وادي الأردن.. معاناة مستمرة وسكان يصارعون البقاء في صيف قاس
الغد-حابس العدوان
وادي الأردن – في الوقت الذي يبحث فيه سكان المدن الجبلية عن ظلال الأشجار أو نسمة هواء باردة، يخوض سكان وادي الغور معركة يومية شرسة مع الطبيعة. ففيما تنخفض الأرض إلى أعمق نقطة تحت مستوى سطح البحر، تتحول الجغرافيا في فصل الصيف إلى ما يشبه "الفرن الطبيعي" المغلق، إذ تلامس درجات الحرارة حاجز الـ45 درجة مئوية بدءا من الساعة العاشرة صباحا، لتصل أحيانا إلى 48 درجة مئوية.
صراع مع المراوح والمياه
يؤكد مواطنون وناشطون أنه، في ظل هذه المعطيات، تتغير ملامح الحياة تماما، وتصبح تفاصيل اليوم العادية عبئا ثقيلا يتطلب استراتيجيات بقاء استثنائية، قلما يستطيع السكان تطبيقها دون الخوض في معترك التحديات.
يقول الناشط الاجتماعي فايز الرقيدي: "تبدأ يوميات السكان هنا قبل شروق الشمس، فالاستيقاظ المبكر ليس خيارا، بل هو النافذة الزمنية الوحيدة المتاحة لإنجاز أي نشاط بدني قبل أن تصبح أشعة الشمس حارقة"، مضيفا: "في البيوت الإسمنتية، أو تلك التي بُني سقف الكثير منها من (الزينكو)، خصوصا في المناطق الأقل حظا، يتحول الهواء إلى جمر، والظل إلى ما يشبه الساونا".
ويؤكد أن المكيفات في مناطق الأغوار ليست رفاهية، بل جهاز إنعاش يساعد السكان على التأقلم مع الأجواء الحارة والاستثنائية خلال أشهر الصيف الحارقة، مستدركا: "لكن المشكلة الأكبر هي انقطاعات الكهرباء المتكررة بسبب الأحمال الزائدة، أو عدم قدرة العائلات ذات الدخل المحدود على تحمل الفواتير المرتفعة. في تلك اللحظات تتحول البيوت إلى سجون خانقة، ما يضطرنا إلى سكب المياه على الأرض وعلى أجساد أطفالنا لحمايتهم من ضربات الشمس".
ويوضح الرقيدي: "حتى المياه التي تتدفق من الصنابير غير منعشة، فهي تخرج ساخنة جدا لدرجة يصعب استخدامها مباشرة للاستحمام أو الغسيل، مما يضطر السكان إلى تخزينها في خزانات مظللة وتركها لتبرد لساعات طويلة"، آملا أن يتم النظر بعين الرحمة والاهتمام إلى السكان الذين يعيشون معاناة مضاعفة نتيجة ارتفاع درجات الحرارة والكلف المادية اللازمة للتكيف معها.
ويشير أولياء أمور إلى أن تزامن موجات الحر مع أشهر الدراسة يشكل معاناة حقيقية لأبنائهم الطلبة، سواء داخل مقاعد الدراسة أو خلال تقديم الامتحانات، إذ تتحول الغرف الصفية غير المجهزة بمكيفات كافية إلى بيئة طاردة للتعليم، ما يؤثر سلبا على تركيز الطلبة وتحصيلهم الدراسي، ويجعل من اليوم الدراسي رحلة معاناة يومية.
فاتورة اقتصادية باهظة
وينوه سكان إلى أن العيش في هذا اللهيب يفرض عليهم كلفا اقتصادية ترهق كاهل العائلات ذات الدخل المحدود، فالمياه لا تصل بانتظام، وإن وصلت تكون حرارتها قريبة من درجة الغليان، ما يدفع الأهالي إلى الاعتماد على الصهاريج الخاصة للتزود بالمياه كبديل مكلف للشرب والغسيل.
ويبين المواطن هداج العدوان أن الفاتورة لا تتوقف عند هذا الحد، بل يبرز "قالب الثلج" كسلعة استراتيجية يومية في البقالات المحلية، إذ تضطر الأسر إلى شراء قوالب الثلج لتبريد مياه الشرب، مما يحول تبريد كأس ماء إلى ميزانية إضافية تُقتطع من قوت يومهم، خصوصا في ظل الانقطاعات المتكررة للكهرباء، التي تعطل عمل المبردات خلال ساعات ذروة الحرارة.
ويقول: "مع حلول الظهيرة يدخل الغور في حالة من السبات القسري، إذ تخلو الشوارع تماما من المارة، وتغلق المحال التجارية أبوابها، لتتحول الأسواق التي كانت تعج بالحركة في الصباح الباكر إلى أسواق خاوية"، موضحا أن المعاناة في أسواق الخضار والمواد الغذائية تبدو مضاعفة، لأن الخضار والفواكه التي تشتهر الأغوار بزراعتها سريعة التلف تحت درجات الحرارة المرتفعة.
ويشير إلى أن هذا الهدوء النهاري يقابله نشاط مع مغيب الشمس، إذ تبدأ الحياة الحقيقية في الغور بعد الساعة الثامنة مساء، حين تنخفض الحرارة نسبيا إلى أواخر الثلاثينيات، فتدب الحركة في الأسواق والمقاهي البسيطة، وعلى جوانب الطرقات، خصوصا في منطقة البحر الميت والمناطق شبه المرتفعة.
ويقول أحد التجار: "إذا لم نبع البضاعة في الساعات الأولى من الصباح فإن مصيرها التلف. الخسائر في الصيف تلتهم جزءا كبيرا من أرباحنا بسبب كلفة التبريد العالية أو فساد المنتجات"، مضيفا: "حتى المواطنون باتوا يشترون حاجتهم اليومية تفاديا لأي تلف لمشترياتهم في المنازل، الأمر الذي يقلل من مبيعاتنا ويزيد من خسائرنا اليومية".
عمال المياومة.. لقمة عيش مغموسة بالعرق
وفي الوقت الذي يعد فيه قطاع الزراعة العصب النابض للأغوار، إلا أنه في هذا الوقت من العام يتحول إلى تجربة قاسية تجسد صلابة الإنسان وصموده، خصوصا عمال المياومة والمزارعين الذين يُعدّون الفئة الأكثر تأثرا بلهيب الصيف.
ويوضح المزارع خالد العجوري أنه يتم إحضار العمال إلى المزارع مع ساعات الفجر الأولى (بعد صلاة الفجر)، ليبدأوا العمل في قطاف ما تبقى من محاصيل الصيف أو تجهيز الأرض للمواسم المقبلة، قائلا: "ينتهي العمل بحلول الساعة العاشرة أو الحادية عشرة صباحا كحد أقصى، لأن البقاء تحت أشعة الشمس بعد هذا الوقت يعد مخاطرة حقيقية بالحياة".
وتقول أم أحمد، وهي عاملة زراعية: "نعمل وعيوننا على الساعة، والعرق يغطي وجوهنا، ونشرب لترات من الماء فقط لكي نستطيع الصمود ومواصلة العمل، لكي نتقاضى أجورا يومية بسيطة"، مضيفة: "لا خيار أمامنا، فالجلوس في البيت يعني الجوع، والعمل في الغور يعني البحث عن بصيص أمل في توفير لقمة العيش، رغم مواجهة تحدي درجات الحرارة المرتفعة يوميا".
ولا تقتصر المعاناة على البشر، فالأضرار تمتد لتطال الثروة الحيوانية التي تعتمد عليها مئات العائلات مصدرا للرزق، إذ يواجه مربو الأبقار والأغنام والدواجن تحديات هائلة في الحفاظ على مواشيهم. فموجات الحر تتسبب بنفوق أعداد كبيرة من الطيور، وانخفاض حاد في إنتاج الحليب، ما يضطر المربين إلى إنفاق مبالغ إضافية لإنشاء مظلات خاصة وتوفير أنظمة تبريد بالرذاذ لحماية الحيوانات من الإجهاد الحراري القاتل، وفق مختصين.
عزلة مؤقتة وتحديات صحية
خلف الكواليس، تترك الحرارة المرتفعة والمستمرة أثرا نفسيا عميقا يعرف بين السكان بـ"تعب الصيف"، إذ يزداد التوتر العصبي والمشاحنات اليومية نتيجة الضغط النفسي والجسدي الناجم عن السكن في بيئات خانقة، وفق الدكتور محمد المطارنة، موضحا أن هذا الضغط يتسبب بجمود في الحياة الاجتماعية، إذ تدخل العلاقات في حالة "بيات صيفي"، فتؤجل المناسبات الكبرى كالأفراح والزيارات العائلية إلى أواخر الخريف، وتُختصر في أضيق الحدود خلال ساعات الليل، ما يخلق نوعا من العزلة الاجتماعية المؤقتة التي تفرضها ظروف الطقس.
ويقول: "في ظل غياب المساحات الخضراء أو المسابح العامة الآمنة، يقضي أطفال الغور صيفا بلا ترفيه، ما يدفع الكثير منهم إلى الهروب نحو قنوات الري الزراعية والبرك العشوائية لترطيب أجسادهم، وهي مغامرة غير مأمونة العواقب تسفر سنويا عن حوادث غرق مفجعة تقض مضاجع الأهالي"، مشددا على ضرورة توفير أماكن ترفيه آمنة للحفاظ على أرواح الأطفال الذين يخاطرون بحياتهم هربا من ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف.
ويقول المواطن علي النواجي: "أمام هذا الوضع القاسي برزت في السنوات الأخيرة ظاهرة النزوح الصيفي المؤقت، إذ تعمد العائلات إلى الرحيل، سواء باستئجار منازل في المدن الجبلية الأكثر برودة، كعمان والسلط وإربد، أو السكن في بيوت الشعر والخرابيش، خصوصا خلال شهري تموز وآب، ما يفرغ بعض القرى جزئيا من حيويتها".
وينوه إلى أن "ما تبقى من السكان في المنطقة يواجهون تحديات صحية وبيئية مستمرة، فالحرارة الشديدة تعد بيئة مثالية لخروج الزواحف السامة، كالأفاعي والعقارب، من جحورها بحثا عن الرطوبة، ناهيك عن ارتفاع حالات الإعياء الحراري والجفاف وضربات الشمس والأمراض الجلدية"، لافتا إلى أن الظروف المناخية القاسية تجبر غالبية أهالي الأغوار على العيش بصبر، ومساندة بعضهم بعضا، وابتكار وسائلهم الخاصة للتبريد، في محاولة للصمود والتأقلم في أكثر بقاع الأرض قسوة.