الدستور
بات دمج الاقتصاد غير الرسمي بالاقتصاد الوطني خيارا استراتيجيا ملحا، لما له من آثار تمتد إلى ما هو أبعد من استدامة المالية العامة، لتشمل جودة سوق العمل وتنافسية بيئة الأعمال.
والاقتصاد غير الرسمي يمثل مجموع الأنشطة الاقتصادية التي يمارسها أفراد أو مؤسسات صغيرة، وتنتج سلعا أو خدمات مشروعة، لكنها لا تخضع للتسجيل والرقابة والتنظيم أو الضرائب من الجهات الرسمية.
وأكد خبراء اقتصاديون، أن الاقتصاد غير الرسمي لم يعد ظاهرة هامشية، بل غدا مكونا مؤثرا في النشاط الاقتصادي، يقيد القدرة على تحقيق نمو شامل، ويضعف تحقيق العدالة الضريبية، الأمر الذي يجعل استمرار توسع الاقتصاد غير الرسمي له انعكاس سلبي على الإيرادات الحكومية، وجودة فرص العمل، ومستويات الحماية الاجتماعية، فضلا عن تأثيره على المنافسة بين المنشآت والإنتاجية الكلية.
وقال أستاذ الاقتصاد بجامعة اليرموك سابقا الدكتور عبد الرزاق بني هاني، إن الاقتصاد غير الرسمي «غير المنظم» يمثل تحديا استراتيجيا أمام الاقتصاد الوطني، لا يقتصر على استدامة المالية العامة فحسب، بل يمتد ليشمل تحسين جودة سوق العمل، وضمان حماية اجتماعية عادلة، وتعزيز بيئة أعمال نظامية تنافسية.
وأوضح أن القطاع يتسم بانتشاره الواسع، وارتفاع نسبة العاملين فيه، إلى جانب ضعف قواعد الضبط الضريبي والاجتماعي، الأمر الذي يؤدي إلى استنزاف موارد الدولة والحد من قدرة السياسات الاقتصادية على تحقيق النمو الشامل.
وأشار إلى أن توسع القطاع يؤدي إلى تراجع إيرادات الضرائب غير المباشرة والمباشرة، حيث تعمل العديد من المشاريع الصغيرة دون تسجيل ضريبي سليم، ما يقلل من القاعدة الضريبية، ويزيد من الضغوط على المالية العامة، لافتا إلى أن الفاقد الضريبي غير المحصل قد يصل إلى مبالغ كبيرة سنويا.
وقالت المديرة التنفيذية لمنتدى الاستراتيجيات الأردني نسرين بركات، إن حجم الاقتصاد غير المنظم في الأردن لم يعد ظاهرة هامشية، بل بات مكونا واسع التأثير في بنية الاقتصاد الوطني وسوق العمل، لما يحمله من تداعيات مباشرة على المالية العامة، وعدالة المنافسة، وكفاءة السياسات الاقتصادية والتشغيلية.
وأضافت، إن تقديرات المنتدى تشير إلى ارتفاع نسبة العمالة غير الرسمية من إجمالي المشتغلين في المملكة، ما يعكس اتساع نطاق النشاط الاقتصادي خارج الأطر التنظيمية والضريبية والحماية الاجتماعية.
وبينت أن هذا الحجم الكبير للاقتصاد غير المنظم يخلف آثارا متعددة على الاقتصاد الوطني، حيث إن شريحة واسعة من العاملين خارج الاقتصاد الرسمي لا تسهم بصورة فعالة في رفد الإيرادات العامة، نظرا لعدم خضوعها لضريبة الدخل أو لمساهمات الضمان الاجتماعي، في الوقت الذي تستفيد فيه من الدعم غير المباشر على السلع والخدمات الأساسية.
بدوره، قال الباحث الاقتصادي الدكتور أحمد المجالي، إن الاقتصاد غير المنظم يحدث أثرا واسعا على الاقتصاد الوطني عبر قنوات الإنتاجية والمالية العامة وهيكل السوق، وليس فقط عبر التشغيل.
وأضاف، إنه وعلى مستوى النمو والإنتاجية، يميل النشاط غير المنظم إلى التركز في منشآت صغيرة منخفضة رأس المال والتكنولوجيا، فتتراجع إنتاجية العمل وتتسع فجوة الإنتاجية بين القطاعات/المنشآت، ويترسخ نمط نمو قائم على التوسع الأفقي بدل التراكم الرأسمالي والابتكار.
ومن الناحية الاجتماعية، أكد المجالي أن غياب التغطية التأمينية والتقاعدية يزيد هشاشة الدخل ويميل إلى تعميق عدم المساواة، لأن الصدمات تنقل مباشرة إلى الأسر دون آليات امتصاص مؤسسية.
من جانبه، أكد أستاذ الاقتصاد في جامعة اليرموك الدكتور عبد الباسط عثامنة، أن الاقتصاد غير المنظم يشكل أحد أبرز التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصادات الوطنية، ولا سيما في الدول النامية.
وقال إن الاقتصاد غير المنظم يتمثل بأنشطة اقتصادية مشروعة من حيث طبيعتها، لكنها تعمل في الغالب خارج الإطار القانوني والتنظيمي للدولة، حيث لا تسجل رسميا ولا تخضع للضرائب أو أنظمة العمل والضمان الاجتماعي والرقابة الحكومية، مؤكدا أن حجم أثره على الاقتصاد الوطني كبيرا وعميقا، إذ يمتد إلى المالية العامة، وسوق العمل، وبيئة الأعمال، ومعدلات النمو والاستقرار الاقتصادي.«بترا».