"الإجازة بدون راتب".. تعزيز كفاءة العمل العام
الغد-عبد الله الربيحات
في ظل تصاعد الجدل حول قرار مجلس الوزراء بإعادة تنظيم الأحكام المتعلقة بالإجازة بدون راتب، رأى خبراء إداريون أن القرار سينظم أحكام هذه الإجازة لتصبح أكثر مرونة، من دون انتقاص حقوق الموظفين، بل من شأنه أن يحقق التوازن بين ثلاثة أطراف هم الموظف، والمؤسسة، والمواطن، فيما يبقى الحق الوظيفي مصوناً، لكن ضمن إطار يضمن استمرارية الخدمات، ويحسن التخطيط للموارد البشرية، ويمنع بقاء الوظائف معطلة لسنوات.
وبين هؤلاء الخبراء لـ"الغد"، أن القرار يتماشى بشكل مواز مع أحد الحلول للبطالة المتراكمة للشباب، وكذلك للتغلب على البطالة المقنعة في بعض الدوائر، ولذا يجيء هذا التعديل بوصفه أحد التوجهات الواقعية لتعزيز كفاءة وفاعلية العمل العام.
وأوضحوا أنه، ومن منظور إداري، فإن هذه التعديلات تعزز ثقة الموظف بمؤسسته، إذ يشعر بأنها تتعامل معه وفق مبادئ العدالة والموضوعية، بعيداً عن الجمود أو التعسف في تطبيق الأنظمة، كما تؤكد أن التشريعات الحديثة تسعى إلى تحقيق التوازن بين مصلحة المؤسسة، وحقوق الموظف، والمصلحة العامة، وهو ما يعزز الانتماء الوظيفي والولاء المؤسسي.
انسجام مع مستهدفات التحديث
في هذا الصدد، بينت وزيرة الدولة لتطوير القطاع المؤسسي السابقة، ياسرة غوشة، أن قرار مجلس الوزراء هو من القرارات المهمة التي جاءت استناداً إلى الخبرة العملية في تطبيق نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام، كما ينسجم بدرجة كبيرة مع مستهدفات رؤية التحديث الإداري والاقتصادي، التي تقوم على تطوير التشريعات والسياسات بما يحقق التوازن بين كفاءة الجهاز الحكومي واحتياجات الموارد البشرية.
وأضافت غوشة أن ما يميز القرار إدخال درجة أكبر من المرونة في تنظيم الإجازة بدون راتب، بما يحقق توازناً بين حقوق الموظف واحتياجات المؤسسة الحكومية، إذ تضمنت التعديلات تخفيض مدة الخدمة الفعلية اللازمة للحصول على الإجازة من خمس سنوات إلى ثلاث، إضافة إلى جعل مدة الإجازة أكثر مرونة وعدم تقييدها بعدد محدد من السنوات، وفق الضوابط التي تضمن حسن سير العمل، ويعكس ذلك اهتمام الحكومة بتعزيز رضا الموظف، باعتباره أحد أهم مرتكزات الأداء المؤسسي والإنتاجية.
ورأت أن منح الموظف حق الحصول على إجازة بدون راتب لأسباب اجتماعية أو اقتصادية يسهم في تحقيق التوازن بين الحياة المهنية والحياة الشخصية، فلا يجد نفسه مضطراً إلى الاختيار بين الحفاظ على وظيفته وبين تلبية احتياجاته الأسرية أو الاقتصادية، ما يمنحه استقراراً وظيفياً وقانونياً، مع الحفاظ على ارتباطه بمؤسسته الأصلية.
ومن الجوانب الإيجابية، قالت غوشة إن هذه الإجازة تتيح للموظف التعامل مع الظروف العائلية أو الصحية أو الاجتماعية دون اللجوء إلى تقديم الاستقالة، الأمر الذي يعزز استقراره النفسي ويزيد من احتمالية عودته إلى عمله بكفاءة وخبرة أكبر.
وأشارت إلى أن الإجازة توفر فرصة لتطوير القدرات البشرية، سواء من خلال استكمال الدراسات العليا أو الالتحاق ببرامج تدريبية متخصصة أو اكتساب خبرات عملية جديدة، وهو ما ينعكس مستقبلاً على جودة الأداء المؤسسي ويعزز كفاءة الجهاز الحكومي.
وقالت غوشة إن الأردن يتميز بكفاءة موارده البشرية، لا سيما موظفي القطاع العام الذين يمتلكون خبرات متخصصة في مختلف المجالات، إذ تتيح هذه المرونة أيضاً الاستفادة من تلك الخبرات خارج المملكة، سواء من خلال العمل المؤقت أو المشاركة في مشاريع دولية، بما يسهم في تعزيز الخبرات الوطنية وتحقيق عوائد اقتصادية للموظفين، إضافة إلى زيادة التحويلات المالية التي تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني.
المصلحة الحكومية
في المقابل، أوضحت غوشة أن القرار لم يغفل مصلحة المؤسسات الحكومية، إذ أتاح للدوائر استثمار الشواغر الناتجة عن الإجازات بدون راتب لتلبية احتياجاتها التشغيلية وفق أسس وضوابط محددة، بما يضمن استمرارية تقديم الخدمات العامة بكفاءة، ويمنع حدوث أي فراغ وظيفي قد يؤثر في جودة الخدمة، كما يتيح إمكانية استقطاب كفاءات جديدة عند الحاجة.
وأشارت إلى أنه من منظور إداري، فإن هذه التعديلات تعزز ثقة الموظف بمؤسسته، إذ يشعر بأنها تتعامل معه وفق مبادئ العدالة والموضوعية، بعيداً عن الجمود أو التعسف في تطبيق الأنظمة.
وأكدت أن التشريعات الحديثة تسعى إلى تحقيق التوازن بين مصلحة المؤسسة، وحقوق الموظف، والمصلحة العامة، وهو ما يعزز الانتماء الوظيفي والولاء المؤسسي.
وأضافت: "يُحسب للقرار أيضاً أنه سيطبق على الموظفين الحاصلين حالياً على إجازة بدون راتب وفق الأحكام السابقة، وكذلك على من سيحصلون عليها مستقبلاً بموجب التعديلات الجديدة، بما يرسخ مبدأ العدالة والمساواة في تطبيق التشريعات.
وقالت غوشة إن من أبرز السمات التي تميز نهج حكومة دولة الدكتور جعفر حسان هو اعتمادها على دراسة أثر السياسات والقرارات قبل إصدارها، ثم متابعة نتائج تطبيقها وتقييم آثارها الإيجابية والتحديات التي قد تظهر، والعمل على مراجعتها وتصويبها عند الحاجة، كما أن الحوار مع الجهات المعنية والاستماع إلى التغذية الراجعة يعزز جودة القرار الحكومي، ويرفع مستويات الالتزام والرضا، ويؤكد أن الإدارة الحديثة تقوم على التعلم المستمر وتحسين السياسات بما يخدم المصلحة العليا للدولة.
تحقيق العدالة
من جهته، رأى خبير اللإدارة العامة أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا د.عبدالله القضاة، أن القرار يحقق العدالة بين الموظف والمؤسسة، حيث إن التعديل لا ينحاز لطرف على حساب آخر، بل يوازن بين حق الموظف في الحصول على إجازة بدون راتب عند الحاجة، وحق المؤسسة في استمرار تقديم خدماتها للمواطنين بكفاءة، مشيرا إلى أن العدالة الإدارية لا تعني حماية حق الموظف فقط، وإنما حماية حق المواطن أيضاً في خدمة عامة مستقرة.
وأضاف القضاة إن القرار ينهي حالة تجميد الوظائف لسنوات طويلة، خلافا للسابق إذ كانت بعض الوظائف تبقى شاغرة فعلياً لسنوات بسبب الإجازات الطويلة، الأمر الذي يحرم الخريجين والكفاءات من فرص العمل، ويزيد الأعباء على زملاء الموظف المجاز، أما اليوم فأصبحت الجهات الحكومية قادرة على التخطيط وتعبئة هذه الشواغر بما يخدم المصلحة العامة.
وحول تعزيز العدالة بين المؤسسات الحكومية، بين القضاه أن بعض المؤسسات كانت تعاني من نقص الكوادر بسبب كثرة الإجازات، بينما مؤسسات أخرى لا تواجه المشكلة ذاتها، أما التنظيم الجديد فيوفر إطاراً موحداً يحقق العدالة في إدارة الموارد البشرية على مستوى القطاع العام بأكمله.
وحسب القضاة، فإن القرار سيؤدي الى رفع كفاءة التخطيط للموارد البشرية، وذلك من خلال إلزام الموظف بإبلاغ مؤسسته قبل سنة من العودة هذا يمنح الجهات الحكومية فرصة كافية للتخطيط، وإعداد البدائل، وتنظيم عمليات الإحلال والتدريب دون حدوث ارتباك إداري.
وقال إن المواطن هو المستفيد الأول من هذا القرار؛ لأن وجود بدائل للموظفين المجازين يضمن عدم تعطل الخدمات أو انخفاض جودتها، وهو الهدف الأساسي لأي إصلاح إداري.
وأوضح أن التعديل أكثر مرونة من النظام السابق،
رغم إعادة التنظيم، إذ خفّض المشروع مدة الخدمة المطلوبة للحصول على الإجازة من خمس سنوات إلى ثلاث سنوات، وهو ما يعكس حرص الحكومة على التوسع في منح هذا الحق، مقابل وضع ضوابط تضمن حسن إدارته.
وقال القضاة إن التعديل يحقق مواكبة أفضل الممارسات الإدارية، فالإدارات الحديثة لا تكتفي بمنح الحقوق، وإنما تنظم ممارستها بما يحافظ على كفاءة المؤسسات واستدامة الخدمات، وهذا ما يحققه التعديل الجديد.
وأشار القضاة إلى أن هذا القرار لا ينتقص من حقوق الموظفين، وإنما يمثل إعادة تنظيم تحقق التوازن بين ثلاثة أطراف: الموظف، والمؤسسة، والمواطن، إذ إن الحق الوظيفي يبقى مصوناً، لكن ضمن إطار يضمن استمرارية الخدمات، ويحسن التخطيط للموارد البشرية، ويمنع بقاء الوظائف معطلا لسنوات، وهذا هو جوهر الإدارة الحديثة القائمة على العدالة والكفاءة معاً.
العدالة الإدارية
بدوره، قال مدير عام معهد الإدارة العامة السابق الدكتور راضي العتوم، إن للقرار أهمية حيوية في تحقيق عدالة إدارية واقتصادية في آن معا، فالحقيقة أن النظام السابق بتعديلاته "المجحفة" أضرت بالموظف، وبالتنمية عموما، إذ لم تكن أكثر من انتقام من الموظف الذي يطلب إجازة دون راتب للعمل خارج المملكة بهدف تحسين وضعه المعيشي له ولأسرته، ويبني قليلا من الاستثمار له لمستقبل أبنائه.
وأضاف العتوم إن التعديل الجديد جاء لإنصاف الموظف الكفؤ عموما؛ فهو الذي يطلب للعمل خارج الأردن، ما يعني أن الحكومة بهذا القرار تفتح المجال وضمن قيود منطقية كخدمته ثلاث سنوات ليستحق إجازة دون راتب لمدة خمس سنوات أو أكثر.
وأشار إلى أن القرار يتماشى بشكل مواز مع أحد الحلول للبطالة المتراكمة للشباب، وكذلك إذا كانت هناك بطالة مقنعة لدى بعض الدوائر، فجاء هذا التعديل كأحد التوجهات الواقعية لتعزيز كفاءة وفاعلية العمل العام.
وقال العتوم إن تخطيط الموارد البشرية ليس واقعا في دوائرنا، فآلية طلب الشواغر والتعيين لا تسير وفق خطط علمية خاصة وأننا نعلم أن هناك عددا من الدوائر بحاجة لعدد كبير من الموظفين لإنجاز أعمالها وفق تشريعاتها، إلا أنها تواجه بعدم توفر موازنة، وبالتالي تبقى تلك الدوائر تعاني من النقص الحاد في الكوادر البشرية لتقديم الخدمات للمواطنين على أفضل حال.
وتابع: "ولعل أقرب مثال على ذلك وزارة الصحة، فهي بحاجة لآلاف من الكوادر الطبية لتستطيع تغطية الطلب على الخدمات الصحية المناسبة، لكنها تواجه بعدم توفر المخصصات المالية الكافية للتعيين. وثمة غيرها من الدوائر على الحال نفسه، حيث لا تستطيع فتح باب التعيين إلا لعدد محدود مقيد بحجم الموازنة الممكن تخصيصها."
وبين أنه وعلى الوجه الآخر، فإن تعبئة الشواغر بدل المجازين وكما تراه الحكومة، أمر حيوي وله منافع من جانب أن الإدارة الأردنية هي أساس فعال للتدريب ولكسب الخبرة القابلة للتصدير للخارج، وهذا له مزايا اقتصادية وإدارية تنموية كبيرة على بلدنا، إضافة الى السمعة الوطنية التي يتحلى بها شبابنا، وعلى الجانب الآخر يفتح مجالا لتعيين شباب جدد بالوظائف الحكومية يضفي دما ومعرفة علمية أحدث على أعمال دوائرنا وأنشطتها، ما يعزز من التطوير والتحديث الإداري المنشود.
قرار "الوزراء"
هذا، وكان قرر مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة الموافقة على الأسباب الموجبة لمشروع نظام معدل لنظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام لسنة 2026 وإرساله إلى ديوان التشريع والرأي لإصداره حسب الأصول مع إعطائه صفة الاستعجال.
وجاء التعديل لغايات إعادة تنظيم الأحكام المتعلقة بالإجازة بدون راتب للموظفين.
ووجه رئيس الوزراء بتنظيم أحكام الإجازة بدون راتب لتصبح أكثر مرونة، وبما يضمن استمرارية الخدمات العامة وحسن إدارة الموارد البشرية، وذلك بعد أن درست الأجهزة المعنية أحكام الإجازات بدون راتب بكافة تفاصيله.
يشمل هذا القرار الموظفين الحاليين الحاصلين الآن على الإجازة بدون راتب بموجب النظام السابق أو الذين سيحصلون عليها بموجب التعديل الجديد.
وستتم تلبية احتياجات المؤسسات العامة من خلال تعبئة الشواغر الخاصة بالمجازين بدون راتب بما يضمن استمرارية الخدمات.
وبموجب المشروع، فإنه ولغايات ضمان التخطيط السليم للموارد البشرية، سيلزم الموظف الحاصل على إجازة بدون راتب التواصل مع دائرته بشأن نيته العودة للعمل قبل سنة من تاريخ عودته.
كما نص على أن إعادة تنظيم الإجازة بدون راتب تساعد الجهات الحكومية على التخطيط الأفضل لاحتياجاتها البشرية وإدارة الشواغر بكفاءة وتمكينها من توفير البدائل عند الحاجة وفق الضوابط القانونية.