"المؤشر المناخي".. كيف يسهم بتعزيز الأمن الغذائي وحماية المزارع؟
الغد-عبدالله الربيحات
في عالم يتغير مناخه أسرع من قدرة الحكومات على اللحاق به، ظهرت خلال العقدين الماضيين أداة مالية غيرت طريقة تفكير الدول في حماية مزارعيها "التأمين الزراعي القائم على المؤشر المناخي"
فالفكرة بسيطة رغم اسمها التقني، التأمين التقليدي يرسل خبيرا إلى المزرعة بعد الكارثة ليقدّر الضرر بعينه، وهي عملية بطيئة ومكلفة وقابلة للنزاع في كل تفصيلة، أما التأمين بالمؤشر فيقلب المعادلة: يربط التعويض ببيانات موضوعية لا خلاف عليها، من كمية الأمطار المسجلة في المحطات، إلى درجات الحرارة، إلى مؤشرات الجفاف، إلى صور الأقمار الصناعية للغطاء النباتي.
فإذا انخفض الهطول في منطقة ما عن حد متفق عليه سلفاً، أو تجاوز الجفاف مستوى محدداً، أو تدهور الغطاء النباتي دون عتبة معلنة، انطلق التعويض تلقائياً إلى حسابات المزارعين المشتركين؛ بلا لجان كشف، وبلا طوابير انتظار، وبلا اجتهادات متفاوتة.
مزايا هذا النظام جعلته الخيار المفضل للدول التي تواجه تغيراً مناخياً متسارعاً: سرعة تعويض تقاس بالأسابيع لا بالمواسم، وبيروقراطية أقل، وشفافية كاملة لأن المؤشر معلن للجميع ويستطيع المزارع نفسه متابعته، وقابلية لإشراك شركات التأمين وإعادة التأمين والقطاع الخاص في تحمل المخاطر بدلاً من تحميلها كلها للخزينة العامة، والأهم أنه يعالج تحديداً الخطر الذي تعجز أدوات التعويض التقليدية عن التعامل معه الجفاف، فالجفاف ليس حدثاً لحظياً تعاينه لجنة، بل نزيف بطيء يمتد شهوراً، ولا يمكن قياسه إلا بالبيانات التراكمية التي يقوم عليها التأمين بالمؤشر.
فالأمن الغذائي يبدأ من حماية من يزرع الأرض، ولا يمكن بناء قطاع زراعي مرن بمزارع يتحمل المخاطر وحده، فالتأمين بالمؤشر المناخي ليس ترفاً تقنياً، بل هو الجسر بين مناخ تغير وأدوات بقيت على حالها.
والسؤال المطروح على صناع القرار اليوم هل نملك كلفة إطلاق هذه المنظومة؟ بل: هل نحتمل كلفة الاستمرار بدونها؟ فالأغوار التي تحترق مرتين لن تنتظر طويلاً من يطفئ الحريق الثاني.
المزارع يعيش تحت الضغط
من جهته بين خبير الأمن الغذائي د.فاضل الزعبي، أن كل من يزور غور الأردن يعود إلى بيته ويتغنى بجمال ما رأته عيناه سهول خضراء تمتد على مرمى البصر، وبيوت بلاستيكية تلمع تحت الشمس، وأشجار حمضيات وموز ونخيل تسر الناظرين، لكن خلف هذا الجمال قصة أخرى لا يراها الزائر العابر: قصة مزارع يعيش تحت ضغط الخوف من الصقيع والجفاف والحرائق وشح المياه، يبدأ نهاره قبل الفجر ولا يعرف إن كان موسمه سيصل إلى السوق أم سيذهب في ليلة واحدة.
وأضاف، من العدسية والباقورة شمالاً، مروراً بالشونة الشمالية والمنشية ووقاص والمشارع ووادي اليابس وكريمة، وصولاً إلى الأغوار الوسطى والجنوبية، تمتد السلة الغذائية للأردن. هذا الشريط الضيق المنخفض عن سطح البحر يمنح المملكة ميزة زراعية نادرة في الإقليم: خضاراً مبكرة، وحمضيات تغطي حاجة السوق المحلي ويذهب فائضها إلى التصدير، وعشرات آلاف الأسر التي تعتمد على الزراعة مصدراً رئيسياً للدخل، يعيل كل دونم منتج فيها سلسلة كاملة من العمال والناقلين وتجار المدخلات وأسواق الجملة.
وقال، إن حرائق الصيف في الغور هي المثال الأوضح على هشاشة هذه المنظومة، ففي كل موجة حر تلتهم النيران مساحات من الأراضي الزراعية، وبعضها في مناطق حدودية يصعب الوصول إليها، فيخسر المزارع أشجاراً أنفق عليها سنوات، ثم يكتشف أن لا وثيقة تأمين تحميه ولا آلية تعويض تعيده إلى الإنتاج.
وأشار أن الأغوار تحترق مرتين في كل موسم: مرة بفعل المناخ القاسي، من موجات الحر والجفاف والصقيع وشح مياه الري، ومرة بسبب غياب أدوات فعالة لنقل المخاطر وتعويض المزارعين عند وقوع الكارثة، فالحريق الأول قدر جغرافي، أما الثاني فصناعة مؤسسية يمكن، بل يجب، إطفاؤها.
وزاد فإن المخاطر تتسارع أمام أعيننا، الموسم المطري 2025/2024 كان من أشد المواسم جفافاً في الذاكرة القريبة، ثم جاء موسم 2026/2025 أفضل في مجموع الهطول، لكنه كشف نمطاً أشد خطورة: فترات جفاف طويلة تقطعها أمطار غزيرة مفاجئة، أي تذبذب لا يستطيع مزارع أن يخطط على أساسه، الحمضيات تتراجع إنتاجيتها مع كل موجة حر، والخضار المكشوفة يتلفها الصقيع الشتوي، والأشجار المثمرة تجهد تحت عطش متكرر، يضاف إلى ذلك ارتفاع كلفة الإنتاج، من البذور والأسمدة والطاقة إلى أجور الأيدي العاملة، في وقت تتآكل فيه قدرة المزارع على تحمل أي خسارة إضافية.
وتابع، المشكلة الحقيقية ليست في وقوع الكارثة، بل في أن المزارع حين يخسر موسمه لا يجد منظومة مؤسسية تعيده إلى دورة الإنتاج، فالبنوك تتحفظ على إقراض قطاع مكشوف على المخاطر، وشركات التأمين التجارية تكاد تكون غائبة عن الزراعة، والتعويضات الحكومية، حين تأتي، تأتي متأخرة وجزئية، والنتيجة أن كل موجة صقيع أو جفاف تدفع مزارعين جدد إلى ترك الأرض، وتدفع أبناءهم إلى صفوف الباحثين عن عمل.
وقال الزعبي إن صندوق إدارة المخاطر الزراعية أنشئ قبل أكثر من عقد ونصف، وظل سنوات طويلة إطاراً قانونياً بلا تفعيل حقيقي، قبل أن يبدأ فعلياً بتعويض أضرار الصقيع. ومؤخراً أعيدت هيكلته بقانون جديد يوسع مظلة التغطية ويرفع نسب التعويض، وهي خطوة تستحق التسجيل، لكن الإنصاف يقتضي طرح الأسئلة الجوهرية: هل صُمم الصندوق لطبيعة المخاطر المناخية الجديدة أم لكوارث الأمس؟ الصندوق في جوهره أداة استجابة بعد وقوع الضرر: تقع الكارثة، فتتشكل اللجان، فتُقدَّر الأضرار، فتُصرف تعويضات جزئية، هذا نموذج "الإطفاء بعد الحريق"، لا نموذج الوقاية ونقل المخاطر، وهل يتناسب التمويل المتاح مع حجم القطاع؟ تعويض بضع مئات من المزارعين بمئات آلاف الدنانير بعد منخفض جوي واحد يكشف الفجوة بين حجم الأداة وحجم الخطر. وهل إجراءات إثبات الضرر سريعة وعادلة من وجهة نظر المزارع؟ من يسأل مزارعي الأغوار يسمع شكوى متكررة من طول انتظار لجان الكشف وتفاوت التقديرات وتعويضات لا تغطي كلفة الإنتاج فضلاً عن الخسارة. والأهم: هل يغطي الصندوق خطر الجفاف تغطية حقيقية، أم يركز على كوارث محددة قابلة للمعاينة؟
وأضاف أن الهدف هنا ليس انتقاد مؤسسة بعينها؛ فالعاملون في الصندوق يديرون أداة بحدود ما أتيح لها من تصميم وتمويل. الهدف هو الاعتراف بأن النموذج نفسه استنفد قدرته، والمطلوب منظومة أكثر استدامة، يكون التأمين بالمؤشر المناخي عمودها الفقري، وتحمي المزارع والاقتصاد الوطني معاً.
وبين، لسنا مطالبين باختراع العجلة، فالمغرب طور منذ سنوات برنامج التأمين الفلاحي المتعدد المخاطر المناخية، الذي يغطي نحو مليون هكتار من الحبوب والبقوليات، وجعل الجفاف، وهو الخطر الأكبر على الزراعة المغربية، في صلب التغطية، مع دعم حكومي مباشر لأقساط التأمين شجع مئات آلاف المزارعين على الانخراط، وكينيا ذهبت أبعد مع صغار المزارعين والرعاة، عبر برامج تأمين بالمؤشر تعتمد صور الأقمار الصناعية ومؤشرات الغطاء النباتي؛ فحين تشير البيانات إلى تدهور المراعي، تصل التعويضات إلى الرعاة قبل أن تنفق قطعانهم، وقد رُبطت هذه البرامج ببرامج الأمن الغذائي والحماية الاجتماعية.
وتابع، الدرس المشترك للأردن واضح: الدولة تدعم القسط ولا تحتكر النظام، والقطاع الخاص يتحمل جزءاً من الخطر، والبيانات المستقلة تحل محل الاجتهاد، وصغير المزارعين هو محور التصميم لا هامشه.
وقال إن حماية الأغوار، والزراعة كلها، لم تعد قضية قطاعية تخص وزارة واحدة، بل قضية أمن غذائي واجتماعي واقتصادي، فالمزارع الذي يخسر موسمه لا يخسر دخله فقط؛ تتأثر أسرته، ويتوقف عمال مزرعته، وترتبك سلاسل الغذاء وصولاً إلى مائدة المستهلك في عمان وإربد والكرك، وحين تتكرر الخسارة بلا حماية، يصبح ترك الأرض قراراً عقلانياً من وجهة نظر المزارع، وخسارة استراتيجية من وجهة نظر الدولة، مبينا أمر المطلوب هو الانتقال من سياسة "الفزعة" بعد وقوع الضرر إلى التخطيط الوقائي؛ فالمزارع لا يحتاج إلى تعويض بعد الخسارة فقط، بل يحتاج إلى مظلة أمان قبل وقوع الكارثة.
ودعا الزعبي إلى إطلاق برنامج وطني للتأمين الزراعي المناخي يبدأ تجريبياً بمحصولين أو ثلاثة في الأغوار ومناطق الحبوب البعلية، ويتوسع تدريجيا، وبناء شراكة مؤسسية تجمع وزارة الزراعة وصندوق المخاطر وشركات التأمين والبنوك والجامعات، فلا طرف يستطيع حمل هذا الملف وحده، وإنشاء قاعدة بيانات مناخية وزراعية وطنية مفتوحة، فلا تأمين بالمؤشر بلا مؤشر موثوق، وتوظيف الأقمار الصناعية لمراقبة الجفاف والحرائق والغطاء النباتي، ودعم حكومي لأقساط التأمين لصغار المزارعين، فتجارب العالم كلها تؤكد أن النظام لا يقلع دون هذا الدعم في سنواته الأولى، وإشراك ممثلي المزارعين الحقيقيين، من جمعيات ونقابات واتحادات، في تصميم المنتجات التأمينية لا في التصفيق لها بعد إطلاقها، ووضع خطة حماية خاصة للأغوار باعتبارها منطقة استراتيجية للأمن الغذائي، تدمج التأمين مع كفاءة الري والإنذار المبكر ومكافحة الحرائق.
المزارع يواجه مخاطر متزايدة
من جهته أكد وزير الزراعة الأسبق م.سعيد المصري، أن الحرائق التي شهدتها الأغوار، إلى جانب موجات الحر والجفاف والصقيع والفيضانات التي أصبحت أكثر تكراراً بفعل التغير المناخي، تؤكد أن التأمين الزراعي لم يعد خياراً أو برنامجاً لتعويض الخسائر، بل أصبح أحد المرتكزات الأساسية لحماية الأمن الغذائي واستدامة القطاع الزراعي.
وأضاف، إن المزارع بات يواجه مخاطر متزايدة تفوق قدرته على تحملها منفرداً، الأمر الذي يستوجب إيجاد منظومة وطنية متكاملة لإدارة المخاطر الزراعية تضمن استمرارية الإنتاج وتحافظ على دخول المزارعين وتحد من خروجهم من النشاط الزراعي بعد الكوارث الطبيعية.
وبين أن وجود نظام تأمين زراعي فاعل يعزز ثقة المستثمرين في القطاع الزراعي، ويسهل حصول المزارعين على التمويل، ويخفف في الوقت نفسه من الأعباء المالية التي تتحملها خزينة الدولة عند وقوع الكوارث، عبر الانتقال من سياسة التعويضات الطارئة إلى إدارة مؤسسية ومستدامة للمخاطر.
ودعا لتطوير نظام وطني للتأمين الزراعي يقوم على شراكة بين الحكومة وشركات التأمين وإعادة التأمين، ويستند إلى استخدام بيانات الأرصاد الجوية وتقنيات الاستشعار عن بعد لتقييم الأضرار بسرعة وشفافية، وربطه ببرامج التكيف مع التغير المناخي وإدارة الموارد المائية.
وقال إن الزراعة تدخل اليوم مرحلة جديدة من المخاطر المناخية، ولم يعد كافياً التركيز على زيادة الإنتاج وحدها، بل أصبح من الضروري حماية المنتج الزراعي نفسه، مؤكداً أن التأمين الزراعي يمثل استثمارا باستدامة الزراعة، وحمايةً للمزارع، وتعزيزاً للأمن الغذائي، ودعامةً من دعائم الأمن الاقتصادي والوطني.
صمام أمان حيوي
فيما قال الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. نبيل بني هاني، يشكل التأمين الزراعي الشامل في الوقت الراهن صمام أمان حيوياً وشبكة حماية وجودية للقطاع الزراعي في مواجهة التغيرات المناخية المتسارعة وحوادث حرائق الأغوار المتكررة.
وأضاف، إن امتصاص الصدمات المالية الناجمة عن الكوارث الطبيعية والأزمات الجوية الشديدة يُحوّل الخسائر الكارثية إلى استجابة قابلة للإدارة، ما يحمي المساحات المكشوفة والحديثة ويعزز الملاءة المالية للمزارعين أمام مؤسسات الإقراض والائتمان.
وبين إن الأثر الحقيقي للتأمين يكمن في حماية المزارع من شبح الإفلاس والتراكم المتزايد للديون عند فقدان رأس المال التشغيلي، مما يضمن تعويضاً سريعاً لإعادة صيانة شبكات الري والبيوت البلاستيكية واستئناف الإنتاج. كما يسهم التأمين في تحقيق الاستقرار الاجتماعي والمعيشي للأسر الزراعية، ويمنح المزارعين القدرة والمناعة على التكيف مع الظروف المناخية القاسية وتبني تقنيات حديثة دون خوف من ضياع الاستثمار.
وقال، إن الانتقال نحو صندوق مخاطر زراعي مستدام يتطلب تحولاً هيكلياً يعتمد على نموذج تكافلي يساهم فيه المزارعون بنسبة محددة ترتبط بالمساحة المزروعة ونوع المحصول ودرجة خطورته، مبينا إن المباشرة بفرض مساهمات دورية متناسبة تضمن الديمومة المالية للصندوق للتعويض الفوري، وتحقق العدالة بين مختلف الحيازات، وتعزز مسؤولية الالتزام بإجراءات الوقاية والسلامة العامة للحد من وقوع الأضرار.
وبين، انه لضمان نجاح هذا النظام وعدم إثقال كاهل صغار المزارعين، يجب اعتماد نموذج تأميني مدعوم تغطي فيه الحكومة والمنح الدولية الجزء الأكبر من قيمة القسط التكافلي بنسب تصل
لـ 70 %، مع إقرار شرائح متدرجة تعفي أو تخفض التكاليف على المساحات الصغيرة، وتقديم حوافز وخصومات تشجيعية للمزارعين الملتزمين بمعايير السلامة وصيانة خطوط النار، لضمان استمرارية العطاء الزراعي وأمننا الغذائي.
التغيرات المناخية تفرض تحديات على الزراعة
بدوره قال الباحث والخبير بالشؤون الزراعية والتنموية م.سمير سليمان، أعادت حرائق الأغوار الأخيرة التأكيد على أن التغيرات المناخية لم تعد تحديًا مستقبليًا، بل أصبحت واقعًا يفرض تحديات متزايدة على القطاع الزراعي، فإلى جانب الحرائق، تواجه الزراعة موجات حر وصقيع وسيول ورياح شديدة، ما يزيد من حجم المخاطر التي تهدد المزارعين والإنتاج الزراعي، وتنعكس بصورة مباشرة على الأمن الغذائي.
وإضاف أن لا تقتصر خسائر هذه الكوارث على فقدان المحاصيل، بل تمتد إلى الأشجار المثمرة، وشبكات الري، والبيوت البلاستيكية، والمعدات الزراعية، ما يجعل تعافي المزارعين أكثر صعوبة، خاصة لصغار المنتجين الذين يعتمدون على الزراعة كمصدر رئيسي للدخل.
وقال، لذلك يبرز صندوق إدارة المخاطر الزراعية كأحد أهم الأدوات الوطنية لحماية القطاع الزراعي. إلا أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين الصندوق من أداء دور أكثر شمولًا، بحيث لا يقتصر على التعويض بعد وقوع الضرر، بل يقود منظومة وطنية متكاملة لإدارة المخاطر، تشمل الوقاية، والإنذار المبكر، وتقييم الأضرار، والإشراف على تطوير برامج التأمين الزراعي، بما يعزز قدرة القطاع الزراعي على مواجهة التحديات المناخية.
وزاد انه تستدعي المرحلة المقبلة مراجعة التشريعات الناظمة للصندوق، بما يمنحه الصلاحيات والمرونة اللازمة لتوسيع نطاق عمله، وتعزيز الشراكة مع الجهات الحكومية، وشركات التأمين، والمؤسسات البحثية، والاستفادة من التقنيات الحديثة في التنبؤ بالمخاطر، وبناء قواعد بيانات دقيقة، بما يسهم في سرعة الاستجابة، وعدالة التعويض، ورفع جاهزية القطاع الزراعي لمواجهة الأزمات.
وأكد إن تمكين صندوق إدارة المخاطر الزراعية ليس مجرد تطوير لمؤسسة قائمة، بل استثمار وطني في حماية المزارع، واستدامة الإنتاج، وتعزيز الأمن الغذائي، وفي ظل تسارع آثار التغير المناخي، أصبحت الحاجة ملحة لبناء منظومة متكاملة لإدارة المخاطر، يكون الصندوق ركيزتها الأساسية، ويشكل التأمين الزراعي أحد أهم أدواتها لضمان قطاع زراعي أكثر صمودًا واستدامة.
ركيزة أساسية لبقاء القطاع الزراعي
فيما بين الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. حسان العسوفي، أن التأمين الزراعي لم يعد مجرد أداة مالية تكميلية، بل بات ركيزة استراتيجية وحتمية لا غنى عنها لضمان البقاء الاقتصادي للقطاع الزراعي في مواجهة تقلبات المناخ العنيفة، إن صمود المزارع أمام الظواهر المناخية العديدة كالجفاف والفيضانات والارتفاع الحاد بدرجات الحرارة والحرائق المترتبة على دالك يتطلب شبكة أمان حقيقية، والتأمين يمثل خط الدفاع الأول الذي يحمي الاستثمارات الزراعية من الانهيار، ويمنح المزارعين الثقة المبدئية لتبني تقنيات الزراعة الذكية مناخياً دون الخوف من الإفلاس أو تراكم الديون."
وأضاف أن غياب هذه المظلة "التامين الزراعي" يهدد بهجرة الأراضي الزراعية وتراجع الإنتاج، ما يضع عبئاً ثقيلاً على ميزانيات الدول عبر زيادة الاستيراد؛ لذا يجب ألّا ينظر للقرارات المتعلقة بالتأمين الزراعي كمسؤولية فردية للمزارع، بل كشراكة استراتيجية ملزمة بين القطاعين العام والخاص لحماية.
وتابع، عالميا تبرز الأهمية السيادية للتأمين الزراعي في مواجهة الكوارث المناخية إذ أنه لم يعد التأمين الزراعي مجرد آلية تعويض مالية، بل أداة سيادية ملحة لحماية الأمن الغذائي؛ إذ تشير أحدث تقارير منظمة (الفاو) إلى أن الكوارث المناخية كبدت القطاع الزراعي العالمي خسائر هائلة بلغت 3.26 تريليون دولار على مدار العقود الثلاثة الماضية، بمعدل خسارة سنويه تقارب 99 مليار دولار، ما يمثل نحو 4 % من الناتج المحلي الإجمالي الزراعي العالمي.
وزاد: إن هذه الأرقام الصادمة تفرض على صناع القرار والسياسيين التوقف عن الاعتماد على ميزانيات الإغاثة الطارئة التي تستنزف خزينة الدولة بعد وقوع الكوارث، والتحول فوراً نحو بناء منظومة تأمين زراعي شاملة ومستدامة بالشراكة مع القطاع الخاص. مما يضمن استقرار سلاسل الإمداد ويحمي الاقتصادات الوطنية الزراعية.
وقال، إن على المزارعين فهم جيد لفلسفة التأمين كنهج حماية مدروس فنياً وماليا وليس للاعتماد الكلي كتعويض مالي فقط مما سيؤثر على سلاسل الإمداد والممارسات الزراعية السليمة.