيب حساباته من جديد، إذ أنه خلال السنوات الأخيرة وجد نفسه يؤجل جملة من القرارات الجديدة، وهو يفضل التريث إلى حين توفر مساحة أوسع من الاطمئنان المالي.
ويوضح أن وتيرة ارتفاع تكاليف الحياة، من الإيجار والفواتير إلى المصاريف اليومية، تجعل الموازنة بين الاحتياجات الحالية والأهداف طويلة الأمد أكثر تعقيدًا.
ويختم عمر بالقول: "قرارات مثل الزواج أو شراء مسكن أو تأسيس مشروع صغير لم تعد تتخذ بسهولة، بل تحتاج إلى تخطيط دقيق ودراسة متأنية، كونها ترتب التزامات ممتدة لسنوات".
وثمة شريحة واسعة من الأردنيين باتت تعيد ترتيب أولويات الإنفاق لديها، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تأجيل القرارات ذات الأثر الاقتصادي الواسع مثل الزواج أو الدراسة.
وأظهرت أرقام رسمية صادرة العام الماضي عن البنك المركزي أن نسبة الادخار انخفضت في العام 2022 إلى 4.35 % من 9.35 % العام 2017، مقابل زيادة متطلبات الإنفاق، خصوصًا على الاحتياجات الأساسية التي تحتاج إنفاقًا أكبر بوجود دخل متناقص بالقيمة الشرائية، وارتفاع كلف المعيشة.
محمد سليمان يبدأ عمله يوميًا برحلة طويلة ذهابًا وإيابًا من منزله إلى مكان عمله في عمان، في رحلة تستغرق نحو خمس ساعات يوميًا، وهو منذ عامين يخصص جزءًا من راتبه الشهري لادخار مبلغ يمكنه من شراء سيارة تخفف عنه أعباء التنقل.
ويقول: "رغم الحاجة المُلحة لشراء السيارة، إلا أن واقعا دخليا لا يسمح له بذلك حالياً"، مضيفاً أن هذه هي المرة الثالثة التي يؤجل فيها قرار اقتناء مركبة، مكتفياً بوسائل النقل العام في ظل أولويات مالية أكبر.
ويؤكد أن امتلاك سيارة بالنسبة له ليس رفاهية بقدر ما هو وسيلة لتنظيم وقته وتقليل الجهد، إلا أن ترتيب الأولويات يفرض عليه التريث، ويبين أن كثيرين من زملائه يواجهون معادلة مشابهة، تتطلب التخطيط المسبق لكل التزام مالي كبير.
وثبَّت البنك الدولي العام الماضي تصنيف الأردن ضمن الدول ذات الدخل المتوسط المنخفض للعام الثالث على التوالي بعد أن كان ضمن فئة الدخل المتوسط المرتفع خلال الفترة 2017–2022، فيما عرَّف البنك الاقتصادات ذات الدخل المتوسط المنخفض بالنسبة للسنة المالية الحالية 2026، بتلك التي يبلغ نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي فيها بين 1136 دولاراً أميركياً و4495 دولاراً أميركياً.
في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي د. حسام عايش أن تأجيل القرارات الاقتصادية الكبرى على مستوى الأفراد والأسر يعكس حالة ترقب تسود المشهد الاقتصادي والمعيشي، مشيراً إلى أن هذا السلوك يرتبط بالحاجة إلى وضوح أكبر في المسارات القريبة والمتوسطة.
ويضيف عايش أن هذه القرارات بطبيعتها ترتب التزامات طويلة الأمد، ما يدفع كثيرين إلى دراستها بعناية أو تأجيلها إلى حين توفر قدرة أوضح على الوفاء بها، خاصة مع ارتفاع كُلف المعيشة وتراجع مصادر الدخل الإضافية لدى بعض الأسر. ويبين أن التحولات في سوق العمل، محلياً وإقليمياً، أسهمت في تضييق بعض الخيارات، بما في ذلك تراجع فرص العمل الخارجية التي كانت تشكل متنفساً لعدد من الأسر.
ونتيجة لذلك، باتت بعض العائلات تعيد ترتيب أولوياتها، سواء بالبحث عن خيارات أقل كلفة أو الاكتفاء بخطوات تدريجية. ويؤكد أن هذه السلوكيات لا تعني بالضرورة إلغاء الطموحات، بل إعادة صياغتها بما يتلاءم مع الإمكانات المتاحة، في ظل بيئة تتطلب حذراً أكبر في اتخاذ الالتزامات الممتدة.
وتشير آخر بيانات صادرة عن دائرة الإحصاءات العامة إلى أن معدل البطالة الكلي للسكان (أردنيين وغير أردنيين) بلغ 16.2 % خلال الربع الثالث من عام 2025، بانخفاض مقداره 0.1 نقطة مئوية عن الربع الثالث من عام 2024، والذي بلغ آنذاك 16.3 %، وبانخفاض مقداره 0.3 نقطة مئوية عن الربع الثاني من عام 2025.