الغد-هبة العيساوي
يضع تقييم حديث لمنظمة العمل الدولية اتفاقيات الهجرة العمالية بين الأردن وعدد من الدول المصدّرة للعمالة أمام اختبار التنفيذ، مؤكداً أن توقيع الاتفاقية لا يعني بالضرورة أن الحقوق التي تنص عليها تتحول تلقائياً إلى حماية فعلية للعامل.
وتضم الدراسة اتفاقيتين ترتبطان بالأردن ضمن عينة الاتفاقيات التي جرى تحليلها، هما مذكرة التفاهم الأردنية–الإثيوبية الموقعة عام 2023 بشأن تشغيل العمال الإثيوبيين، والاتفاقية الأردنية–الأوغندية بشأن استقدام وتشغيل العمال الأوغنديين، التي وقعت عام 2016 وجُددت في 2020.
ويدعو التقييم الأردن إلى توضيح تكلفة الاستقدام، وتعزيز الرقابة على الجهات الوسيطة، وتوفير المعلومات للعامل قبل مغادرته بلده، إلى جانب تفعيل قنوات الشكاوى، وجمع بيانات منتظمة عن واقع العمالة الوافدة.
وشمل التقييم 7 دول أفريقية هي إثيوبيا وكوت ديفوار وغانا وكينيا ونيجيريا وتنزانيا وأوغندا، وراجع 28 اتفاقية للهجرة العمالية، بينها 20 اتفاقية موقعة، مع التركيز على إجراءات التفاوض ومضمون الاتفاقيات وآليات التنفيذ والمتابعة.
وشملت وجهات العمال دول مجلس التعاون الخليجي والأردن ولبنان، إلى جانب دول أوروبية لأغراض المقارنة.
مؤشرات ودلالات
وتشير المنظمة إلى أن الاتفاقيات الثنائية يمكن أن تنظم عملية الاستقدام، وتحدد مسؤوليات الدول، وتفتح قنوات نظامية للعمل، وتوفر أطرًا لحماية العمال، لكن فعاليتها تعتمد على ما يحدث بعد التوقيع، من توفير المؤسسات والإجراءات والموارد اللازمة للتنفيذ إلى الرقابة وتسوية الشكاوى.
وتبرز في هذا الإطار مذكرة التفاهم الأردنية– الإثيوبية لعام 2023 في عدد من المؤشرات التي قاسها التقرير؛ إذ تنص على 8 ساعات عمل يومياً و48 ساعة أسبوعياً، وهي من أوضح النصوص الرقمية المتعلقة بساعات العمل بين الاتفاقيات التي جرى تحليلها، كما تحدد حداً أدنى للأجر يبلغ 275 دولاراً شهرياً، لتكون الاتفاقية الوحيدة في العينة التي تتضمن رقماً محدداً للأجر الأدنى داخل نص الاتفاقية نفسه.
كما تتضمن المذكرة نصاً يحظر الاحتفاظ بجواز سفر العامل، إلى جانب أحكام تتعلق بالصحة والسلامة المهنية والمساواة في المعاملة، ويشير التقييم إلى أن المادة 10 تتضمن حماية من احتجاز جواز السفر، بينما تتضمن المادة 11 آلية للتعامل مع شكاوى العمال.
ضمانات العقود
في هذا السياق، رأى مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية أحمد عوض، أن التحدي الحقيقي أمام اتفاقيات العمالة التي وقعها الأردن مع دول مصدّرة للعمالة، مثل إثيوبيا وأوغندا، لا يكمن في توقيعها بقدر ما يرتبط بقدرتها على التحول من نصوص قانونية إلى حماية فعلية للعاملات والعمال في سوق العمل.
وأضاف عوض إن الاتفاقية الأردنية– الإثيوبية الموقعة عام 2023 تتضمن مجموعة من الضمانات المهمة، من بينها الأجر وساعات العمل، وحظر حجز جواز السفر، وآليات تقديم الشكاوى واللجوء إلى القضاء، إلى جانب تشكيل لجنة مشتركة لمتابعة تنفيذ الاتفاقية.
وأوضح أن قوة هذه النصوص تصطدم بواقع منظومة تنظيم العمالة المهاجرة، التي يرتبط فيها تصريح العمل والإقامة بصاحب العمل، باعتبار ذلك إحدى السمات الأساسية لنظام الكفالة المطبق عملياً.
وقال إن هذه العلاقة غير المتكافئة تضعف قدرة العامل على ممارسة الحقوق التي تمنحها له الاتفاقيات، إذ قد يتردد العامل الذي تعتمد إقامته القانونية وقدرته على البقاء والعمل على صاحب العمل في تقديم شكوى أو الاعتراض على عدم دفع الأجر أو رفض ظروف العمل المخالفة، خشية فقدان العمل أو الإقامة والدخول في وضع قانوني غير مستقر.
وأضاف أن المشكلة تصبح أكثر وضوحاً في قطاع العمل المنزلي، نظراً إلى أن العمل يتم داخل المنازل، ما يجعل عمليات الرقابة والتفتيش والوصول إلى العاملات أكثر صعوبة.
وأشار عوض إلى أن الأردن يمتلك آليات للإنفاذ تشمل وزارة العمل وأجهزة التفتيش ومنصات الشكاوى والرقابة على مكاتب الاستقدام، إلا أن فعالية هذه الأدوات تبقى محدودة إذا ظلت علاقة العامل بصاحب العمل قائمة على تبعية قانونية وإدارية واسعة.
وأكد أن ضمان تنفيذ اتفاقيات العمالة يتطلب أكثر من تحسين النصوص القانونية أو زيادة عمليات التفتيش، بل يستدعي تقليص اعتماد الوضع القانوني للعامل على صاحب العمل، وتوسيع حرية تغيير صاحب العمل، وضمان الوصول الآمن إلى آليات الشكاوى، إلى جانب نشر تقارير دورية توضح حجم الانتهاكات ونتائج المتابعة.
وقال عوض إن الحماية تبدأ من نص الاتفاقية، لكن إنفاذها الكامل يظل أكثر صعوبة ما دامت منظومة الكفالة تنتج اختلالاً في ميزان القوة بين العامل وصاحب العمل.
منظومة التنفيذ
من جانبه، قال رئيس بيت العمال حمادة أبو نجمة إن ضمان فعالية اتفاقيات استقدام وتشغيل العمالة الوافدة يرتبط بشكل أساسي بمدى ارتباطها بمنظومة تنفيذ واضحة داخل سوق العمل، بحيث لا تبقى أحكام الاتفاقيات في إطار النصوص، وإنما تتحول إلى إجراءات عملية وملزمة.
وأضاف أبو نجمة إن ذلك يتطلب عكس أحكام الاتفاقيات إلى عقود عمل موحدة، وإجراءات ملزمة للوزارات والسفارات ومكاتب الاستقدام، مع تحديد دقيق لمسؤولية كل طرف عن تكاليف الاستقدام والأجور والسكن والتأمين والرعاية الصحية.
وأشار إلى ضرورة وجود رقابة دقيقة وفعالة على الوسطاء ومكاتب الاستقدام، وربط تجديد تراخيصهم بسجل الالتزام وتسوية الشكاوى، بما يضمن عدم استمرار المخالفات دون معالجة.
وأوضح أبو نجمة أن من الضمانات الأساسية أيضاً توفير مسار واضح للشكوى يستطيع العامل الوصول إليه دون التعرض لمخاطر فقدان عمله أو إقامته، إلى جانب تحديد مدد زمنية واضحة لمعالجة الشكاوى، وضمان حق العامل في اللجوء إلى القضاء واسترداد مستحقاته.
وأكد أن اكتمال منظومة الحماية يتطلب وجود لجان مشتركة تجتمع بشكل دوري لمتابعة تنفيذ الاتفاقيات وتقييم نتائجها، إلى جانب إنشاء قاعدة بيانات متكاملة تربط بين تصريح العمل والإقامة والضمان الاجتماعي والعقد والشكاوى والأجور ومخالفات العقود والإصابات وتغيير أصحاب العمل.
وقال أبو نجمة إن ربط هذه البيانات يمكن أن يوفر صورة أكثر دقة عن واقع العمالة الوافدة، ويساعد الجهات المعنية على اكتشاف المخالفات مبكراً والتعامل معها، ويجعل متابعة تنفيذ الاتفاقيات قائمة على بيانات فعلية وليس فقط على الإجراءات الورقية.
آليات الشكاوى
وتنص آلية الشكاوى على تقديم الشكوى إلى وزارة العمل، مع إخطار السفارة الإثيوبية، وإحالة القضايا التي لا تتم تسويتها إلى الجهات القضائية المختصة.
في المقابل، يرصد التقرير نقطة مهمة في الاتفاقية الأردنية – الإثيوبية تتعلق بتكلفة الاستقدام.
فمن أصل 26 اتفاقية حكومية حللها التقرير، تضمنت 15 اتفاقية إشارات إلى توزيع تكاليف الاستقدام، بينها 10 ذات نصوص واضحة نسبياً حول مبدأ تحميل صاحب العمل التكاليف. أما مذكرة التفاهم الأردنية– الإثيوبية لعام 2023، فلا تتضمن نصاً صريحاً يحدد توزيع تكاليف الاستقدام بين العامل وصاحب العمل.
وترى الدراسة أن هذه المسألة مهمة لأن وكالات الاستقدام الخاصة تمثل أحد الأطراف الرئيسية في تحويل الاتفاقيات إلى عمليات توظيف فعلية، في حين أن أدوارها ومسؤولياتها وآليات مساءلتها ليست محددة بالقدر الكافي في عدد كبير من الاتفاقيات.
أما الاتفاقية الأردنية– الأوغندية، الموقعة عام 2016 والمجددة في 2020، فتتناول تنظيم استقدام وتشغيل العمال الأوغنديين في الأردن. ويشير التقييم إلى أن الاتفاقية تتضمن إشارات إلى ظروف العمل وساعات الراحة، لكنها لا تقدم مستوى التفصيل نفسه الموجود في بعض الاتفاقيات الأخرى.
وفي مجال الصحة والسلامة المهنية، يصنف التقرير أحكام الاتفاقية الأردنية– الأوغندية على أنها جزئية، مقارنة بالأحكام الأكثر وضوحاً في مذكرة الأردن وإثيوبيا لعام 2023.
مشكلة ما بعد التوقيع
وتخلص الدراسة إلى أن التحدي لا يكمن فقط في صياغة الاتفاقيات، وإنما في تحويل بنودها إلى إجراءات قابلة للتطبيق.
وقالت إنه في عدد من الدول التي شملها التقييم، لا تعمل لجان المتابعة المشتركة بصورة منتظمة، أو لا تمتلك موارد كافية، كما أن البيانات المتعلقة بأعداد العمال والشكاوى ومخالفات العقود وحالات العودة والإصابات المهنية لا تجمع بصورة منهجية كافية.
وتشير الدراسة إلى أن سبع اتفاقيات فقط من الاتفاقيات التي جرى تحليلها تتضمن التزامات واضحة بشأن تبادل المعلومات، ومن بينها مذكرة التفاهم الأردنية– الإثيوبية لعام 2023.
وبالنسبة للأردن، تضع الدراسة أمام الجهات المعنية مجموعة من القضايا التي تتجاوز توقيع الاتفاقيات، أبرزها وضوح تكلفة الاستقدام، وتعزيز الرقابة على الجهات الوسيطة، وتوفير المعلومات للعامل قبل مغادرته بلده، إلى جانب تفعيل قنوات الشكاوى، وجمع بيانات منتظمة عن واقع العمالة الوافدة.
وتؤكد أن اتفاقيات الهجرة العمالية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها وثائق تُنجز بمجرد توقيعها، بل كأطر تحتاج إلى متابعة ومراجعة مستمرة لضمان تحول الحقوق المكتوبة إلى حماية فعلية في سوق العمل.