مشاريع الطاقة.. فرصة صناعية لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليص فاتورة الاستيراد
الغد-رهام زيدان
قال خبراء إن مشاريع الطاقة في الأردن تتجه إلى فتح مساحة أوسع أمام الصناعة المحلية، في ظل فرص متزايدة لتوطين تصنيع وتوريد مكونات ومستلزمات هذه المشاريع، بما يسهم في خفض الكلف، وتعزيز سلاسل التوريد المحلية، وخلق قيمة مضافة وفرص عمل، بالتوازي مع ضرورة الحفاظ على الكفاءة الفنية والاقتصادية للمشاريع.
وفي هذا السياق، قال رئيس غرفتي صناعة الأردن وعمّان، المهندس فتحي الجغبير، إن تعظيم مساهمة الصناعة المحلية في مشاريع الطاقة يتطلب التعامل مع المشروع باعتباره سلسلة قيمة متكاملة، وليس الاقتصار على معدات التوليد الرئيسية، لافتاً إلى وجود فرص فعلية أمام الصناعة الأردنية لتصنيع وتوريد عدد كبير من مدخلات هذه المشاريع.
وأوضح الجغبير أن هذه الفرص تشمل الكوابل والأسلاك منخفضة ومتوسطة الجهد، والهياكل والقواعد المعدنية للأنظمة الشمسية، وبعض المعدات واللوحات الكهربائية وأنظمة الحماية والتحكم، والسخانات الشمسية، والأعمال المعدنية والإنشائية، إضافة إلى خدمات التصميم والهندسة والتركيب والفحص والتشغيل والصيانة.
وأشار إلى أن زيادة مساهمة الصناعة المحلية تتطلب إعداد خريطة وطنية واضحة للمحتوى المحلي في مشاريع الطاقة، تبدأ بتفكيك مكونات كل مشروع وتحديد ما يمكن إنتاجه محلياً، ثم ربط المصنعين المؤهلين بالمطورين والمقاولين، وإدخال معايير للمحتوى المحلي في المشتريات والعطاءات، شريطة الالتزام بالمواصفات الفنية ومتطلبات الجودة.
وأكد الجغبير أن الاعتماد على الصناعة المحلية لا يعني بالضرورة أن يكون سعر شراء كل مكوّن أقل من نظيره المستورد، وإنما يتطلب النظر إلى الكلفة الكلية للمشروع طوال عمره التشغيلي، مبيناً أن التصنيع المحلي يمكن أن يسهم في خفض تكاليف النقل والشحن وفترات التوريد، وتقليل مخاطر التأخير وأسعار الصرف، فضلاً عن تسهيل الحصول على قطع الغيار والخدمات الفنية وأعمال الصيانة، وتقليص فترات التوقف عند حدوث الأعطال.
ولفت إلى أن هناك سوقاً محلية كبيرة يمكن البناء عليها في هذا المجال، مشيراً إلى أن برنامج كفاءة الطاقة الصناعي أظهر وجود 484 فرصة لكفاءة الطاقة لدى 99 مصنعاً، تحتاج إلى استثمارات تقارب 15 مليون دينار، مقابل وفر مالي محتمل يبلغ نحو 5.5 مليون دينار سنوياً.
وأوضح أن الاستثمارات المطلوبة تتوزع بواقع نحو 5.6 مليون دينار للصناعات الكيماوية، و2.5 مليون دينار للصناعات الغذائية، و2.1 مليون دينار لقطاع البلاستيك والمطاط، و1.8 مليون دينار للصناعات الإنشائية.
وأضاف أن أهمية تطوير المحتوى المحلي تزداد في القطاعات التي تشكل الطاقة جزءاً كبيراً من تكلفتها التشغيلية، مبيناً أن بيانات القطاع الصناعي تشير إلى أن تكلفة الكهرباء، باستثناء المواد الخام، تبلغ نحو 50.5 بالمائة في قطاع البلاستيك والمطاط، و35.1 بالمائة في الصناعات الإنشائية، و34.8 بالمائة في الصناعات الغذائية، و32.3 بالمائة في التعبئة والتغليف والطباعة، و31.9 بالمائة في الألبسة والنسيج.
وقال الجغبير إن مشاريع الطاقة وكفاءة الطاقة قادرة على تحقيق أثر اقتصادي مزدوج، يتمثل في خفض تكلفة الطاقة على الصناعة من جهة، وخلق طلب محلي على المنتجات والخدمات الصناعية الأردنية المرتبطة بقطاع الطاقة من جهة أخرى.
وفي ما يتعلق بالمساهمة الحالية للصناعات المحلية في مشاريع الطاقة قيد التنفيذ، أكد الجغبير وجود مساهمة محلية فعلية في سلسلة قيمة هذه المشاريع من خلال الشركات الصناعية والمقاولين والمكاتب الهندسية والموردين المحليين، خصوصاً في الأعمال المعدنية والهياكل والكوابل والأعمال الكهربائية والمدنية، إلى جانب التصميم والتركيب والتشغيل والصيانة، وإن كانت نسبة المحتوى المحلي تختلف بصورة كبيرة من مشروع إلى آخر.
وأضاف أن هناك دوراً مهماً للمعدات والخدمات المحلية المرتبطة بالمحركات والمضخات والضواغط والغلايات وأنظمة التبريد والتحكم والأتمتة.
وفي تقييمه لجودة الصناعات المحلية المرتبطة بمدخلات مشاريع الطاقة، قال الجغبير إن الصناعة الأردنية تمتلك قدرات جيدة وناضجة في عدد من هذه المدخلات، خصوصاً الكوابل والأسلاك، والهياكل والتصنيع المعدني، وبعض المعدات والأعمال الكهربائية.
وأكد أن تقييم جودة المنتج لا ينبغي أن يستند إلى كونه محلياً أو مستورداً، وإنما إلى مجموعة واضحة من المعايير تشمل المطابقة للمواصفات الفنية، ونتائج اختبارات النوع والأداء، وأنظمة إدارة الجودة لدى المصنع، وتتبع مصدر المواد والمكونات، والعمر التشغيلي، والضمان، وسجل الأداء في المشاريع السابقة، وتوفر خدمات ما بعد البيع وقطع الغيار.
وأشار إلى أن الخبرة العملية في المشاريع الصناعية تؤكد أن جودة التصميم واختيار التكنولوجيا والتركيب والتشغيل عوامل أساسية في تحقيق النتائج، مستشهداً بمشروع نُفذ في مصنع الباحة لاستبدال برج تبريد باستثمار بلغ 196.3 ألف دينار، وحقق خفضاً يصل إلى 25 بالمائة في استهلاك الطاقة و45 بالمائة في فاقد المياه.
وأكد الجغبير أن الصناعة المحلية قادرة على أخذ حصة أكبر من مدخلات مشاريع الطاقة، وبشكل خاص في المكونات الكهربائية والمعدنية ومكونات الأنظمة المساندة للمشروع (Balance of System)، إلى جانب الأعمال الهندسية، شريطة أن يكون المبدأ هو اعتماد محتوى محلي مؤهل ومطابق للمواصفات وقادر على المنافسة من حيث الجودة والكلفة والأداء طوال العمر التشغيلي للمشروع.
سياسات وحوافز لتوسيع المحتوى المحلي ونقل التكنولوجيا
بدوره، قال الخبير في شؤون الطاقة هاشم عقل إن تعظيم مساهمة الصناعة المحلية في مشاريع الطاقة يتطلب العمل على مستوى السياسات والتنفيذ، من خلال وضع آليات واضحة لزيادة المحتوى المحلي، وربط ذلك بتعزيز القدرة التنافسية للمشروعات وخفض كلفتها النهائية.
وأوضح عقل أن من أبرز الآليات التي يمكن اعتمادها اشتراط نسبة من المحتوى المحلي في مناقصات مشاريع الطاقة الحكومية والشراكات مع القطاع الخاص، خصوصاً في الأعمال المدنية والتركيب والصيانة التي لا تحتاج إلى تقنيات معقدة، إلى جانب ربط الحوافز الجمركية والضريبية بمدى استخدام المدخلات المحلية، بما يشجع على توطين الإنتاج الصناعي.
وأشار إلى أهمية تحديث التشريعات ذات الصلة بما يعزز الجاذبية الاستثمارية ويدعم الإنتاج المحلي، إضافة إلى إشراك الصناعة الأردنية في أعمال البناء المدني، وتصنيع الهياكل المعدنية، والكابلات، ولوحات التحكم، وخزانات الوقود والمياه، وأعمال الحفر والتأسيس والصيانة الدورية، وهي أعمال كانت تُنجز محلياً بمستويات جودة جيدة.
وأكد عقل أن من الآليات المهمة أيضاً تحفيز شراكات نقل التكنولوجيا بين الشركات والمصنعين العالميين ونظرائهم الأردنيين، بدلاً من الاعتماد الكامل على الاستيراد، إلى جانب ربط المدن الصناعية بالغاز الطبيعي والكهرباء بأسعار تنافسية، بما يسهم في خفض كلفة الإنتاج الصناعي نفسه.
وبيّن أن زيادة مساهمة الصناعة المحلية تنعكس على الكلفة الكلية لمشاريع الطاقة من خلال تقليل كلف الشحن والاستيراد والجمارك والتخزين، فضلاً عن تقصير مدة التنفيذ نتيجة توفر المدخلات محلياً وتقليل فترات الانتظار المرتبطة بالاستيراد.
وأضاف أن توسيع قاعدة الصناعة المحلية يسهم كذلك في خلق فرص عمل وقيمة مضافة محلية تنعكس إيجاباً على الاقتصاد الكلي، إلى جانب خفض كلفة الصيانة اللاحقة نتيجة توفر قطع الغيار والخبرات الفنية محلياً، بدلاً من الاعتماد على الاستيراد المتكرر.
ولفت عقل، في المقابل، إلى ضرورة عدم فرض محتوى محلي غير جاهز من الناحية التقنية، لأن ذلك قد يؤدي إلى رفع الكلفة الأولية للمشروع أو التأثير في كفاءته، مؤكداً أن المطلوب هو تحقيق توازن بين التوطين التدريجي والكفاءة الاقتصادية الفورية.
وفي ما يتعلق بالمساهمة الحالية للصناعة المحلية في المشاريع قيد التنفيذ، قال عقل إن المؤشرات المتاحة تدل على مساهمة جزئية ومحدودة نسبياً، تركزت بصورة أساسية في أعمال التركيب والصيانة، والمقاولات المدنية، وأعمال البنية التحتية المرافقة للمشاريع الكبرى.
وأوضح أن شركات محلية نشطة فعلياً في تركيب أنظمة الطاقة الشمسية للقطاعين السكني والصناعي، إلى جانب مشاركة الشركات المحلية في أعمال المقاولات المدنية والبنية التحتية المرتبطة بمشاريع كبرى، مثل محطات الكهرباء وشبكات الغاز وغيرها من المشاريع.
وأشار إلى أنه لم تكن هناك، في المقابل، مؤشرات قوية على تصنيع محلي واسع للمكونات عالية التقنية، مثل الألواح الشمسية والتوربينات والبطاريات، إذ ظلت هذه المكونات تعتمد بصورة رئيسية على الاستيراد، في وقت بدأت فيه بعض الدول العربية المجاورة إنشاء مصانع محلية لإنتاج الألواح الشمسية.
ولفت إلى أن غرفتي صناعة عمّان والأردن تدفعان باتجاه توسيع دور الصناعة المحلية في مشاريع الطاقة، باعتبار أن مشاريع الطاقة المتجددة أصبحت ركيزة أساسية لتعزيز استدامة القطاع الصناعي، ولم تعد مجرد خيار بيئي، وإنما أداة اقتصادية فاعلة لضبط الكلفة وتحسين كفاءة التزويد.
وفي ما يتعلق بجودة المدخلات المحلية، أكد عقل أن بعض الصناعات والخدمات المحلية تتمتع بمستوى جيد من الخبرة والجودة، خصوصاً في أعمال التركيب والتنفيذ الميداني، والهياكل المعدنية، والأعمال الكهربائية والتوصيلات، والصيانة، مستندة إلى خبرة تراكمية لدى شركات تعمل في هذا المجال منذ سنوات طويلة.
وأوضح أن الفجوة تظهر بصورة أكبر في التصنيع الأصلي للمكونات التقنية عالية القيمة، مثل الخلايا الشمسية، وعنفات الرياح، وبطاريات التخزين، والعاكسات الكهربائية، وهي مكونات تحتاج إلى استثمارات رأسمالية كبيرة ونقل تقني لم يكن متاحاً بالحجم الكافي.
وأكد عقل أن التحدي الأساسي لا يتمثل بالضرورة في جودة المنتجات والخدمات المحلية، بقدر ما هو مرتبط بالقدرة الإنتاجية والتقنية، ولا سيما في الصناعات كثيفة رأس المال والتكنولوجيا، الأمر الذي يتطلب بناء قدرات صناعية تدريجية وربطها بشراكات تقنية واستثمارية قادرة على نقل المعرفة وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي.
وأشار إلى أن الهدف في النهاية ليس تصنيع جميع مكونات مشاريع الطاقة محلياً، وإنما بناء منظومة صناعية متكاملة حول هذه المشاريع، بما يعزز سلاسل التوريد المحلية، ويخفض المخاطر والكلف، ويرفع القيمة المضافة للاقتصاد الوطني، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الكفاءة الاقتصادية والتنافسية للمشاريع.
من جانبه، قال رئيس جمعية مستثمري شرق عمّان الصناعية، الدكتور إياد أبو حلتم، إن رفع مساهمة الصناعة المحلية في مشاريع الطاقة يتطلب تفكيراً وتخطيطاً على عدة محاور، بحيث لا يقتصر الأمر على زيادة نسبة المكوّن المحلي في المشروع، وإنما يمتد إلى نقل التكنولوجيا والمعرفة، وخلق فرص العمل، وبناء منظومة متكاملة من سلاسل التوريد المحلية.
وأوضح أبو حلتم أن هناك مستويات متعددة يمكن للصناعة المحلية أن تسهم من خلالها في مشاريع وأنظمة الطاقة، بدءاً من تصنيع الهياكل المعدنية، مروراً بالمحولات والكابلات والألواح، وصولاً إلى الخدمات المعرفية والهندسية، مثل التدريب والتشغيل والصيانة والمتابعة والإشراف والمراقبة والتصميم والبرمجة.
وأضاف أن الهدف الرئيسي لا يتمثل فقط في احتساب نسبة المكوّن المحلي، وإنما في قياس مدى قدرة هذه المساهمة على خفض الكلفة النهائية للمشروع، من خلال توسيع قاعدة الصناعات والخدمات المحلية المرتبطة به، بما يشمل الصناعات المعدنية والألواح والمحولات والكابلات، إلى جانب خدمات التشغيل والصيانة والتصميم والمتابعة والإشراف والتقييم والتدريب.
وأشار إلى أن هذه العناصر تشكل منظومة متكاملة تسهم في خفض كلفة مشاريع الطاقة، إلى جانب خلق فرص عمل ونقل المعرفة والتكنولوجيا، مؤكداً أن التفكير ينصب أيضاً على كيفية ربط الصناعة المحلية بمختلف مكونات مشاريع الطاقة، بما فيها أنظمة تكنولوجيا المعلومات، والشبكات الذكية، والحلول التي تسهم في الاستخدام الأكثر كفاءة للطاقة والحد من الهدر.
وأكد أبو حلتم أن مساهمة الصناعة المحلية في مشاريع الطاقة لا تُقاس فقط بنسبة المكونات المصنعة محلياً، وإنما من خلال تحقيق مجموعة من الأهداف الاستراتيجية، تتمثل في نقل المعرفة والتكنولوجيا، وخلق فرص العمل، وبناء منظومة متكاملة قابلة لتصدير الخدمات الهندسية والمكونات إلى أسواق المنطقة، إلى جانب تقليل مخاطر الاستيراد، وتسريع تنفيذ مشاريع الطاقة، وخفض كلفتها النهائية.
وشدد أبو حلتم على أن تعزيز دور الصناعة المحلية في مشاريع الطاقة يجب أن يُنظر إليه كمنظومة اقتصادية وصناعية متكاملة، وليس باعتباره مجرد رفع لنسبة المكوّن المحلي، بما يضمن تحقيق قيمة مضافة أكبر للاقتصاد الوطني وتعزيز قدرة الشركات والصناعات الأردنية على المشاركة في مشاريع الطاقة محلياً وإقليمياً.