الباص السريع.. أرقام بالملايين واختبار حقيقي لتغيير ثقافة التنقل
الغد-محمود خضر الشبول
تجاوز العدد التراكمي لمستخدمي الباص سريع التردد في الأردن 78.1 مليون راكب منذ بدء التشغيل وحتى 27 أيلول 2026، في مؤشر على اتساع استخدام خدمات النقل العام المنظم داخل العاصمة وامتدادها إلى محافظات مجاورة. لكن هذه الأرقام، على أهميتها، تفتح سؤالاً يتجاوز حجم الاستخدام إلى مدى قدرة المشروع على تغيير أنماط التنقل، وجذب مستخدمي المركبات الخاصة، والحد من الازدحامات المرورية.
ويرى خبراء ومختصون في قطاع النقل أن النمو المتواصل في أعداد الركاب يعكس طلباً فعلياً على خدمات نقل جماعي أكثر انتظاماً وموثوقية، وأن توسع الشبكة لتشمل الربط بين عمّان والزرقاء والسلط ومادبا عزز حضورها في حركة التنقل اليومية، خصوصاً بين الطلبة والموظفين.
لكنهم يؤكدون أن ارتفاع أعداد المستخدمين لا يكفي وحده لإثبات انتقال ركاب من السيارات الخاصة إلى النقل العام، أو تحديد حجم الأثر الفعلي للمشروع على الازدحام المروري، ما يستدعي توفير بيانات أكثر تفصيلاً عن أنماط التنقل ووسائل النقل التي كان يستخدمها الركاب قبل التحول إلى الباص السريع.
وتظهر أحدث بيانات شركة رؤية عمّان الحديثة للنقل أن العدد التراكمي لركاب الباص سريع التردد بلغ 78,180,152 راكباً حتى 27 أيلول 2026. وكانت بيانات وزارة النقل المنشورة في 23 من الشهر ذاته قد أظهرت وصول العدد التراكمي إلى نحو 77.9 مليون راكب، إلى جانب تسجيل نحو 493 ألف راكب على مختلف المسارات خلال سبعة أيام، بمتوسط حسابي يقارب 70.4 ألف رحلة راكب يومياً.
ويُعد الباص سريع التردد (BRT)، الذي أُطلق في 30 تموز 2019، أحد المشاريع الرئيسية لتطوير منظومة النقل العام في الأردن. ويعتمد المشروع على تشغيل حافلات كبيرة السعة ضمن مسارات ومحطات محددة وترددات منتظمة، مع تخصيص مسارات للحافلات في أجزاء من الشبكة بهدف رفع كفاءة الخدمة وتحسين انتظامها.
وبدأ تشغيل الخدمة داخل عمّان قبل توسيع نطاقها لتشمل خط الربط مع الزرقاء، إلى جانب خدمات تربط العاصمة بمادبا والسلط. وتضم المنظومة، وفق البيانات الواردة، 352 حافلة تعمل على 41 مساراً، بما يعكس اتساع نطاق التشغيل بين النقل الحضري داخل العاصمة والربط مع المحافظات المجاورة.
عمان تستحوذ على الحصة الأكبر من الاستخدام
وتوضح بيانات وزارة النقل المنشورة في 23 أيلول حجم الاستخدام التراكمي بحسب المسارات؛ إذ بلغ عدد الركاب داخل عمّان 59,218,141 راكباً، مقابل 17,702,465 راكباً على خط عمّان–الزرقاء، و602,863 راكباً على خط عمّان–مادبا، و459,719 راكباً على مسارات صويلح–جامعة البلقاء التطبيقية في السلط.
وتشير هذه الأرقام إلى أن خطوط الربط مع الزرقاء ومادبا والسلط سجلت مجتمعة أكثر من 18.7 مليون رحلة راكب منذ بدء تشغيلها، فيما تجاوز الاستخدام داخل العاصمة 59.2 مليون راكب، ليبقى الجزء الأكبر من الطلب متركزاً في عمّان.
وتبرز هذه المؤشرات اتساع النطاق الجغرافي للخدمة، لكنها لا تقدم، بمفردها، صورة مكتملة عن حصة النقل العام من إجمالي رحلات التنقل، أو عن مدى إحلال الباص السريع محل المركبات الخاصة.
طلب متزايد على النقل الجماعي
وقال الرئيس التنفيذي لشركة رؤية عمان الحديثة للنقل، المهندس محمد الليمون، إن تضاعف أعداد مستخدمي خدمات الشركة منذ انطلاقها يعكس، وفق مؤشرات الشركة، تحولاً تدريجياً نحو استخدام النقل العام الحضري المستدام.
وأضاف، إن أعداد مستخدمي الباص سريع التردد وباص عمّان تشير إلى تزايد الطلب على النقل العام بوصفه خياراً عملياً وموثوقاً للتنقل داخل العاصمة وبينها وبين المحافظات المجاورة.
وأوضح أن توفير خدمة منتظمة بمواعيد واضحة ومسارات محددة، إلى جانب مستوى جيد من الأمان والراحة، أسهم في جذب أعداد متزايدة من المواطنين والطلبة والموظفين، مشيراً إلى أن أعداد الركاب المسجلة تظهر أن النقل العام أصبح جزءاً من حركة التنقل اليومية لشريحة واسعة من المستخدمين.
وبيّن الليمون أن ربط عمّان بالمحافظات المجاورة وسّع مفهوم النقل العام من خدمة داخل المدينة إلى شبكة تربط مناطق السكن بالجامعات ومواقع العمل والخدمات. كما وفرت الخطوط المباشرة والمنتظمة بين عمّان والزرقاء والسلط ومادبا خياراً أكثر تنظيماً للمستخدمين، ولا سيما الطلبة والموظفين.
وأكد أن تعزيز ثقة الركاب يرتبط بجودة الخدمة وانتظامها والتزام الحافلات بمواعيدها، وهي مؤشرات تعتمدها الشركة في تقييم مستوى الأداء. ولفت إلى أن توسيع نطاق النقل الحديث يتطلب تطوير الطرق، وتوفير العدد الكافي من الحافلات الحديثة، وتهيئة مراكز الانطلاق والوصول، إلى جانب تطوير أنظمة الدفع والتتبع الإلكتروني.
شبكة تتجاوز حدود النقل داخل العاصمة
من جهتها، قالت وزيرة النقل السابقة، الدكتورة لينا شبيب، إن الأرقام تعكس وجود طلب مرتفع ومستقر على النقل الجماعي داخل عمّان، وإن حجم الاستخدام التراكمي، إلى جانب استمرار الطلب اليومي، يشير إلى أن الخدمة تلبي احتياجات متكررة لدى المستخدمين.
وأضافت، إن ربط العاصمة بمحافظات مجاورة، مثل الزرقاء والسلط ومادبا، أسهم في توسيع نطاق الخدمة، خصوصاً عندما يتكامل الخط الرئيسي مع خطوط التغذية ونقاط الربط، بما يساعد على تقليل زمن الانتظار والتبديل بين وسائل النقل، ويمنح المستخدم رحلة أكثر انتظاماً.
وفيما يتعلق بانتقال مستخدمين من المركبات الخاصة إلى الباص السريع، أوضحت شبيب أن حجم الاستخدام قد يشير إلى انتقال جزء من الطلب من أنماط نقل أخرى، لكنها أكدت عدم إمكانية تحديد حجم هذا التحول استناداً إلى الأرقام المنشورة وحدها.
وأشارت إلى أن استمرار نمو أعداد الركاب على المحاور الرئيسية قد ينعكس تدريجياً على الحركة المرورية من خلال تقليل عدد المركبات على الطرق التي تغطيها الخدمة، خصوصاً خلال ساعات الذروة. غير أن ذلك لا يعني بالضرورة تسجيل انخفاض مباشر وكبير في الازدحامات، في ظل عوامل أخرى تتعلق بالطاقة الاستيعابية للطرق وحجم الطلب الإجمالي على التنقل.
الأرقام تعكس فاعلية الخدمة
من جانبها، قالت وزيرة النقل السابقة، المهندسة وسام التهتموني، إن أعداد مستخدمي الباص سريع التردد تعكس فاعلية الخدمة على المسارات التي دخلت حيز التشغيل، وتؤكد أهمية التوسع فيها وربط المسارات الرئيسية بالأحياء السكنية عبر خطوط تغذية تسهّل وصول المستخدمين إليها.
وأضافت، إن تنامي أعداد الركاب يعكس، كذلك، ثقة المواطنين بالخدمة من حيث الأمان والموثوقية، مشيرة إلى أن الباص سريع التردد لم يعد يقتصر على التنقل داخل العاصمة، بل أصبح يخدم القادمين من المحافظات المحيطة بها، ما يعزز أهمية استكمال الربط بين المسارات الرئيسية وخطوط التغذية.
ورأت التهتموني أن تزايد أعداد المستخدمين قد يشير إلى انتقال فئات جديدة نحو النقل العام، إلا أن تحديد حجم الانتقال من المركبات الخاصة يتطلب قياساً للأثر يستند إلى مسوحات وتعدادات مرورية تقارن أعداد المركبات الخاصة على المسارات قبل تشغيل الخدمة وبعده.
وأضافت، إن هذه البيانات تتيح أيضاً تقدير الأثر البيئي الناتج عن أي انخفاض في استخدام السيارات الخاصة، واحتساب انعكاس ذلك على البصمة الكربونية.
وأكدت أن الوصول إلى قياس أكثر دقة للأثر يتطلب استقرار التشغيل واستكمال منظومة الربط وخطوط التغذية للمسارات الرئيسية، مشددة على أن ربط الأحياء السكنية المحيطة بهذه المسارات يمثل عاملاً أساسياً في زيادة أعداد الركاب وتوسيع نطاق الخدمة وتعزيز الاعتماد على النقل العام.
ولفتت إلى أهمية استكمال البنية التحتية اللازمة للمنظومة، بما يشمل المحطات الرئيسية، ومنها محطة مجمع المحطة، إلى جانب تهيئة محطات التحميل والتنزيل للخطوط المغذية وربطها بالمسارات الرئيسية، بما يعزز التكامل بين مكونات الشبكة.
المطلوب قياس التحول من السيارة إلى النقل العام
بدوره، قال خبير النقل والمرور، المهندس خالد حدادين، إن الأرقام المنشورة تؤكد وجود طلب فعلي على النقل الجماعي المنظم، لكنها لا تسمح وحدها بقياس حجمه أو حصته الحقيقية من سوق النقل، لأنها تجمع بين مناطق وخدمات وفترات تشغيل مختلفة.
وأوضح أن تسجيل 493 ألف رحلة راكب خلال سبعة أيام يعادل نحو 70.4 ألف رحلة راكب يومياً، إلا أن هذا الرقم يشمل عمان وخطوط الربط مع الزرقاء والسلط ومادبا، ولذلك لا يمكن اعتباره مؤشراً على استخدام الباص سريع التردد داخل العاصمة وحدها.
وفي المقابل، أشار حدادين إلى أن التقديرات التخطيطية تشير إلى نحو خمسة ملايين رحلة شخص يومياً في عمّان، معتبراً أن المقارنة بين الرقمين تحتاج إلى مراعاة اختلاف النطاق الجغرافي وطبيعة البيانات والفترة الزمنية التي تغطيها.
وأكد أن ارتفاع أعداد مستخدمي الباص السريع قد يعكس انتقال ركاب كانوا يعتمدون سابقاً على الحافلات التقليدية أو السرفيس أو حافلات "الكوستر"، وهو ما يمثل تطوراً في جودة الخدمة والراحة والانتظام والسلامة والكفاءة التشغيلية، لكنه لا يعني بالضرورة زيادة حصة النقل العام على حساب المركبات الخاصة.
وقال إن تحديد الأثر الفعلي على الازدحام يتطلب معرفة نسبة مستخدمي الباص سريع التردد الذين كانوا يعتمدون على سياراتهم الخاصة قبل الانتقال إليه، مشدداً على أن عدد رحلات الركاب لا يعادل بالضرورة عدد المركبات التي أُزيلت من الطرق.
وأضاف، إن غياب البيانات المتعلقة بوسيلة النقل السابقة للركاب يحول دون الجزم بأن نمو أعداد المستخدمين أدى، بحد ذاته، إلى تخفيف الازدحامات المرورية.
التكامل مفتاح المرحلة المقبلة
وتتقاطع آراء شبيب والتهتموني وحدادين عند أهمية تعزيز التكامل بين مكونات شبكة النقل العام، وعدم الاكتفاء بزيادة أعداد الحافلات والركاب، بما يضمن ربط المسارات الرئيسية بالأحياء السكنية ومناطق العمل والخدمات، وتمكين المستخدم من الوصول إلى وجهته بأقل عدد ممكن من عمليات التبديل.
وترى شبيب أن ذلك يتطلب استكمال شبكة النقل المنظم باعتبارها منظومة متكاملة من الخطوط الرئيسية والمغذية، فيما تؤكد التهتموني ضرورة استكمال البنية التحتية والمحطات ومواقع التحميل والتنزيل وربط الأحياء السكنية بالمسارات الرئيسية.
في المقابل، يركز حدادين على أهمية توفير شبكة تغذية فعالة ومواقف للسيارات عند مداخل عمّان وفي مراكز المحافظات، إلى جانب رفع ترددات الحافلات وتقليص أوقات الانتظار وتوفير زمن رحلة قادر على منافسة المركبة الخاصة.
وتعكس هذه المتطلبات أن التوسع في النقل العام لا يرتبط بعدد الحافلات أو الركاب وحده، بل بقدرة الشبكة على توفير رحلة متكاملة وموثوقة تبدأ من مكان السكن وتنتهي عند الوجهة المطلوبة، من دون تأخير أو تبديل مرهق بين وسائل النقل.