الغد-عبدالله الربيحات
أكد خبراء في الزراعة، أن الإجهاد الحراري من المظاهر المباشرة للتغير المناخي، إذ يؤدي للارتفاع المستمر على درجات الحرارة، وزيادة وتيرة موجات الحر المتطرفة، ووضع النظم البيئية الزراعية تحت ضغط غير مسبوق.
وبينوا لـ"الغد"، انه لمواجهة هذا التحدي المتسارع، لا بد من توجيه البحوث الزراعية نحو الوصول لحلول تكنولوجية مستدامة وممارسات ذكية في المسالة المناخية كطوق نجاة، بحيث تتضمن هذه الحلول تطوير واستزراع أصناف نباتية جديدة وهجينة، تتميز بالمرونة العالية والقدرة على مقاومة الجفاف والحرارة، إلى جانب التحول نحو أنظمة الري الذكية المقترنة، بمستشعرات الرطوبة لتعويض الفقد المائي بدقة، فضلاً عن تقنيات الزراعة المحمية، واستخدام المغذيات الورقية ومضادات النتح (هو عملية خروج الماء الزائد على هيئة بخار من أوراق النبات وسيقانه) ما يرفع من كفاءة النبات في إدارة مخزونها المائي والخلوي، تحت ظروف الطقس القاسية.
انخفاض كفاءة التمثيل الضوئي
وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري، يرى أن موجات الحر والارتفاع على درجات الحرارة، يؤديان لزيادة معدلات النتح (فقدان الماء)، لافتا إلى أن توجيه البحوث الزراعية نحو الوصول لحلول تكنولوجية مستدامة وممارسات ذكية في المسألة المناخية طوق نجا، وانخفاض كفاءة التمثيل الضوئي، وتساقط الأزهار والثمار، وضعف عقد الثمار، وانخفاض الإنتاجية والجودة، قد تصل في حالات الحر الشديدة لاحتراق الأوراق والثمار.
وتعد الخضراوات، والحمضيات، والعنب، والتفاح، وبعض المحاصيل الحقلية، من أكثر المزروعات تأثراً في موجات الحر، وفق المصري.
وأضاف أنه للحد من آثار الإجهاد الحراري، يجب الاستفادة من الإدارة الذكية للري، عن طريق ري المزروعات قبل موجات الحر، وزيادة عدد مرات الري، مع تقليل كمية المياه في كل عملية، كذلك الري عند ساعات الفجر أو في الليل، واستخدام الأغطية العضوية (المهاد) للحفاظ على رطوبة التربة، وشبكات التظليل للمحاصيل الحساسة، والتسميد المتوازن، والاعتماد على محطات الطقس الزراعية وحساسات رطوبة التربة، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، لتحديد مواعيد وكميات الري المثلى، بما يرفع إنتاجية المياه، ويحافظ على صحة النبات في الظروف المناخية القاسية.
زيادة وتيرة موجات الحر
الخبير د. حسان العسوفي، أكد أن الإجهاد الحراري، أحد أبرز المظاهر المباشرة لظاهرة التغير المناخي، إذ يؤدي الارتفاع المستمر على درجات الحرارة العالمية وزيادة وتيرة موجات الحر المتطرفة إلى وضع النظم البيئية الزراعية تحت ضغط غير مسبوق.
وأضاف العسوفي أن هذه الظاهرة لا تقتصر على شعور النبات بالحرارة حسب، بل تُحدث خللاً عميقاً في العمليات الفسيولوجية والحيوية لديه، مثل اختلال عملية البناء الضوئي، وزيادة معدلات النتح (فقدان الماء)، وتثبيط الأنزيمات الحيوية، ما يهدد الأمن الغذائي العالمي بشكل مباشر عبر تقليص إنتاجية المحاصيل الإستراتيجية.
وقال إن الآثار العلمية لهذه الظاهرة، تتجلى بتدهور جودة المحاصيل وفشل الإنتاج الزراعي؛ فالنباتات التي تتعرض لحرارة، تتجاوز عتبتها البيولوجية، فتعاني من ذبول ميكانيكي حاد نتيجة جفاف الخلايا، بالإضافة لـ"الإجهاض الزهري"، بحيث تسقط الأزهار والثمار الحديثة قبل اكتمال نموها.
وأضاف العسوفي، "كما تتأثر جودة الثمار المتبقية وتصاب بحروق الشمس وتشويه الأنسجة، وعلاوة على ذلك، يضعف الإجهاد الحراري من المناعة الطبيعية للنباتات، ما يجعلها فريسة سهلة للآفات الحشرية والأمراض الفطرية التي باتت تتوسع في نطاقاتها الجغرافية بسبب تغير المناخ".
وبين أنه لمواجهة هذا التحدي المتسارع، تتجه البحوث الزراعية نحو الحلول التكنولوجية المستدامة والممارسات الذكية مناخياً كطوق نجاة؛ وتتضمن هذه الحلول تطوير واستزراع أصناف نباتية جديدة وهجينة، تتميز بالمرونة العالية والقدرة على مقاومة الجفاف والحرارة، إلى جانب التحول نحو أنظمة الري الذكية المقترنة بمستشعرات الرطوبة، لتعويض الفقد المائي بدقة، فضلاً عن تقنيات الزراعة المحمية واستخدام المغذيات الورقية ومضادات النتح التي ترفع من كفاءة النبات في إدارة مخزونه المائي والخلوي، تحت ظروف الطقس القاسية.
وبشأن واقعنا الوطني، تتجسد هذه التحديات العلمية والمناخية اليوم على أرض الواقع في المملكة التي تشهد موجة حرارة لاهبة تتجاوز فيها درجة الحرارة حاجز الـ40 مئوية، وتلامس الـ44 درجة في مناطق الأغوار والبادية؛ ما يدفع الجهات الإرشادية ووزارة الزراعة لإطلاق تحذيرات عاجلة للمزارعين بضرورة تبني تدابير وقائية فورية لحماية الأمن الغذائي الوطني، وفي مقدمتها حظر الرش الكيماوي والتسميد وقت الظهيرة، وتنظيم أوقات الري خلال الساعات الباردة لتقليل التبخر، وتوفير التظليل المكثف للدفيئات والمناحل لتقليل الخسائر الاقتصادية المباشرة.
اختلال التوازن المائي للنبات
بدوره، قال الخبير د. نبيل بني هاني، إن الإجهاد الحراري تحد جسيم، يهدد الإنتاج الزراعي، إذ تؤدي الحرارة الشديدة لاختلال التوازن المائي للنبات وإرباك البناء الضوئي. مضيفا أنه جراء هذا الاختلال ينجم تساقط للأزهار، وفشل للتلقيح، وضمور للثمار، وتلف للمجموع الخضري، ما ينعكس سلبًا على حجم المحصول وجودته.
وأوضح بني هاني، أن تنظيم الري، يمثل محور الحماية الأساسي؛ إذ يُستحسن السقي خلال الساعات الباردة فجراً أو مساءً لضمان امتصاص الجذور للمياه وتقليل التبخر. كما يسهم استخدام التظليل وتغطية التربة بالمهاد بخفض حرارة المجموع الجذري والحفاظ على رطوبة الأرض لأطول فترة ممكنة.
وأكد أهمية التقليم وتدابير الحماية في سنوات الجفاف، بحيث يكتسب التقليم الموزون أهمية استثنائية في سنوات الجفاف بخاصة بالمناطق المطرية، بحيث يُقلل المجموع الخضري، ليحد من النتح ويخفف استنزاف رطوبة التربة دون كشف الأغصان للشمس. كما يُفضَّل رش النباتات بالبوتاسيوم والأحماض الأمينية لتعزيز مناعتها الداخلية ومساعدتها على مقاومة الجفاف.
وكانت الوزارة دعت المزارعين ومربي الثروة الحيوانية في بيان صحفي أول من أمس، بضرورة الالتزام بالإرشادات الزراعية والوقائية في موجات الحر الشديدة، حفاظاً على المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية، والحد من الأضرار الناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة.
وأكدت الوزارة، أهمية اتخاذ إجراءات لمواجهة آثار الموجة الحارة، مشددة على أهمية زيادة التهوية في البيوت البلاستيكية بفتح الأبواب وفتحات التهوية، واستخدام مواد التظليل للمساعدة بخفض درجات الحرارة.
ودعت لـ"تنظيم الري في ساعات الصباح الباكر أو المساء، وإجراء الري التكميلي للأشجار المثمرة، مع الاعتماد على تقنيات الري الحديثة التي تسهم في ترشيد استهلاك المياه وتقليل التبخر".
وأكدت الوزارة، ضرورة "تجنب رش المبيدات الكيماوية في ساعات الظهيرة، والاقتصار على الرش مساءً وعند الضرورة، لتفادي حدوث حروق للنبات وتضرر المحاصيل"، مشيرة لأهمية "تأجيل عمليات التطعيم والحد من التسميد أثناء موجات الحر، لما تسببه من إجهاد للنبات".
وفي هذا النطاق، دعا مدير عام الاتحاد العام للمزارعين الأردنيين محمود العوران، المزارعين ومربي الثروة الحيوانية إلى ضرورة الالتزام بالتعليمات والإرشادات السليمة للتعامل مع موجة الحر التي تؤثر على البلاد الموسم الحالي، وذلك لتقليل الآثار السلبية المحتملة.
وقال العوران في (بترا)، إن هذه الموجة هي الأولى التي تتعرض لها المملكة في الموسم الحالي، مؤكدا أن خبرة المزارع الأردني وتعامله السابق مع ظروف جوية مماثلة، إلى جانب التزامه بالتوصيات الصادرة عن الاتحاد والجهات المعنية، كفيل بتجاوز أثر هذه الموجة والتخفيف من حدتها على المزروعات والمواشي.
وأوضح أن الاتحاد يدعو مربي المواشي لتجنب إخراجها إلى المراعي ساعات الظهيرة، والاقتصار على ساعات الصباح الباكر والمساء المتأخر، مع إبقاء صغار المواليد داخل أماكن مظللة ومحمية وعدم خروجها نهائيا، بالإضافة إلى تأمين الظل الكافي للمواشي عند عودتها من الرعي، وتوفير مياه الشرب باستمرار وإعطاء الفيتامينات اللازمة لمقاومة الإجهاد الحراري.
وحول قطاع الدواجن، شدد على أهمية التأكد من تهوية "البراكسات" بخاصة البيوت المفتوحة، وتأمين المياه الباردة للحفاظ على معدلات التحويل العلفي لدى دواجن اللحم والبياض، داعيا لطلاء الأسقف المعدنية "الزينكو" باللون الأبيض، ليعكس أشعة الشمس ويقلل من درجات الحرارة الداخلية.
وبشأن الأسماك والنحل، دعا للاستمرار بتجديد مياه الأحواض السمكية وزيادة ضخها وتظليلها إن أمكن، إلى جانب توفير مياه الشرب للنحل ووضع الخلايا في أماكن مظللة.
وعلى صعيد الثروة النباتية، حث العوران المزارعين على زيادة كميات المياه المتاحة للري، وأن تقتصر عمليات الري على ساعات الصباح الباكر أو المساء، مع التنبيه على عدم الري إطلاقا في ساعات الظهيرة تجنبا لتبخر المياه وإجهاد النبات.
كما أكد ضرورة التوقف التام عن استخدام الأسمدة النيتروجينية، وإيقاف عمليات التسميد والتقليم لحين انتهاء موجة الحر، داعيا المزارعين لرش الأحماض الأمينية، وإضافة عنصر "البوتاس" لمساعدة النباتات على تحمل الإجهاد الحراري، وتجنب رش المبيدات والأسمدة الورقية خلال ساعات الحرارة المرتفعة مع ضرورة إجرائها في ساعات المساء أو عند الغروب.
وفي ختام تصريحه، حذر العوران المزارعين ومربي الثروة الحيوانية والنباتية من نشاط الزواحف كالأفاعي والحشرات الضارة والسامة في فترة ارتفاع درجات الحرارة، داعيا لأخذ الحيطة والحذر، متمنيا السلامة للجميع وللقطاع الزراعي في المملكة.