الأردن في 2025.. وظائف وحماية اجتماعية وإصلاحات لتعزيز التشغيل
الغد-هبة العيساوي
شهد سوق العمل الأردني العام الماضي تحولات ركزت على دعم التشغيل، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتحسين بيئة العمل، وسط جهود لبناء سوق أكثر قدرة على مواجهة التحديات الاقتصادية.
تقرير منظمة العمل الدولية حول الأردن للعام 2025، كشف أن المرحلة الماضية، شهدت انتقالاً من تنفيذ مشاريع منفصلة، إلى بناء أنظمة وبرامج أكثر استدامة، ترتبط باحتياجات العمال وأصحاب العمل.
وركزت الجهود على 3 محاور رئيسة: خلق فرص عمل، وتطوير مهارات القوى العاملة، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، بما ينسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي الأردنية.
وفي تعليق له على التقرير، قال رئيس بيت العمال حمادة أبو نجمة، إن ما يتضمنه التقرير من برامج للتشغيل والتدريب وتوسيع الحماية الاجتماعية، يمثل خطوات إيجابية، لا سيما في مجالات الانتقال للعمل المنظم، ودعم مشاركة المرأة، وتنمية المهارات، والوظائف الخضراء، لكن هذه النتائج ما تزال محدودة النطاق.
وأوضح بأن توفير نحو 3 آلاف فرصة عمل قصيرة الأجل، أو تدريب مئات الشباب، لا يعكس تحولاً هيكلياً في السوق، في ظل استمرار معدل البطالة عند نحو 21 %، وتجاوزه الـ45 % بين الشباب، وانخفاض المشاركة الاقتصادية، واتساع العمل غير المنظم، وضعف الأجور والحماية الاجتماعية.
وأضاف أبو نجمة، أن تقارير "بيت العمال" للعامين الماضي والحالي، أظهرت أن المشكلة الأساسية تتمثل بغياب استراتيجية متكاملة للسوق، تحدد القطاعات والمهن القادرة فعلياً على توليد فرص عمل لائقة ومستدامة، تربط بين سياسات الاستثمار والتعليم والتدريب والأجور والحماية الاجتماعية والعمالة الوافدة، ضمن مسؤوليات مؤسسية واضحة، ومؤشرات قابلة للقياس والمساءلة.
وأشار إلى ضرورة التمييز بين مخرجات البرامج وأثرها الفعلي، مبيناً أن أعداد المتدربين، وأيام العمل المتولدة، وأشهر دعم اشتراكات الضمان الاجتماعي، تقيس حجم النشاط، لكنها لا تكفي للحكم على نجاح السياسات، ما لم تتوافر بيانات توضح عدد من انتقلوا لوظائف دائمة، ومستويات أجورهم، وظروف عملهم، ومدى استمرارهم في العمل، واستمرار شمولهم بالضمان بعد انتهاء الدعم.
وأكد أبو نجمة، أهمية اعتماد مؤشرات أكثر دلالة لقياس الأداء، مثل صافي الوظائف المستحدثة، والانتقال من العمل غير المنظم إلى المنظم، واستدامة الوظائف، وانخفاض مدة التعطل، وتحسن مشاركة النساء والشباب في سوق العمل.
وأضاف أن تحقيق ذلك يتطلب إنشاء نظام وطني موحد لمعلومات السوق، يربط بين بيانات التشغيل والضمان والتعليم والتدريب والاستثمار وتصاريح العمل، بما يتيح تقييم البرامج، ورصد فجوات المهارات والطلب القطاعي، وتوجيه الموارد نحو التدخلات الأكثر أثراً.
ولفت أبو نجمة، إلى أن رؤية التحديث الاقتصادي، رغم أهميتها باعتبارها إطاراً للنمو والاستثمار، لا تشكل بمفردها سياسة تفصيلية لإدارة السوق، موضحاً بأن النمو الاقتصادي لا يتحول تلقائياً لوظائف لائقة، وقد تتركز الاستثمارات في قطاعات محدودة التشغيل، أو تولد وظائف منخفضة الأجر وغير مستقرة.
وشدد على أن المطلوب، هو ترجمة مستهدفات رؤية التحديث لاستراتيجية تشغيل واضحة، تحدد نوعية الوظائف المطلوبة، وتوزيعها القطاعي والجغرافي، ومستويات أجورها، وحمايتها الاجتماعية، والفئات المستهدفة بها، والانتقال من تجميع المبادرات والمشروعات، إلى منظومة وطنية دائمة، يقاس نجاحها باستدامة العمل وجودته، وعدالة الأجور، واتساع الشمول بالضمان، وقدرتها الفعلية على خفض البطالة ورفع المشاركة الاقتصادية.
توليد فرص عمل
من جانبه قال مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية، أحمد عوض، إن السوق يواجه تحديات هيكلية متراكمة، لكن التحديين الأكثر إلحاحاً يتمثلان بضعف قدرة الاقتصاد على توليد فرص عمل كافية، ومحدودية الوظائف المنظمة واللائقة التي توفر أجوراً عادلة وحماية اجتماعية واستقراراً وظيفياً. موضحا بأن المشكلة لا تقتصر على ارتفاع معدلات البطالة، بل تمتد إلى نوعية فرص العمل المتاحة ومدى قدرتها على توفير مستوى معيشي كريم للعاملين وأسرهم.
وأضاف عوض، أن محدودية الوظائف المنظمة، رافقها توسع متسارع في العمل غير المنظم، أكان في القطاعات التقليدية كالزراعة والإنشاءات والتجارة والخدمات، أو في أنماط العمل الجديدة المرتبطة بالمنصات الرقمية والعمل المؤقت، مبينا أن هذا التوسع يحرم أعداداً كبيرة من العاملين من الضمان والإجازات المدفوعة والحماية من إصابات العمل والفصل التعسفي، ما يعمق الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، ويضعف منظومة الحماية الاجتماعية.
وأكد أن الاقتصاد الأخضر، أحد المسارات الواعدة لتوليد فرص عمل جديدة وكثيفة، لا سيما في قطاعات الطاقة المتجددة، وكفاءة استخدام الطاقة، والنقل المستدام، وإدارة المياه والنفايات، والزراعة المستدامة، وإعادة التدوير، وحماية الموارد الطبيعية. لافتا إلى أن أهمية هذه القطاعات لا تقتصر على خلق فرص عمل، بل تشمل أيضا تقليل الاعتماد على الطاقة المستوردة، ورفع كفاءة الإنتاج، وتحسين الأمنين المائي والغذائي، وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة التغير المناخي.
وأشار عوض إلى أن التحول نحو الاقتصاد الأخضر لن يقود تلقائياً إلى توفير وظائف لائقة، ما لم يقترن بسياسات تشغيل واضحة، واستثمارات إنتاجية، وبرامج تدريب مهني وتقني تستجيب للاحتياجات الفعلية للقطاعات الجديدة، مع ضمان أن تكون الوظائف الخضراء منظمة ومشمولة بالحماية الاجتماعية، وألا تتحول إلى شكل جديد من العمل المؤقت أو منخفض الأجر.
وشدد على أن المرحلة الحالية، تتطلب تبني سياسة وطنية متكاملة للتشغيل، تربط بين الاستثمار والنمو الاقتصادي وخلق وظائف لائقة، ودعم انتقال العاملين والمنشآت من الاقتصاد غير المنظم إلى المنظم، ووضع التشغيل الأخضر في صلب السياسات الاقتصادية والتنموية، باعتباره خياراً إنتاجياً واجتماعياً قادراً على المساهمة بخفض البطالة وتحسين شروط العمل.
انخفاض البطالة والفقر
من جانبه يرى رئيس اتحاد النقابات العمالية المستقلة الأردني عزام الصمادي، أن إصلاح سوق العمل لا يقاس بعدد البرامج، بل بانخفاض البطالة والفقر وتحسين جودة فرص العمل، مبينا أن ما تضمنه التقرير يعكس جهود الحكومة وشركاؤها، لكن الحكم على نجاح البرامج، يجب أن يستند على انعكاسها الفعلي في حياة المواطن.
ولفت الصمادي، إلى إن السؤال الحقيقي اليوم هو: هل أصبح الحصول على فرصة عمل أسهل؟ وهل انخفضت البطالة بصورة ملموسة؟ وهل تراجعت نسب الفقر؟ وهل أصبح سوق العمل أكثر تنظيماً وعدالة؟ مبينا أن الإجابات تشير إلى أن النتائج ما تزال دون مستوى الطموح.
وأضاف أنه برغم تسجيل تراجع محدود في معدل البطالة العام الماضي، لكن التراجع محدود الأثر، وما تزال البطالة من أعلى التحديات التي تواجه المملكة، بخاصة بين الشباب والنساء، ما يؤكد أن المشكلة ما تزال ذات طابع هيكلي وليست ظرفية، مبينا أن فرص العمل وفق التقرير وقدرها نحو 3381 فرصة قصيرة الأجل، لا تمثل سوى نسبة ضئيلة جداً مقارنة بعشرات الآلاف ممن يدخلون السوق سنوياً، فضلاً عن أنها ترتبط بمشاريع مؤقتة ممولة، وليست وظائف إنتاجية مستقرة قادرة على توفير الأمن الوظيفي والدخل المستدام.
أما بشأن تنظيم السوق، فلفت الصمادي إلى إن الواقع يشير لاستمرار اختلالات واضحة، تتمثل باتساع الاقتصاد غير المنظم، واستمرار المخالفات في بعض القطاعات، وضعف الالتزام الكامل بتطبيق معايير العمل اللائق، واستمرار التشوهات في بعض مكونات السوق، ما يتطلب إصلاحات أعمق تتجاوز البرامج المؤقتة.
وقال إن الوصول لحماية اجتماعية شاملة، ما يزال يتطلب معالجة أوضاع العاملين في الاقتصاد غير المنظم، وغيرهم من الفئات التي ما تزال خارج مظلة التأمينات الاجتماعية. مشددا على أنه لا يمكن القول إن البرامج المنفذة العام الماضي أحدثت تحولاً ملموساً في مستويات الفقر الذي لا يعالج بمشاريع مؤقتة، بل بخلق فرص عمل دائمة، ورفع الأجور الحقيقية، وتحقيق نمو اقتصادي يقوده الإنتاج والاستثمار، ويضمن توزيعاً أكثر عدالة لثمار التنمية.
وأضاف الصمادي، أن الحديث عن الاقتصاد الأخضر والوظائف الخضراء، توجه استراتيجي، لكن نجاح هذا المسار يتطلب تحويله لمشاريع استثمارية إنتاجية، قادرة على استحداث آلاف فرص العمل، وليس الاكتفاء ببرامج تدريبية أو مبادرات تجريبية. لافتا إلى أن الإصلاح الحقيقي للسوق، يبدأ من تبني سياسة وطنية شاملة، تقوم على تحفيز الاستثمار المنتج في الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والخدمات ذات القيمة المضافة، وإعادة تنظيم السوق بما يحقق التوازن بين العرض والطلب، ويحد من التشوهات القائمة.
كما أكد أهمية ربط التعليم والتدريب المهني باحتياجات الاقتصاد الفعلية، وتعزيز الرقابة على تطبيق قانون العمل، وضمان بيئة عمل لائقة وآمنة، وتوسيع مظلة الضمان، مؤكدا أهمية رفع مستويات الأجور بما يتناسب مع تكاليف المعيشة، فالأجر العادل من أدوات مكافحة الفقر، ووضع مؤشرات أداء واضحة لقياس نجاح سياسات التشغيل، يكون معيارها انخفاض البطالة والفقر، وزيادة فرص العمل المستدامة، وليس عدد البرامج أو الورش التدريبية.
قال "كان التشغيل أحد أبرز الملفات التي شهدت تقدماً العام الماضي، وساهم برنامج الاستثمار كثيف العمالة بتوفير 3,381 فرصة عمل قصيرة الأجل، وخلق 319,113 يوم عمل للعمال، وتنفيذ مشاريع بيئية وخدمية في عدة مناطق، ولم تقتصر نتائج البرنامج على توفير دخل مؤقت، بل ارتبطت بمشاريع ذات أثر طويل الأمد، إذ جرت زراعة 160 ألف شجرة وإعادة تأهيل 362 هكتاراً من الأراضي، ما يعكس توجه الأردن بربط سياسات التشغيل بالتحول الأخضر وتحسين البيئة المحلية. كما استفاد 1,785 شخصاً من برامج مرتبطة بالتدريب والمهارات، بينما نال مئات الشباب فرص تدريب عملي داخل شركات تسهل انتقالهم للسوق.
المهارات بوابة جديدة للشباب
ووفقا للتقرير، أصبح تطوير المهارات أداة رئيسة لمعالجة فجوة المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، ففي العام الماضي دعمت البرامج التدريبية مسارات جديدة تشمل: التدريب العملي، والاعتراف بالخبرات السابقة، وربط التدريب بالوظائف المتاحة، وقد ساعدت هذه البرامج بتمكين الشباب الأردنيين واللاجئين من اكتساب مهارات مهنية مطلوبة، بحيث استفاد 464 شاباً من فرص تدريب عملي لدى القطاع الخاص، فيما أكمل 501 شخص برامج مهارات رسمية وغير رسمية.
ويكشف التقرير عن التوسع ببرامج دعم ريادة الأعمال، إذ تلقى 503 رواد أعمال تدريبات ضمن برامج تطوير المشاريع، بينما حصلت 71 سيدة صاحبة مشروع صغير على دعم لتأسيس أو توسيع أعمالهن.
وأفاد بأن العام الماضي شهد خطوات مهمة في ملف الحماية الاجتماعية، خصوصاً عبر برنامج "استدامة++" الذي استهدف دعم اشتراكات الضمان، وتحفيز العمال وأصحاب العمل على الانتقال نحو العمل المنظم، إذ استفاد 22,267 عاملاً منه، بينما وصلت أشهر دعم الاشتراكات لـ99,389 شهراً، ما ساهم بتعزيز ارتباط العمال بمنظومة الضمان.
كما عملت الجهات المعنية على تطوير إطار وطني للحماية الاجتماعية، ودراسة ما يواجه العاملين لحسابهم الخاص والفئات التي ما تزال خارج التغطية التأمينية من تحديات، لتصميم حلول أكثر ملاءمة لها.
وبين أن قطاع التفتيش العمالي شهد تطوراً مع التركيز على رفع كفاءة المفتشين وتحسين أدوات الرقابة على المنشآت، إذ نفذ 181 زيارة استشارية مرتبطة بالسلامة والصحة المهنية، إضافة إلى تدريب مفتشين على أساليب حديثة للتفتيش وإدارة المخاطر.
وفي قطاع التعليم الخاص، شكلت المنصة الرقمية للعقود الموحدة خطوة بارزة بتنظيم العلاقة بين العامل وصاحب العمل، وسجل 60 ألف عقد، بما يسمح بمتابعة الأجور والعقود والالتزام بالحقوق العمالية. كما واصلت برامج دعم المرأة التركيز على إزالة العوائق أمام مشاركتها الاقتصادية، بتحسين التشريعات أو توفير بيئة عمل أكثر ملاءمة.
ومن أبرز الخطوات، دعم تعديل تشريعات مرتبطة بإجازة الأمومة والحماية من الفصل بسبب الحمل، إضافة لتطوير خدمات الحضانات كجزء من سياسات دعم عمل المرأة، وقد جرى تأهيل حضانة في منطقة الدليل الصناعية بالزرقاء، لتخدم 100 طفل و8 مصانع، لمساعدة العاملات على الاستمرار في وظائفهن.
وأشار التقرير إلى أن الاردن اتجه العام الماضي لتعزيز مفهوم "الانتقال العادل" الذي يربط بين مواجهة التغير المناخي وتوفير فرص عمل. وشملت الجهود تدريب 106 من صناع السياسات والشركاء الاجتماعيين على التخطيط للوظائف الخضراء، وتطوير أدوات لدعم الاستثمارات في قطاعات الطاقة والمياه والزراعة.
وبين أن المرحلة المقبلة ستعتمد على تحويل هذه المبادرات إلى سياسات دائمة، مع التركيز على زيادة مشاركة الشباب والنساء في سوق العمل، وتسهيل الانتقال إلى العمل المنظم، وربط التدريب باحتياجات الاقتصاد، وبذلك، يعكس 2025 محاولة لبناء سوق عمل أردني أكثر شمولاً، يجمع بين خلق الوظائف وتحسين جودة العمل وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات المستقبلية.