أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    24-Sep-2026

الملك يرسم طريقا اقتصاديا للأردن من الخليج إلى المتوسط

 اقتصاديون: البنية التحتية واللوجستيات والشراكات التجارية تعزز قدرة المملكة على تحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية

 
الغد-عبدالرحمن الخوالدة
 
وضع جلالة الملك عبدالله الثاني، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، موقع الأردن الجغرافي في قلب الفرص الاقتصادية للمملكة، مؤكدا أن الأردن يعزز الروابط من الخليج إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط من خلال دوره كمركز للتجارة والصناعة والتكنولوجيا.
 
 
ويكتسب هذا الدور أهمية متزايدة مع ما راكمه الأردن خلال السنوات الأخيرة من مقومات تعزز قدرته على تحويل موقعه من ميزة جغرافية إلى قيمة اقتصادية مضافة، بدءا من تطوير البنية التحتية وشبكات النقل والمنظومة اللوجستية، وصولا إلى تحديث التشريعات والبيئة الاستثمارية، وتوسيع شبكة الشراكات والاتفاقيات الاقتصادية والتجارية مع الأسواق الإقليمية والدولية.
ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه المقومات تتيح للأردن فرصة أوسع للاضطلاع بدور محوري في حركة التجارة وسلاسل التوريد والاستثمارات بين الخليج والعراق وبلاد الشام والبحر الأبيض المتوسط، مستفيدا من منفذه البحري في العقبة، ومن قدراته الصناعية والخدمية والتكنولوجية، بما يعزز مكانة المملكة كمركز إقليمي لحركة السلع والخدمات والاستثمارات.
وأكد الخبراء، في تصريحات صحفية لـ"الغد"، أن تعظيم العائد من هذا الموقع يتطلب مواصلة الاستثمار في النقل متعدد الوسائط والخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد، وتسهيل حركة التجارة والتخليص، وجذب الاستثمارات إلى القطاعات الإنتاجية والخدمية، بما يحول الموقع الجغرافي للأردن إلى فرص أوسع للنمو والتجارة والاستثمار، ويعزز دوره في شبكة الاقتصاد الإقليمي.
وكان جلالة الملك عبدالله الثاني أكد، خلال خطابه في الجلسة الافتتاحية لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ81 بنيويورك، أن الأردن عزز روابطه من الخليج إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط من خلال دوره كمركز للتجارة والصناعة والتكنولوجيا، بينما يتصدى للإرهاب في المنطقة. وأشار جلالته إلى أن حرب إيران أظهرت مدى سرعة تأثير انعدام الاستقرار على تعطيل حركة التجارة والاستثمار وحياة الناس خارج حدود المنطقة.
ويندمج الأردن بصورة واضحة في منظومة الاقتصاد العالمي، وذلك بانخراطه في اتفاقيات ثنائية وجماعية للتجارة الحرة مع العديد من دول العالم، أبرزها الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، واتفاقيات تحرير التجارة مع الولايات المتحدة وكندا، والشراكة الأوروبية المتوسطية، واتفاقية التجارة الحرة العربية الكبرى، إلى جانب اتفاقية سنغافورة.
فضلا عن الشراكات الاقتصادية مع دول العالم والمنطقة، وآخرها الشراكات التي عقدها في السنوات الأخيرة، كالشراكة الصناعية التكاملية لتنمية اقتصادية مستدامة، التي تجمعه مع الإمارات ومصر والبحرين والمغرب، والتي تأسست عام 2022 باستثمارات مبدئية تُقدّر بنحو 3.4 مليار دولار، إضافة إلى اشتراكه في آلية التعاون الثلاثي مع مصر والعراق.
تعزيز الروابط الاقتصادية
ويرى مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والاجتماعية أحمد عوض أن الرسالة التي حملها حديث جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة تتجاوز البعد السياسي للأزمات التي تمر بها المنطقة، لتلامس بصورة مباشرة مستقبل الاستقرار الاقتصادي وفرص التجارة والاستثمار والتنمية فيها.
وقال عوض إن التأكيد الملكي على تعزيز الروابط من الخليج إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط من خلال دور الأردن كمركز للتجارة والصناعة والتكنولوجيا، يعكس إدراكا لأهمية الترابط بين الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة، خصوصا أن الأزمات والصراعات لا تتوقف آثارها عند حدود الدول التي تشهدها، بل تمتد إلى حركة التجارة والاستثمار وسلاسل التوريد وأسعار السلع والخدمات.
وأضاف عوض أن تطوير البنية التحتية وسلاسل التوريد يمنح الأردن فرصة اقتصادية مهمة، لكن الاستفادة المستدامة منها تحتاج أيضا إلى بيئة إقليمية آمنة وقواعد يحترمها الجميع. فالاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات المستمرة على الفلسطينيين يقوّضان الثقة والاستقرار اللذين تحتاجهما التجارة والاستثمارات، وتدفع المنطقة كلها ثمن ذلك.
وأشار إلى أن موقع الأردن الجغرافي يمنحه فرصة للقيام بدور مهم في ربط أسواق الخليج بالمشرق والبحر الأبيض المتوسط، من خلال حركة البضائع والخدمات والاستثمارات، وتنويع مسارات التجارة وسلاسل التوريد، بما يعزز قدرة الاقتصادات في المنطقة على التعامل مع الاضطرابات والأزمات.
وأوضح عوض أن الأردن راكم خلال السنوات الماضية مجموعة من المقومات التي يمكن البناء عليها لتعزيز هذا الدور، في مقدمتها ميناء العقبة والمنظومة اللوجستية المرتبطة به، وشبكة الطرق والنقل، والمناطق الصناعية والحرة، إلى جانب قاعدة إنتاجية وخدمية في قطاعات مثل الصناعات الدوائية والغذائية والهندسية وتكنولوجيا المعلومات.
وبيّن أن شبكة الاتفاقيات التجارية والشراكات الاقتصادية التي يرتبط بها الأردن، وفق عوض، توفر قاعدة للوصول إلى أسواق أوسع، ولا تقتصر فائدتها على تصدير المنتجات الأردنية، وإنما تتيح أيضا فرصا أمام الشركات الإقليمية لاستخدام المملكة منصة للتصنيع والتخزين والخدمات وإعادة التصدير.
ولفت إلى أن تطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد يمكن أن يحول الموقع الجغرافي للأردن من ميزة جغرافية إلى قيمة اقتصادية أكبر، خصوصا مع تنامي الحاجة إلى مسارات تجارية أكثر تنوعا وقدرة على الاستجابة للاضطرابات الإقليمية والدولية.
وشدد عوض في هذا السياق على أن الاستفادة الكاملة من هذه الفرصة الاقتصادية ترتبط بوجود بيئة إقليمية مستقرة وقواعد واضحة تحكم حركة التجارة والاستثمار، مشيرا إلى أن استمرار الصراعات والاضطرابات يرفع كلف النقل والتأمين والتجارة، ويؤثر في ثقة المستثمرين وفي قدرة المنطقة على استثمار إمكاناتها الاقتصادية.
تحويل الموقع إلى قيمة اقتصادية
بدوره، اعتبر الخبير الاقتصادي محمد الحدب السرحان أن حديث جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن تعزيز الروابط من الخليج إلى البحر المتوسط، ودور الأردن كمركز للتجارة والصناعة والتكنولوجيا، يقدم رؤية اقتصادية واضحة لدور المملكة في المنطقة. فالرسالة ليست أن الأردن يقع جغرافيا بين أسواق مهمة فقط، بل أن الاستقرار الأردني يمكن أن يتحول إلى ميزة اقتصادية في منطقة أظهرت أزماتها الأخيرة مدى سرعة انتقال الاضطراب إلى التجارة والاستثمار وسلاسل التوريد.
وأوضح السرحان أن موقع الأردن يمنحه فرصة ليكون حلقة ربط بين الخليج والعراق وسورية والبحر المتوسط، لافتا إلى أن الموقع وحده لا يكفي؛ فالقيمة الحقيقية تتحقق عندما تصبح المملكة المسار الأسرع والأكثر موثوقية والأقل كلفة لحركة السلع والخدمات.
وبيّن أن هناك مؤشرات فعلية يمكن البناء عليها؛ إذ عالجت مراكز التخليص والنقل في المملكة نحو 220 ألف بيان ترانزيت حتى 18 آب (أغسطس) 2026، فيما ارتفع حجم المناولة في الميناء الرئيس بالعقبة خلال الأشهر السبعة الأولى إلى نحو 8 ملايين طن، بزيادة 49 % مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وأضاف أن الأردن يمتلك ميزة أخرى مهمة تتمثل في شبكة اتفاقياته التجارية؛ فقد توجه نحو 73.3 % من الصادرات الوطنية في عام 2025 إلى أسواق ترتبط المملكة معها باتفاقيات تجارة تفضيلية، بقيمة تجاوزت 7 مليارات دينار.
ويرى السرحان أن هذه المعطيات تسمح للأردن بتطوير نموذج أكثر طموحا يقوم على جذب رأس المال الخليجي والدولي للإنتاج في الأردن، ثم الوصول من المملكة إلى أسواق عربية وأوروبية وأميركية وغيرها، بحيث يصبح الموقع الأردني واتفاقياته التجارية جزءا من قرار المستثمر باختيار الأردن.
وبيّن أن البنية التحتية يجب أن تتحرك في الاتجاه نفسه، وهنا تبرز أهمية مشروع سكة حديد العقبة، البالغ حجمه نحو 2.3 مليار دولار، إلى جانب تطوير الموانئ والمراكز اللوجستية والمعابر، وتخفيض زمن التخليص والمناولة، موضحا أن المنافسة بين الممرات التجارية اليوم لا تحسمها المسافة فقط، وإنما كم ساعة تستغرق البضاعة، وكم تكلف، وكم يمكن الاعتماد على المسار عند حدوث أزمة. ولذلك، فإن تخفيض زمن بقاء حاويات الترانزيت في العقبة من نحو 14-15 يوما إلى قرابة 12 يوما، ورفع قدرة بوابات إخراج الحاويات من نحو 900 إلى 1200 حاوية يوميا، خطوات لها قيمة اقتصادية مباشرة ويجب البناء عليها.
ولفت السرحان إلى أن البعد التكنولوجي في حديث جلالة الملك مهم بقدر البعد اللوجستي والصناعي؛ فالمركز الإقليمي الحديث ليس ميناء وطريقا وسكة حديد فقط، وإنما منظومة رقمية تربط الموانئ والجمارك والمستودعات والشاحنات والمصانع والمستثمرين. وكلما استطاع الأردن تقليل الوقت والإجراءات باستخدام التكنولوجيا والبيانات، ارتفعت تنافسيته كمركز إقليمي، وأصبح أكثر جاذبية للشركات التي تعيد اليوم ترتيب سلاسل توريدها بحثا عن الاستقرار والمرونة.
رؤية اقتصادية متكاملة للمستقبل
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي موسى الساكت إن تطرق جلالة الملك عبدالله الثاني، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى توجه الأردن لتعزيز الروابط من الخليج إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط، من خلال دور الأردن كمركز للتجارة والصناعة والتكنولوجيا، ينطوي على عدة رسائل تتجاوز البعد الجغرافي إلى رؤية اقتصادية متكاملة لمستقبل المملكة.
وتتمثل الرسالة الأولى في أن الأردن لا يريد أن يكون مجرد دولة تتأثر بما يجري حولها، وإنما دولة فاعلة في صياغة مسارات الاقتصاد الإقليمي. فموقع المملكة بين الخليج والعراق وبلاد الشام والبحر الأحمر، مع منفذها البحري في العقبة، يمكن أن يتحول من ميزة جغرافية إلى ميزة اقتصادية حقيقية.
وهذا يعني الانتقال من مفهوم "الموقع الإستراتيجي" إلى "الدور الاستراتيجي"، ما يعني أن تكون المملكة مكانا تمر عبره السلع، وتُصنع فيه المنتجات، وتُقدم فيه الخدمات، وتُطور فيه التكنولوجيا.
وشدد الساكت على أن هذه ليست فكرة نظرية، فبيانات الاستثمار الأردنية تشير إلى أن قطاع النقل والخدمات اللوجستية يشهد نموا، فيما عززت التطورات الأخيرة في حركة الترانزيت عبر العقبة أهمية الأردن كممر بديل وآمن لسلاسل التوريد الإقليمية.
واعتبر الساكت أن التحول إلى مركز إقليمي للتجارة والصناعة والتكنولوجيا يمكن أن يخلق اقتصادا أكثر تنوعا وقيمة مضافة؛ ففي التجارة، يعني ذلك زيادة الترانزيت وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية والتخزين والنقل، أما في الصناعة، فيعني استقطاب استثمارات تبحث عن موقع قريب من أسواق الخليج والعراق والشام وأوروبا، والاستفادة من الاتفاقيات التجارية والأسواق التصديرية.
أما التكنولوجيا، بنظر الساكت، فهي العنصر الذي يمكن أن يضاعف قيمة الموقع الجغرافي؛ إذ لم تعد التجارة الحديثة تعتمد فقط على الطرق والموانئ، وإنما على مراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي، والخدمات الرقمية، والتكنولوجيا المالية، وإدارة سلاسل الإمداد.
أما الرسالة الثانية، بحسب الساكت، فهي تقديم الأردن نفسه كحلقة وصل بين رأس المال الخليجي، والقدرات البشرية والتكنولوجية الأردنية، والأسواق العربية، والأسواق الأوروبية.
ولفت الساكت إلى أن العقبة تمنح الأردن منفذا بحريا قادرا على ربط المملكة بالأسواق العالمية؛ وتشير بيانات وزارة النقل إلى وجود ارتباطات بحرية من العقبة مع عدد من الموانئ الأوروبية الرئيسية.
ودعا إلى ضرورة تحويل الحديث عن الأردن كحلقة وصل بين الجنوب العربي وأوروبا إلى مشروع اقتصادي وطني يقوم على تطوير النقل متعدد الوسائط، والسكك الحديدية، والمناطق الصناعية واللوجستية، والتخليص الجمركي، والطاقة، والاقتصاد الرقمي.