منصات التواصل الاجتماعي.. كيف توظف معلومات المستخدمين اقتصاديا؟
الغد-إبراهيم المبيضين
بعد نهاية يومٍ حافل بالمهام والمشاغل، يلجأ أكثر الناس إلى طقسهم المعتاد؛ مستلقين في عتمة الغرفة، تضيء شاشات هواتفهم لتنعكس على أعينهم المتعبة.
وفيما يبدو المشهد طبيعيا، إذ يتنقل حامل الهاتف بين التطبيقات، ثم يتوقف لثوانٍ عند مقطع فيديو عابر، وقد يبتسم بحنين لصورة صديق قديم، أو يمنح "إعجابا" سريعا لوصفة طعام شهية، إلا أن هذه اللحظات التي تبدو شديدة الحميمية والخصوصية، خلف الشاشة المضيئة، ليست سوى خلايا وقود تغذي "مصانع البيانات" التي لا تنام؛ إذ تُترجم كل حركة عفوية إلى أرقام مرصودة، ومن رحم هذه الأنشطة الصامتة، يطل السؤال الأكثر إلحاحا: ماذا تعرف منصات التواصل الاجتماعي عن أدق تفاصيل حياتنا حقا؟
ووفقا لخبراء في الشأن التقني، فإن الإجابة تحمل صدمة غير متوقعة؛ إذ إن هذه المنصات التي تؤثر بشكل كبير اليوم على حياة أكثر من 5.7 مليار إنسان، لا تقف حدود معرفتها عند اسمك وعمرك وبريدك الإلكتروني؛ فهذه البيانات ليست سوى قشرة خارجية قدمتها أنت طواعية، تماما كالمؤشرات التقنية الأخرى، مثل نوع هاتفك وموقعك الجغرافي التقريبي.
والحقيقة الأكثر عمقا هي أن المنصات باتت تملك مفاتيح "سلوكك البشري"؛ فهي ترصد مخاوفك الكامنة في شريط البحث، والاهتمامات التي تمنحها جلّ وقتك، بل وتستنتج حالتك المزاجية والنفسية بدقة متناهية عبر تحليل أوقات استخدامك الممتدة، ووتيرة تنقلك السريع بين التطبيقات، والتي تستهلك من حياة المستخدم القياسي نحو ساعتين و21 دقيقة يوميا.
ويبين الخبراء أن هذا التتبع اللصيق يعكس نموذجا اقتصاديا معقدا يقوم على "الثالوث الرقمي": السلوك، والبيانات، والمال. فنحن، كبشر، نسعى للتواصل والتعلم ومشاركة تفاصيل حياتنا، فتحوّل المنصات هذا الشغف الإنساني إلى إشارات تحللها بدقة، لتعيد تصديرها إلينا في شكل محتوى مخصص يبقينا أسرى الشاشات، وإعلانات موجهة بعناية تغذي سوقا عالميا للإشهار الرقمي تخطى الإنفاق فيه حاجز الـ338 مليار دولار.
لقد تحولت تفاصيلنا البشرية الصغيرة إلى "المورد الاقتصادي" الأثمن في عصرنا الحالي.
وأوضح الخبراء أن منصات التواصل الاجتماعي تجمع من المستخدمين نوعين رئيسين من البيانات، اللذين يشكلان البصمة الرقمية المتكاملة للمستخدم، وتتجاوز هذه البيانات مجرد المعلومات الأساسية التي يدخلها بنفسه.
تشمل الفئة الأولى البيانات المباشرة والتقنية التي يقدمها المستخدم أو يفرضها تشغيل الخدمة، وتتضمن البيانات التعريفية كالاسم والعمر والبريد الإلكتروني ورقم الهاتف، بالإضافة إلى معلومات الملف الشخصي، مثل التعليم والعمل.
كما تندرج تحتها البيانات التقنية الحتمية، مثل نوع الجهاز، ونظام التشغيل، وعنوان الإنترنت (IP)، والموقع الجغرافي أو التقريبي للمستخدم.
أما الفئة الثانية، وفقا للخبراء، فتركز على بيانات السلوك والتفاعل الرقمي، وهي الأنشطة التي تتبعها المنصات بدقة لتحليل اهتمامات المستخدم. وتشمل هذه الفئة المحتوى والمنشورات ومقاطع الفيديو التي يتم نشرها أو مشاهدتها، والصفحات والحسابات التي تتم متابعتها، وعمليات البحث الداخلية، فضلا عن الإعلانات التي تتم مشاهدتها أو النقر عليها.
ويمتد هذا التتبع ليشمل شبكة العلاقات والاتصالات الرقمية، وأوقات ومدد الاستخدام، وصولا إلى استنتاج اهتمامات وخصائص دقيقة للمستخدم بناء على أنماط تفاعله اليومية.
وأكد الخبراء أن مواجهة التحديات والمخاطر الناجمة عن هذا التغول الرقمي لا تقتضي العزلة الفردية أو المقاطعة التامة لهذه المنصات، بل تستوجب تبني استراتيجية وقائية شاملة ترتكز، ابتداء، على رفع مستوى الوعي بالخصوصية الرقمية لدى الأفراد، والالتزام الصارم بممارسات الأمن السيبراني.
وفي المقابل، يتطلب الأمر حراكا مؤسسيا حازما لفرض أطر حوكمة متطورة وتنظيمات تشريعية صارمة من قبل الجهات التنظيمية، بما يضمن حماية البيانات الشخصية، ويصون حقوق الأفراد الأساسية داخل الفضاء الرقمي ضد أي انتهاك أو استغلال.
الخبير في مجال الأعمال الإلكترونية أ.د. أحمد غندور أكد أن منصات التواصل الاجتماعي غيّرت طريقة تواصلنا وعمل الشركات والاقتصاد الرقمي، لكنها في الوقت نفسه أنشأت نموذجا اقتصاديا يقوم بدرجة كبيرة على تحويل سلوك الإنسان إلى بيانات قابلة للتحليل والاستهداف التجاري.
وأوضح الغندور أن منصات التواصل الاجتماعي تجمع منا هذه البيانات لأنها تمثل أساس نموذجها التشغيلي والاقتصادي؛ فهي تحتاجها لمعرفة المحتوى الذي يناسب كل مستخدم، وترتيب ما يظهر أمامه، وتحسين الخدمات، واكتشاف الاحتيال، وقياس التفاعل، لكنها تستخدمها أيضا لبناء نماذج تتنبأ بالاهتمامات والسلوك، وتساعد المعلنين على الوصول إلى جماهير محددة.
لذلك، بحسب غندور، فالأدق ألا نقول إن المنصة تبيع بياناتنا بالضرورة، بل إن كثيرا من المنصات تبيع للمعلن القدرة على الوصول إلى انتباهنا واستهدافنا اعتمادا على ما تعرفه وتستنتجه عنا، وهذا يفسر لماذا أصبحت البيانات والانتباه والتنبؤ بالسلوك من أهم الأصول في اقتصاد منصات التواصل الاجتماعي.
وعن أهداف جمع البيانات من قبل هذه المنصات، أوضح الغندور قائلا: "إن الهدف لا يقتصر على معرفة المستخدم لمجرد المعرفة، ولكن البيانات تساعد المنصة على تحديد المحتوى الذي سيبقيك متفاعلا، ثم تساعدها على معرفة الإعلان الذي يُحتمل أن يستجيب له شخص مثلك. وكلما تحسنت قدرتها على التنبؤ بالسلوك، ارتفعت قيمة خدماتها الإعلانية".
وأضاف: "تقرير لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية عن شركات التواصل والفيديو وجد أن نموذج أعمال عدد من هذه الشركات يوفر حوافز لجمع كميات كبيرة من بيانات المستخدمين وتحويلها إلى قيمة اقتصادية، وخاصة من خلال الإعلانات المستهدفة".
وبين أن المخاطر هنا تشمل فقدان الخصوصية، والتتبع عبر المواقع والتطبيقات، وتسريب البيانات، وسرقة الهوية، والاحتيال، والتنميط، والاستهداف الدقيق، والمعلومات المضللة، وفقاعات المحتوى، والتلاعب بالانتباه. كما تظهر مخاطر خاصة بالأطفال والشباب، وقد خلص تقرير لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية (FTC) إلى وجود جمع واسع للبيانات وممارسات احتفاظ ومشاركة تثير مخاوف تتعلق بالخصوصية وحماية المستخدمين.
وقال خبير حوكمة البيانات د. حمزة العكاليك: "أصبحت البيانات الشخصية والسلوكية للمستخدمين هي السلعة الأساسية والمحرك الرئيس للربحية، وهي ضمن صناعة التواصل الاجتماعي الحديثة تقوم على ما يُعرف تقنيا بـ"اقتصاد الانتباه" (Attention Economy) وثقافة رأس مال المراقبة".
وأوضح العكاليك أن منصات التواصل الاجتماعي تجمع كميات هائلة ومستمرة من البيانات التي تتجاوز بكثير ما يقدمه المستخدم طوعا عند إنشاء حسابه، ويمكن تصنيف هذه البيانات تقنيا إلى الفئات التالية:
أولها، بيانات الهوية والبيانات الديموغرافية، مثل الاسم الكامل، والبريد الإلكتروني، ورقم الهاتف، وتاريخ الميلاد، والجنس، واللغات المتقنة، والمؤهلات التعليمية، وتاريخ العمل، والخبرات المهنية.
كما أنها تجمع بيانات السلوك والتفاعل، مثل المنشورات والمحتوى الذي يتم الإعجاب به أو التعليق عليه أو مشاركته، ومدة التوقف عند كل منشور أو مقطع فيديو (Watch Duration)، وسرعة التمرير (Scroll Speed)، وكلمات البحث الداخلية، والحسابات المستعرضة، والمنتجات المضافة إلى سلة التسوق.
وأشار العكاليك أيضا إلى أن هذه المنصات تجمع بيانات التتبع خارج المنصة، مثل سجل زيارات المواقع الأخرى والتطبيقات المستعملة عبر كود التتبع (Meta Pixel)، وملفات تعريف الارتباط (Cookies)، وحزم تطوير البرمجيات (SDKs) المدمجة في تطبيقات الشركات الأخرى، والبيانات الحساسة والمستنتجة، مثل التوجهات السياسية، والاهتمامات الدينية، والحالة النفسية والعاطفية المستنتجة من أنماط الكتابة، والبيانات البيومترية المأخوذة من خوارزميات التعرف على الوجوه في الصور ومقاطع الفيديو، وقوائم الاتصال المخزنة على الهاتف، والسجلات المالية، وأنماط الشراء.
وقال: "الأهداف التي تدفع الشركات المشغلة لمنصات التواصل الاجتماعي إلى جمع البيانات وتخزينها تتوزع بين أسباب تجارية وتقنية؛ أولها توليد الإيرادات عبر الإعلانات الموجهة، حيث يمثل بيع المساحات الإعلانية الموجهة بناء على السلوك والاهتمامات المصدر الرئيس لإنعاش نموذج أعمال هذه الشركات".
وأضاف العكاليك: "هذه المنصات تجمع البيانات أيضا بهدف تحسين خوارزميات التوصية والمشاركة، حيث تُستخدم البيانات لإطالة مدة استخدام المنصة عبر استعراض محتوى يتناسب بدقة مع تفضيلات المستخدم النفسية. كما أنها تجمع البيانات بهدف تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي (AI Models)، حيث تُستغل النصوص والصور والمقاطع لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي والنماذج التأسيسية لدى الشركات الكبرى، مثل Meta وByteDance، لإنشاء أدوات جديدة". وأشار إلى هدف آخر لجمع البيانات يتمثل في أمن المنصة واكتشاف الاحتيال، حيث تُستخدم بيانات الأجهزة والمواقع لرصد الحسابات الوهمية (Bots)، وتأمين الحسابات من عمليات الاختراق والتسلل.
وتتطلب حماية البيانات الشخصية والحد من المخاطر السيبرانية تبني إستراتيجية حماية متعددة المستويات تشمل الأفراد وأولياء الأمور والمؤسسات التنظيمية، وفقا للعكاليك، ومنها إجراءات حماية الخصوصية على المستوى الفردي، بتحديث إعدادات الخصوصية باستمرار، وإيقاف بروتوكولات التتبع الخارجي، وتعطيل أذونات الموقع الجغرافي والكاميرا، وتعزيز حماية الحسابات وإدارة كلمات المرور، والمراجعة والتنظيف الدوريان للحساب، وحذف المشاركات القديمة والتعليقات والتطبيقات المرتبطة بالحساب التي لم تعد مستعملة، للحد من الأثر الرقمي. وأكد العكاليك أهمية حماية بيانات الأطفال واليافعين بتفعيل أطر الرقابة الأبوية من خلال استخدام أدوات الإشراف العائلي المدمجة لإدارة أوقات الشاشة ومنع التتبع الإعلاني الموجّه إلى فئات القاصرين، والتوعية والتربية الرقمية بتعليم الأطفال عدم مشاركة الصور الشخصية أو بيانات الموقع الحقيقي، أو إجراء محادثات خاصة مع الغرباء عبر المنصات أو الألعاب الرقمية.
وبالنسبة إلى الأطر التنظيمية والتشريعية، أكد العكاليك أهمية الالتزام بقوانين حماية البيانات الشاملة، وفرض تشريعات صارمة، مثل قانون حماية البيانات الشخصية الأردني وقوانين الخصوصية الأخرى التي تنص على حق المستخدم في إزالة بياناته ومبدأ تقليل البيانات. وأشار في الوقت نفسه إلى أهمية فرض الشفافية في تدريب الذكاء الاصطناعي، من خلال إلزام منصات التواصل بالتفاوض للحصول على خيارات موافقة صريحة قبل استخدام بيانات ومحتوى المستخدمين لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية والتأسيسية، فضلا عن أهمية تبني مبدأ الخصوصية منذ التصميم (Privacy by Design)، وحث الشركات على تطوير البرمجيات بحيث تكون إعدادات الخصوصية المرتفعة هي الخيار الافتراضي لجميع المستخدمين عند التسجيل.
وقال الخبير في مجال التحول الرقمي وريادة الأعمال هاني البطش: "منصات التواصل الاجتماعي جزء أساسي من البنية الاقتصادية والاتصالية الحديثة، لكنها تعمل في الوقت نفسه ضمن اقتصاد قائم بدرجة كبيرة على البيانات؛ لذلك، فإن القضية ليست في استخدام هذه المنصات بحد ذاته، بل في تحقيق توازن بين الاستفادة من خدماتها وحماية الخصوصية والأمن الرقمي".
وأضاف البطش: "يمكن القول إن صناعة التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد صناعة للترفيه والتواصل، بل أصبحت جزءا من الاقتصاد الرقمي العالمي والبنية التحتية للمعلومات؛ فهي تربط الأفراد والمجتمعات، وتتيح الوصول السريع إلى الأخبار والمعرفة، كما أصبحت قناة رئيسة للشركات والمؤسسات للتواصل مع العملاء وتسويق المنتجات والخدمات".
لكن البطش بيّن أن هناك تحديات حقيقية، أبرزها الخصوصية، والإدمان الرقمي، وانتشار المعلومات المضللة، والاحتيال الإلكتروني، والاستقطاب، والمخاطر المرتبطة بجمع وتحليل البيانات الشخصية. وبالتالي، فإن التحدي اليوم ليس في رفض هذه المنصات، وإنما في استخدامها بصورة واعية ومسؤولة، مع وجود أطر تنظيمية واضحة لحماية المستخدمين.
وحول كيفية التعامل مع هذه المخاطر كأفراد، أوضح البطش أن أهم قاعدة هي أن نتعامل مع البيانات الشخصية باعتبارها أصلا رقميا له قيمة. ومن أهم الإجراءات: عدم نشر المعلومات الحساسة بشكل علني، وعدم مشاركة الوثائق الرسمية أو البيانات البنكية عبر المنصات، ومراجعة إعدادات الخصوصية بصورة دورية، وتقليل صلاحيات التطبيقات غير الضرورية، واستخدام كلمات مرور قوية وفريدة، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل، والحذر من الروابط والرسائل المشبوهة، والتفكير قبل نشر الموقع الجغرافي المباشر، وعدم الإفصاح عن تفاصيل السفر أو الحياة الشخصية بصورة قد تُستغل أمنيا، ومراجعة التطبيقات والمواقع المرتبطة بالحسابات. وأكد البطش أن حماية الخصوصية لم تعد مسؤولية فردية فقط، بل أصبحت مسؤولية مشتركة بين المستخدم والشركات التقنية والمؤسسات والجهات التنظيمية والحكومات.
وقال: "المطلوب مستقبلا هو بناء اقتصاد رقمي قائم على الثقة، إذ تستفيد المؤسسات من البيانات والذكاء الاصطناعي دون تحويل خصوصية الإنسان إلى ثمن إلزامي للحصول على الخدمات الرقمية".