الأسرة الأردنية.. تنظيم الخيارات وسط ظروف ضاغطة
%93 من شباب الفئة 25–29 عاما دون زواج
الغد-هديل غبّون
يكشف استطلاع مستقبل السكان في الأردن (2025–2026)، أن التحدي المرتبط بالزواج وتكوين الأسرة لدى الشباب في الأردن يرتبط بصورة رئيسية بالظروف الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمتها صعوبة الوصول إلى عمل لائق ومستقر يوفر لهم القدرة على التخطيط للمستقبل وتحمل مسؤوليات الحياة الأسرية، في وقت ما تزال فيه الأسرة حاضرة ضمن تطلعات الشباب، ما يجعل تحسين فرص العمل وتعزيز الاستقرار الاقتصادي محوراً أساسياً في مواجهة التحولات السكانية والاجتماعية التي يشهدها المجتمع.
وتضع نتائج الاستطلاع، التي عرضها رئيس المجلس الأعلى للسكان الدكتور عيسى مصاروة خلال احتفال منظمة الأمم المتحدة للسكان بمرور 50 عاماً على شراكتها مع الأردن مؤخرا، العمل اللائق في صدارة القضايا المرتبطة باستقرار الشباب، باعتباره لا يمثل مجرد فرصة للحصول على دخل، بل يشكل أساساً للأمان الاقتصادي والاجتماعي الذي يسمح للشباب بالتخطيط للمستقبل وبناء الأسرة.
الظروف الاقتصادية تعيد تشكيل القرارات
تظهر نتائج الاستطلاع أن تراجع الإقبال على الزواج لا يعكس بالضرورة تغيراً في رغبة الشباب بتكوين الأسرة، بل يرتبط بدرجة كبيرة بالعوائق التي تواجههم في مرحلة الانتقال إلى الحياة الأسرية، وعلى رأسها ضعف فرص العمل، وعدم استقرار الدخل، وارتفاع تكاليف تأسيس الأسرة.
وتشير النتائج إلى أن الأمن الاقتصادي والصحة يحتلان موقعاً متقدماً في سلم أولويات الشباب، إذ أجمع نحو 90 % من المشاركين على أن الاستقرار المالي والتمتع بصحة جيدة يمثلان أهم أهداف الحياة وبناء المستقبل.
وفي المقابل، بقيت الأسرة حاضرة باعتبارها قيمة أساسية في تطلعات الشباب؛ إذ رأى 80 % من المشاركين أن السعادة والفرح اللذين يجلبهما الأطفال يمثلان الدافع الأهم للإنجاب، كما ظل الزواج الخيار المفضل لدى أكثر من ثلثي المشاركين باعتباره نمط الحياة المرغوب.
وتشير هذه المؤشرات إلى فجوة بين الرغبة في بناء الأسرة وبين القدرة العملية على تحقيقها، إذ تتحول الظروف الاقتصادية من عامل مساعد إلى عامل مؤثر في توقيت الزواج وعدد الأطفال وخيارات التخطيط للحياة الأسرية.
العمل اللائق
يتجاوز مفهوم الوظيفة
يرى المجلس الأعلى للسكان، أن معالجة تحديات الشباب لا تتطلب التركيز على توفير فرص عمل فقط، بل على طبيعة هذه الفرص ومدى قدرتها على تحقيق الاستقرار. فالعمل اللائق، وفق هذا التصور، يرتبط بدخل مناسب، واستقرار وظيفي، وحماية اجتماعية، وبيئة عمل آمنة.
ومن هذا المنطلق، فإن غياب الاستقرار في سوق العمل، وانتشار أنماط العمل غير المنظم، وضعف الحماية التأمينية، تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الشباب على الانتقال إلى مرحلة تأسيس الأسرة، لأن الوظيفة بالنسبة للشاب لا تمثل مصدراً مالياً فحسب، بل ترتبط بالشعور بالاستقلال والقدرة على تحمل المسؤوليات.
ويؤكد المجلس أن الاستثمار في العمل اللائق للشباب يمثل جزءاً من الاستجابة للتحديات السكانية، إذ إن تمكين الشباب اقتصادياً يمنحهم قدرة أكبر على اتخاذ قرارات مستقلة بشأن الزواج والإنجاب، ويعزز مشاركتهم في التنمية باعتبارهم قاعدة المجتمع ومستقبله.
استطلاع عالمي
يرصد مستقبل الأسرة
واستند استطلاع مستقبل السكان (2025–2026) إلى آراء أكثر من 108 آلاف شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و39 عاماً في 73 دولة، بهدف فهم تطلعاتهم المتعلقة ببناء الأسرة ومستقبلهم الشخصي في ظل التحولات العالمية المتسارعة.
ويأتي الاستطلاع في سياق نقاش عالمي متزايد حول التحولات الديموغرافية، والحقوق الإنجابية، والتنمية المستدامة، بما يوفر قاعدة بيانات تساعد على صياغة سياسات قائمة على الأدلة.
ورغم أن نحو ثلثي المشاركين أبدوا تفاؤلا تجاه مستقبلهم ومسارات حياتهم، فإن هذا التفاؤل ظل مرتبطاً بمخاوف تتعلق بالنزاعات، وغياب الأمن الاقتصادي، واتساع مظاهر عدم المساواة.
الأردن واستثمار
الطاقة الشبابية
ما يزال الأردن مجتمعاً فتياً، إذ تفوق أعداد المواليد أعداد الوفيات بستة أضعاف، نتيجة التركيبة العمرية الشابة واستمرار تأثير معدلات الإنجاب السابقة.
وتبلغ نسبة السكان الذين تزيد أعمارهم على 65 عاماً نحو 3.7% فقط من إجمالي السكان، مقارنة بأكثر من 22 % في دول الاتحاد الأوروبي، ما يعكس اختلافاً واضحاً بين الأردن والمجتمعات التي دخلت مراحل متقدمة من الشيخوخة السكانية.
كما يشكل الأطفال دون سن 15 عاماً نحو ثلث المجتمع الأردني، أي ما يقارب 4 ملايين طفل، فيما تبلغ نسبة الشباب بين 15 و29 عاماً نحو 29 % من السكان، بما يعادل حوالي 3.5 مليون نسمة.
وتشير هذه التركيبة إلى فرصة ديموغرافية كبيرة، لكنها في الوقت ذاته تمثل تحدياً يتطلب سياسات قادرة على تحويل الكتلة الشبابية إلى قوة إنتاجية من خلال التعليم والعمل والحماية الاجتماعية.
وتظهر البيانات تسجيل نحو 3.3 مليون مولود أردني بين عامي 2010 و2025، بمتوسط سنوي تجاوز 200 ألف مولود، فيما يؤكد المجلس الأعلى للسكان أن التحولات الديموغرافية لا تحدث بشكل فوري، إذ تستمر آثار التركيبة العمرية عبر أجيال.
تراجع الزواج
رغم حجم الفئة الشبابية في الأردن، تظهر البيانات الرسمية انخفاضاً في أعداد حالات الزواج المسجلة خلال السنوات الأخيرة.
فبعد تسجيل 81.373 حالة زواج عام 2015، تراجعت الأعداد إلى 70.734 حالة عام 2018، و67.696 حالة عام 2019، و67.389 حالة عام 2020، وارتفعت الحالات مؤقتاً عام 2021 إلى 75.360 حالة بعد تداعيات جائحة كورونا، قبل أن تنخفض مجدداً إلى 63.834 حالة عام 2022، و59.635 حالة عام 2023، ثم ترتفع بشكل محدود إلى 62.970 حالة عام 2024.
ويشير التحليل إلى وجود نحو 400 ألف شاب أردني في الفئة العمرية بين 25 و39 عاماً لم يسبق لهم الزواج، وأن تفسير ذلك لا يرتبط فقط بالتغيرات الاجتماعية أو وسائل التواصل، بل يرتبط بدرجة أكبر بالقدرة الاقتصادية على تأسيس الأسرة.
البطالة تؤجل قرار الزواج
تظهر بيانات سوق العمل ارتباطاً واضحاً بين التعطل عن العمل وتأخر الزواج، إذ ما يزال الاستقرار الاقتصادي عاملاً رئيسياً في قبول المجتمع لفكرة تأسيس الأسرة.
ووفق بيانات مسح قوة العمل لعام 2025، تبلغ نسبة العزوبية بين الذكور المتعطلين عن العمل 100 % للفئة العمرية 15–19 عاماً، و99 % للفئة 20–24 عاماً، و93 % للفئة 25–29 عاماً، و65 % للفئة 30–39 عاماً.
أما بين الإناث المتعطلات عن العمل، فتبلغ نسبة العزوبية 94 % للفئة 15–19 عاماً، و93 % للفئة 20–24 عاماً، و77 % للفئة 25–29 عاماً، و46 % للفئة 30–39 عاماً.
وتعكس هذه المؤشرات تأثير مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها انخفاض الأجور مقارنة بتكاليف المعيشة، وارتفاع تكلفة التعليم وتأخر الدخول إلى سوق العمل، وانتشار العمالة غير الرسمية، إلى جانب ضعف الحماية الاجتماعية.
كما تشير البيانات إلى أن نسبة التهرب التأميني في المنشآت بلغت 23 %، ما يحد من شمول العاملين بمظلة الحماية الاجتماعية ويزيد من شعور عدم الاستقرار الوظيفي.
الأسرة تعيد تنظيم خياراتها
تشير البيانات إلى تغيرات واضحة في أنماط الإنجاب في الأردن، إذ انخفض معدل المواليد المكتمل لدى المرأة الأردنية في الفئة العمرية 45–49 عاماً من 8.8 مولود عام 1976 إلى 4.2 مولود عام 2023.
وتظهر تقديرات عام 2025 أن معدل الإنجاب المتوقع لجميع النساء يبلغ 2.3 مولود، بينما يرتفع إلى 4.9 مولود لدى النساء المتزوجات، ما يعكس ارتباط الإنجاب بدرجة كبيرة بنسبة الزواج.
وفيما يتعلق بتنظيم الأسرة، أظهر مسح السكان والصحة الأسرية لعام 2023 أن 81 % من الولادات كان مخططاً لها وتمت في الوقت المرغوب، بينما كانت 10 % مخططاً لها لكن في وقت أبكر من المرغوب، و9 % غير مخطط لها.
كما تراجعت نسبة استخدام الوسائل الحديثة لتنظيم الأسرة من 42.3 % عام 2012 إلى 38.4 % عام 2023، مقابل ارتفاع استخدام الوسائل التقليدية من 18.9 % إلى 21.7 %.
وتشير التقديرات إلى وجود حاجة غير ملباة لدى نحو 33 % من الأزواج لاستخدام وسيلة تنظيم أسرة فعالة وحديثة، فيما يبلغ عدد النساء والفتيات في سن الإنجاب نحو 2.9 مليون.
الشباب في قلب
الاستجابة السكانية
تتزامن هذه النتائج مع توجهات الإستراتيجية الوطنية للشباب (2026–2030)، التي تقوم رؤيتها على بناء جيل من الشباب "منتمين ومنتجين ومؤثرين يسهمون في بناء مستقبل مستدام للأردن".
ويؤكد المجلس الأعلى للسكان أن تمكين الشباب لا يبدأ فقط من خلال إشراكهم في مواقع صنع القرار، وإنما عبر الاستماع إلى احتياجاتهم ومعالجة التحديات التي تواجههم في التعليم والعمل وتكوين الأسرة.
وتخلص القراءة العامة للبيانات إلى أن مستقبل الأسرة الأردنية يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة المجتمع على توفير شروط الاستقرار للشباب. فكلما تحسنت فرص العمل اللائق، وتعززت الحماية الاجتماعية، أصبح الشباب أكثر قدرة على اتخاذ قراراتهم المتعلقة بالزواج والإنجاب ضمن ظروف أكثر استقراراً، بما يدعم التوازن الديموغرافي والتنمية المستدامة.