ارتفاع مستوى التحضر بالمملكة.. اختبار للنموذج التنموي
الغد-عبدالرحمن الخوالدة
بمقدار ما يتقدم الأردن على كثير من دول المنطقة في مستويات التحضر، التي وصلت إلى نحو 92 % من السكان، تتقدم إلى الواجهة تساؤلات حول ما إذا كان هذا التحول يمثل مؤشرا تنمويا إيجابيا بالكامل، أم أنه يحمل في طياته دلالات اقتصادية واجتماعية أكثر تعقيدا، أعادت تشكيل هيكلة الاقتصاد الوطني وهويته الإنتاجية والخدمية.
وبينما لا تلغي هذه التساؤلات حقيقة نجاح الأردن خلال العقود الماضية في بناء منظومة بنية تحتية وخدمات مقبولة في معظم المحافظات، فإن التسارع السكاني الكبير خلال العقد الأخير، مدفوعا بعوامل ديموغرافية وإقليمية، وضع تلك المنظومة تحت ضغوط متزايدة، في ظل ارتفاع الطلب على السكن والنقل والخدمات وفرص العمل.
ويقصد بالتحضر العملية التي يزداد فيها تركز السكان في المناطق الحضرية (المدن) مقارنة بالمناطق الريفية، نتيجة الهجرة الداخلية أو النمو الطبيعي للسكان، ويرافقها توسع في البنية العمرانية وتحول في الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية نحو الطابع الحضري.
وفي هذا الإطار، أكد خبراء اقتصاديون أن ارتفاع نسب التحضر في الأردن يعكس تحولات هيكلية عميقة في الاقتصاد الوطني، تمثلت في انتقال تدريجي نحو الاقتصاد الخدمي وتمركز النشاط الاقتصادي في المدن الكبرى، مقابل تراجع نسب التنمية والإنتاج في المحافظات والأطراف.
وبين هؤلاء الخبراء في تصريحات صحفية لـ"الغد" أن هذا التحول أدى إلى موجات هجرة داخلية متواصلة نحو المراكز الحضرية، ما تسبب في ضغوط متزايدة على البنية التحتية والخدمات العامة، ورفع كلف المعيشة، وأعاد تشكيل سوق العمل باتجاه الوظائف الخدمية على حساب الإنتاجية.
ولفت هؤلاء إلى أن المملكة تتجه بسرعة نحو مستويات مرتفعة من التحضر مقارنة بدول أخرى، مدفوعا بتحسن فرص التعليم والصحة والعمل في المدن، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب إصلاحا اقتصاديا يعزز اللامركزية التنموية ويعيد توزيع النشاط الاقتصادي بشكل أكثر توازنا بين المركز والأطراف.
وطالب الخبراء بضرورة إعادة التوازن في التوزيع التنموي بين المركز والأطراف، وتعزيز القطاعات الإنتاجية في المحافظات لا سيما في المجال الزراعي والغذائي، وتطوير سياسات الإسكان والنقل والخدمات، إلى جانب تبني نموذج تنموي أكثر شمولا يخفف من الفجوة المكانية ويحول التحضر إلى فرصة للنمو الاقتصادي المستدام بدل أن يكون مصدر ضغط هيكلي على المدن.
وكان تقرير دولي حديث صنف الأردن ضمن قائمة الدول العربية الأكثر تحضرا (تمدنا)، إذ وصلت نسبة السكان المقيمين في المناطق الحضرية إلى 92.2 %.
وأرجع تقرير، "السكان والتنمية العاشر"، الصادر مؤخرا عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) لعام 2025، هذا التركز السكاني العالي في المناطق الحضرية بشكل مباشر إلى التحولات الاقتصادية والحضرية التي شهدتها المملكة خلال العقود الماضية، فضلا عن موقع الأردن في منطقة "المشرق"، التي شهدت تدفقات كبرى للمهاجرين واللاجئين على مدار السنوات الماضية.
وكشف التقرير، الذي ترجمته "الغد"، عن ملامح ديموغرافية واقتصادية جديدة للأردن خلال العقود الأخيرة والقادمة، حيث برزت مستويات النمو السكاني والاقتصادي والدخل، إضافة إلى معدلات البطالة، فضلا عن التغيرات في معدلات الخصوبة.
"التمدن" في الأردن..
خلل تنموي
وقال وزير الدولة لشؤون تطوير القطاع العام الأسبق ماهر المدادحة إن ارتفاع مستويات التحضر في الأردن يعكس تحولات تنموية واقتصادية تراكمت على مدار عقود، تمثلت في تركز فرص العمل والخدمات والأنشطة الاقتصادية في المدن الرئيسية، مقابل محدودية النشاط التنموي والإنتاجي في عدد من محافظات الأطراف، ما دفع شريحة واسعة من السكان إلى الانتقال نحو المراكز الحضرية.
وأضاف أن توسع رقعة التمدن فرض ضغوطا متزايدة على البنية التحتية والخدمات العامة، في ظل ارتفاع الطلب على التعليم والنقل والمياه والخدمات البلدية، إلى جانب تأثيره على بعض القطاعات الإنتاجية، لا سيما الزراعة، وما رافقه من تحولات في أنماط العمل والاستهلاك داخل المجتمع.
وأوضح المدادحة أن "التمدن" وفق معايير وظروف الاقتصاد الوطني، يمثل صورة مماثلة لظاهرة الهجرة من الريف إلى المدينة، والتي تعد من أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجهها كثير من الدول، لما تفرضه من ضغوط على المدن والبنية التحتية والخدمات العامة.
وأشار إلى أن التمدن المتسارع أسهم أيضا في تغيير طبيعة سوق العمل، عبر تنامي التوجه نحو الوظائف الخدمية والمكتبية على حساب المهن الإنتاجية، الأمر الذي انعكس على معدلات البطالة ومستويات الإنتاجية، خاصة مع ازدياد الكثافة السكانية في المدن الكبرى.
وبين أن الأردن نجح خلال العقود الماضية في بناء شبكات بنية تحتية واسعة شملت مختلف مناطق المملكة، إلا أن ذلك لم يترافق بالقدر الكافي مع خلق مراكز إنتاج وتنمية محلية قادرة على الحد من الهجرة الداخلية نحو المدن الرئيسية.
وأكد المدادحة أن معالجة هذه التحديات تتطلب إعادة النظر في التوزيع التنموي بين المحافظات، واستثمار الميزات الاقتصادية والإنتاجية لكل منطقة، خصوصا في قطاعات الزراعة والصناعة، إلى جانب تطوير خطط تشغيلية تستفيد من الكتل البشرية الكبيرة في المدن وتحويلها إلى قوة مساهمة في النشاط الاقتصادي.
تشكل هيكل اقتصادي جديد
بدوره، قال الخبير الاقتصادي حسام عايش إن ما يمكن تسميته بـ"الاقتصاد الحضري" في الأردن يقوم على الأنشطة غير الزراعية مثل الصناعة والخدمات والتجارة وتكنولوجيا البنية التحتية، حيث يتركز الإنتاج والاستهلاك وفرص العمل في المدن نتيجة الكثافة السكانية وتوفر الأسواق.
وأضاف عايش أن الاقتصاد الأردني شهد خلال العقود الماضية انتقالا تدريجيا من اقتصاد زراعي إلى صناعي ثم إلى اقتصاد خدمي، وهو ما يعد أحد الأسباب الرئيسة لارتفاع نسب التحضر، إذ تدفع هذه التحولات السكان إلى الهجرة نحو المدن بحثا عن فرص العمل والقيمة المضافة التي يوفرها الاقتصاد الحضري.
وأوضح أن ارتفاع مستويات التحضر أسهم في إعادة تشكيل هيكل الاقتصاد الوطني، من خلال تمركز النشاط الاقتصادي في المدن الكبرى مثل عمان وإربد والزرقاء، بما عزز نمو قطاعات الخدمات كالتعليم والصحة والتجارة والتكنولوجيا، في مقابل تراجع نسبي للقطاع الزراعي، وتحول نمط الاقتصاد نحو الاستهلاك والخدمات أكثر من الإنتاج الريفي.
وأشار عايش إلى أن هذه التحولات أعادت طرح ملف الاقتصاد الريفي وضرورة دمجه ضمن منظومة اقتصادية أكثر شمولا، عبر تطوير الأنظمة والقوانين ورفع كفاءة الخدمات في المحافظات، بما يحد من فجوة التركز الحضري.
وفي ما يتعلق بالبنية التحتية، قال إن مواكبتها للتوسع الحضري كانت جزئية وغير متوازنة، إذ شهدت قطاعات مثل الطرق والاتصالات تطورا ملحوظا، في حين تواجه قطاعات أخرى مثل النقل والصحة والتعليم والعمل ضغوطا متزايدة، خصوصا مع التوسع السريع في الهجرة الداخلية نحو المدن، ولا سيما عمان التي تستحوذ على نسبة كبيرة من النشاط الاقتصادي.
وبين أن هذا التركز السكاني انعكس على سوق العمل من خلال ارتفاع البطالة الحضرية، والضغط على السكن والبنية التحتية، وارتفاع كلف المعيشة، إضافة إلى تراجع المساحات الحضرية المنظمة، والتوسع العمراني على حساب الأراضي الزراعية في بعض الحالات.
ولفت إلى أن هذه التحولات أفرزت تفاوتات اجتماعية واقتصادية ومكانية داخل المدينة الواحدة، ورفعت الضغط على قطاعات الصحة والتعليم والنقل، كما أثرت على استقرار سوق العمل، ودفعت نحو الاعتماد المتزايد على العمالة الوافدة في بعض القطاعات، في ظل ما يشهده الاقتصاد الحضري من اختلالات في توزيع الفرص.
ورغم هذه التحديات، أكد عايش أن التحضر يوفر فرصا مهمة للنمو الاقتصادي، من خلال توسع الاقتصاد الرقمي، وتطور قطاع الخدمات المتقدمة، ونمو التكنولوجيا المالية والتعليم والابتكار، إلى جانب جذب الاستثمارات وتنوع سوق العمل.
وشدد على أن التحضر، رغم كلفه وضغوطه، يعد من محركات النمو الاقتصادي إذا ما أدير بشكل صحيح، لكنه يتطلب إدارة حضرية رشيدة قادرة على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والبنية التحتية، عبر تعزيز الحوكمة والتكامل بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المحلي.
حاجة ملحة لنموذج تنموي جديد
من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي أحمد عوض أن وصول نسبة السكان المقيمين في المناطق الحضرية في الأردن إلى أكثر من 92 % يعكس تحولات عميقة شهدها الاقتصاد والمجتمع خلال العقود الماضية، موضحا أن التحضر لم يكن مجرد انتقال سكاني نحو المدن، بل نتيجة مباشرة لإعادة تشكيل هيكلة الاقتصاد الوطني باتجاه القطاعات الخدمية والتجارية والمالية، على حساب القطاعات الإنتاجية التقليدية، خاصة الزراعة والصناعة.
وأضاف عوض أن هذا التحول تأثر أيضا بموجات اللجوء والهجرة والأزمات الإقليمية، التي جعلت المدن الأردنية، خصوصا عمان والزرقاء وإربد، مراكز ضغط سكاني واقتصادي متزايد، الأمر الذي انعكس على البنية التحتية والخدمات العامة وسوق العمل.
وأشار إلى أنه رغم مساهمة التحضر في توسيع قطاعات الخدمات والاتصالات والتعليم والصحة، إلا أن البنية التحتية والخدمات العامة لم تستطع مواكبة هذا التوسع بالقدر الكافي، خاصة خلال العقد الأخير، في ظل الضغوط المتزايدة على شبكات النقل والمياه والطاقة والإسكان والخدمات الصحية والتعليمية، إلى جانب محدودية الموارد وأولوية سياسات الاستقرار المالي على حساب الاستثمار التنموي والاجتماعي طويل الأمد.
وبين عوض أن التركز السكاني المرتفع في المدن أدى إلى اختلالات واضحة في سوق العمل وارتفاع كلف المعيشة، خاصة السكن والنقل، في ظل تمركز معظم فرص العمل والخدمات في المدن الكبرى، ما عمق الفجوة التنموية بين المركز والأطراف ورفع معدلات البطالة والهشاشة الاقتصادية، خصوصا بين الشباب والنساء.
ولفت إلى أن ضعف سياسات الإسكان والنقل العام زاد من صعوبة وصول الفئات محدودة ومتوسطة الدخل إلى السكن والخدمات اللائقة، مؤكدا في الوقت ذاته أن التحضر المتسارع يوفر فرصا مهمة في الاقتصاد الرقمي والخدمات والتكنولوجيا، نظرا لامتلاك الأردن قاعدة بشرية شابة ومتعلمة.
وأكد عوض أن هذه الفرص قد تتحول إلى مصدر جديد للتفاوت إذا لم تبن ضمن رؤية تنموية قائمة على العدالة الاجتماعية وتقليص الفجوة الرقمية بين المدن والأرياف، مشددا على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التحضر بحد ذاته، بل في طبيعة النموذج التنموي القائم، والحاجة إلى سياسات تعيد التوازن بين المركز والأطراف وتعزز القطاعات الإنتاجية وتوسع فرص العمل والخدمات بصورة أكثر عدالة.