الغد-أحمد الرواشدة
العقبة- تشهد الأسواق التجارية في هذه الأيام التي تسبق قرع أجراس المدارس حراكا يوصف بالخجول مقارنة بمواسم العودة إلى المدارس في السنوات الماضية، حيث تغيب مشاهد الازدحام المعتادة عن المكتبات ومحلات بيع القرطاسية والزي المدرسي، وسط حالة من الترقب والحذر الاقتصادي التي تسيطر على سلوك المستهلكين وعائلاتهم، متأثرين بجملة من التغيرات التي فرضت إيقاعا جديدا على أولويات الإنفاق الأسري، لتكتفي العديد من العائلات بشراء المستلزمات الأساسية جدا وتأجيل الكماليات إلى أوقات لاحقة، بما يضمن تسيير عجلة الأيام الأولى من العام الدراسي الجديد بأقل التكاليف الممكنة.
ويؤكد التاجر محمد عطية، صاحب إحدى المكتبات، أن الحركة الشرائية تراجعت بنسبة ملحوظة هذا العام مقارنة بالأعوام السابقة، مبينا أن العديد من أولياء الأمور باتوا يبحثون عن العروض المخفضة والبدائل الاقتصادية، مشيرا إلى أن رفوف مكتبته التي تعج بأحدث الإصدارات والأدوات المدرسية لم تجذب زبائنها المعتادين بنفس الزخم، مما دفع القطاع التجاري إلى تقليص هوامش الربح وتقديم حزم ترويجية في محاولة جادة لكسر حالة الجمود وتحفيز الآباء والأمهات على الإقبال لتلبية احتياجات أبنائهم.
وتبين فاطمة النوايسة، وهي أم لأربعة طلاب في مراحل دراسية مختلفة، لجوءها إلى خيارات بديلة هذا العام تتمثل في إعادة تدوير الحقائب المدرسية القديمة وصيانتها واستخدام ما تبقى من قرطاسية العام الماضي، موضحة أن هذه الثقافة الاستهلاكية الجديدة ضرورة أملتها الظروف المعيشية، ومؤكدة في الوقت ذاته أن الاستعداد النفسي للطلبة وتحفيزهم على النجاح والتفوق هو الأهم من اقتناء أدوات جديدة ومكلفة، لتتحول هذه التحديات المالية إلى فرصة لغرس قيم الترشيد والمحافظة على الممتلكات في نفوس الأبناء منذ الصغر.
وبالتوازي مع هذا المشهد التجاري الهادئ، تشهد أروقة مديرية التربية والتعليم لمحافظة العقبة، حيث كثفت مديرية تربية العقبة جولاتها الميدانية للوقوف على جاهزية الغرف الصفية والمرافق الصحية والمختبرات العلمية في كافة مدارس المحافظة وألويتها، في خطوة استباقية تهدف إلى تذليل أية عقبات لوجستية أو فنية قد تعترض سير العملية التعليمية في أيامها الأولى، وبما يعكس نهجا مؤسسيا يرتكز على التخطيط الإستراتيجي وإدارة الأزمات بكفاءة واقتدار.
خطة طوارئ شاملة
وبين مدير تربية العقبة الدكتور عبد الوهاب الحجاج أن المديرية وضعت خطة طوارئ شاملة للتعامل مع تحديات الاكتظاظ الطلابي وتوزيع الكوادر التدريسية بعدالة على كافة المدارس، مشددا على أن توجيهات وزارة التربية والتعليم واضحة بضرورة توفير بيئة تعليمية آمنة وجاذبة ومحفزة للإبداع والابتكار، مشيرا إلى أن التعاون الوثيق مع سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة ومؤسسات المجتمع المدني قد أثمر عن تنفيذ حملات صيانة شاملة وتجميل للساحات المدرسية لتكون الحضن الدافئ الذي يستقبل الطلبة.
ولعل النقلة النوعية الأبرز التي تزين المشهد التربوي في العقبة هذا العام تتمثل في الملف الإستراتيجي للنقل المدرسي الذي طالما شكل تحديا يؤرق الأهالي، حيث بدأت مديرية التربية والتعليم لمحافظة العقبة الأسبوع الماضي التشغيل التجريبي لمشروع النقل المدرسي، في خطوة عملية رائدة نحو توفير خدمة نقل مدرسية آمنة ومنظمة ومجانية للطلبة والمعلمين على حد سواء، لتعزيز وصولهم إلى مدارسهم ضمن بيئة أكثر أمانا واستقرارا، وبما ينسجم مع التوجه الوطني الشامل للتوسع في خدمات النقل المدرسي على مراحل مدروسة وصولا إلى شمول أعداد أكبر.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من لغة الأرقام التي تعكس حجم الإنجاز وعمق التخطيط، حيث يبلغ إجمالي عدد الطلبة المستفيدين من برنامج النقل المدرسي في محافظة العقبة 4232 طالبا وطالبة، وهو رقم يؤسس لمرحلة جديدة من العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص التعليمية، ويخفف العبء المالي والزمني عن كاهل الأسر العقباوية التي كانت تتكبد عناء تأمين مواصلات يومية لأبنائها وسط تحديات الازدحام المروري وارتفاع أجور النقل الخاص، لتأتي هذه المبادرة الحكومية كطوق نجاة يعزز من استقرار العملية التربوية ويحد من ظاهرة التسرب المدرسي أو التأخر الصباحي.
وقد استحوذ لواء القويرة على النصيب الأكبر من هذا المشروع بواقع 2482 طالبا وطالبة، وهو ما يعكس رؤية ثاقبة من قبل صناع القرار التربوي لتوجيه الدعم اللوجستي نحو المناطق الأطراف والقرى النائية التي يعاني طلبتها من صعوبات جغرافية بالغة في الوصول إلى مقاعدهم الدراسية، لتشكل هذه الحافلات جسرا حقيقيا يربط هؤلاء الطلبة بمستقبلهم المشرق وينهي سنوات من المعاناة اليومية التي كانت تقف حجر عثرة أمام طموحاتهم الأكاديمية وحقهم الأصيل في الحصول على تعليم نوعي وميسر.
أسطول حديث ومتطور
ولم تغفل خطة النقل المدرسي عن تلبية احتياجات المدارس في مركز المحافظة، حيث يبلغ عدد الطلبة المستفيدين في باقي مدارس المنطقة، وتحديدا في القصبة، 1750 طالبا وطالبة، إلى جانب شمول 326 معلما ومعلمة ضمن المدارس المشمولة بالمرحلة الأولى من المشروع، وهي التفاتة ذكية ومقدرة تسهم في توفير بيئة عمل مريحة ومستقرة للكوادر التدريسية، وتنعكس إيجابا على أدائهم وعطائهم داخل الغرف الصفية، حيث إن راحة المعلم هي الركيزة الأساسية لنجاح العملية التعليمية برمتها وضمان تدفق المعرفة بسلاسة وإبداع إلى عقول الطلبة.
وبين الحجاج أنه تم تخصيص أسطول حديث ومتطور يبلغ إجمالي عدد الحافلات المخصصة فيه 48 حافلة مجهزة بأعلى مواصفات السلامة العامة والراحة، لتأمين رحلات ذهاب وإياب آمنة ومنتظمة، حيث تم توزيع هذا الأسطول بعناية فائقة استنادا إلى دراسات ميدانية دقيقة لواقع الكثافة الطلابية والمسارات الجغرافية، بواقع 20 حافلة لمدارس القرى والمناطق المشمولة بخدمة النقل المدرسي في الأطراف، لضمان تغطية كافة التجمعات السكانية المتباعدة وربطها بالشبكة التعليمية بكل يسر وسهولة.
وأكد الحجاج أنه تم توجيه 28 حافلة من هذا الأسطول لخدمة مجمع مدارس الأردن في القصبة الذي يشهد كثافة طلابية عالية تتطلب تدخلا لوجستيا منظما لمنع الاختناقات المرورية في محيط المجمع وتسهيل حركة دخول وخروج الطلبة بأمان تام، حيث ستخضع هذه الحافلات خلال فترة التشغيل التجريبي لرقابة صارمة وتقييم مستمر لمساراتها ومواعيد انطلاقها ووصولها، بهدف رصد أية تحديات ميدانية ومعالجتها بشكل فوري قبل الانتقال إلى مرحلة التشغيل الفعلي والمنتظم مع بدء الدوام الرسمي لكافة المراحل الدراسية.
ويرى الخبير التربوي محمود الخطيب، أن مشروع النقل المدرسي في العقبة استثمار إستراتيجي في رأس المال البشري يتقاطع مع أهداف التنمية المستدامة، مبينا أن توفير نقل آمن ومجاني يساهم بشكل مباشر في تحسين التحصيل العلمي للطلبة من خلال تقليل الإرهاق الجسدي والنفسي المرتبط برحلة الذهاب والإياب، مؤكدا أن نجاح هذه المرحلة التجريبية سيشكل نموذجا وطنيا ملهما يمكن البناء عليه وتعميمه على باقي محافظات المملكة لتوحيد معايير جودة الحياة المدرسية.