أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    18-Feb-2026

بين ضيق الرصيف ولقمة العيش.. أزمة بسطات بإربد

 الغد-أحمد التميمي

إربد - في قلب مدينة إربد النابض، تتداخل أصوات الباعة بضجيج المركبات، تبقى البسطات ظاهرة عصية على الحل التقليدي، فمن جانب تعد شريان حياة ومصدر رزق لآلاف الأسر، ومن جانب آخر تشكل عائقا تنظيميا يشوه المشهد الحضري بالنسبة لبلدية إربد الكبرى.
 
 
وفي وسط هذا الصراع، يرى تجار أن البسطات تعد منافسا غير عادل يزاحمهم في أرزاقهم. فما بين مطرقة حملات الإزالة وسندان الظروف الاقتصادية الصعبة، يبقى وسط المدينة ساحة صراع وملاحقات لا تنتهي، وسط مطالبات بتنظيم سوق حضاري يستوعب الجميع.
لقمة مغمسة بالقلق والخوف
تعد البسطات مصدر رزق رئيسيا لفئات واسعة من المواطنين الذين لا يملكون القدرة على استئجار محلات أو إقامة مشاريع تجارية كبيرة، إذ يعتمد الكثيرون على هذه الأنشطة اليومية لتغطية نفقات أسرهم الأساسية في ظل ارتفاع معدلات البطالة وصعوبة الحصول على وظائف مستقرة.
ويبين أصحاب بسطات أنها تشكل مصدر رزق مباشرا لعشرات الأسر وتضفي حيوية على الحياة اليومية للمدينة، مشددين على ضرورة إيجاد سوق حضاري ومنظم كحل جذري للمشكلة، موضحين أنهم يتعرضون بين الحين والآخر لحملات إزالة تنفذها بلدية إربد، ما يضعهم في مواجهة مخاطر قانونية وتحديات اقتصادية جمة.
قال صاحب بسطة محمد أبو الهيجاء إن أصحاب البسطات يسعون إلى تأمين دخل يومي يغطي الاحتياجات المعيشية لعائلاتهم، مؤكدا أن البسطات تمثل مصدر دخله الوحيد، وأن أي حملة إزالة تسبب له ضغطا نفسيا واقتصاديا كبيرا، خصوصا عندما تترافق مع فقدان بضائع أو تلفها.
وأضاف أن عدم فعالية الحلول المؤقتة يعكس عمق المشكلة ويطرح تساؤلات حول أفضل السبل لحماية مصالح الجميع، مبينا أن إيجاد سوق حضاري ومنظم، كما اقترحت غرفة تجارة إربد، سيكون الحل الأمثل لتحقيق استقرار في أعمالهم، مع تقليل المخاطر القانونية والاقتصادية التي يواجهونها يوميا.
ولفت إلى أن البسطات خيار لا غنى عنه لعدد كبير من الأسر التي تسعى للحصول على لقمة العيش بكرامة، معتبرا أن البسطات استثمار صغير في مستقبل أسرته الاقتصادي ويسهم في تحسين مستوى المعيشة على المدى الطويل.
ويشاركه الرأي محمد الجمرة، وهو صاحب بسطة، قائلا إن غياب بديل مناسب يجعلهم عالقين بين المخاطر الاقتصادية والقانونية ويجعل من حملات الإزالة المتكررة مجرد حلول مؤقتة لا تغير الواقع، مؤكدا أن البسطات فرصة لتعزيز الدخل وتحسين مستوى المعيشة، خصوصا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. 
وأوضح أن البسطات ليست مجرد مكان للبيع، بل هي طوق نجاة لمواجهة البطالة وغلاء المعيشة كونها تفتح أبواب العمل الحر للشباب والمتقاعدين والعمال المياومين الذين لا يملكون رأسمال كبيرا لافتتاح متاجر رسمية، ما يسهم في تحويل الطاقات المعطلة إلى أيد عاملة منتجة تسهم في إعالة أسرها بكرامة.
بين رخص الأسعار وعشوائية الطريق
وتنتشر آلاف البسطات في إربد التي تشكل ملاذا لذوي الدخل المحدود رغم التحديات التنظيمية التي تشكلها.
وترى هدى الخطيب أن البسطات تعد شريان حياة حقيقيا في قلب المدن والقرى، وهي تمثل اقتصادا موازيا يتسم بالبساطة والقرب من الناس كونها ملاذا للأسر محدودة الدخل نظرا لأسعارها المناسبة، موضحة أن البسطات توفر السلع الأساسية من ملابس وأدوات منزلية وخضراوات بأسعار تنافسية جدا مقارنة بالمحلات التجارية الكبرى.
ويؤيدها محمد أبو الرب، قائلا "إن البسطات تضفي حيوية اقتصادية للشوارع التجارية، إذ إن وجودها يخفض تكاليف التسوق"، مشيرا إلى أن البسطات تسهم بشكل كبير في توفير بديل رخيص يمنع تحكم المتاجر الكبرى بالأسعار، فضلا عن أنها تعرض سلعا يدوية أو زراعية محلية بسيطة وتتواجد في أماكن حيوية توفر على المواطن تكاليف النقل البعيد.
ويجمع العديد من المواطنين على أن الحل الأمثل هو إنشاء سوق حضاري ومنظم للبسطات، يحافظ على الأسعار المناسبة ويتيح للمواطنين التسوق براحة، ويقلل من الفوضى والازدحام، ويحقق التوازن بين مصالح جميع الأطراف.
وفي المقابل، يبدي المواطن أحمد بطاينة تذمره من إغلاق الأرصفة الذي يعيق حركة المشاة ويحول التنقل في وسط المدينة إلى رحلة شاقة، مشددا على أن الحل المستدام يكمن في مأسسة هذه التجارة وتنظيمها للقضاء على العشوائية ضمن أسواق منظمة تحفظ المواطن في الطريق وحق صاحب البسطة بالحصول على مورد لإعالة أسرته.
التجار.. منافسة غير متكافئة
يرى عدد من التجار أن وجود البسطات أمام محلاتهم يخلق منافسة غير متكافئة تؤثر على المبيعات، ما يضعهم في مواجهة ضغوط متزايدة، موضحين أن انتشار البسطات أمام محلاتهم يتسبب في إغلاق واجهات المحلات، انخفاض حركة الزبائن، والتأثير على المبيعات، خصوصا في القطاعات التي تتقاطع منتجاتها مع البضائع المعروضة على البسطات، مثل الملابس والفواكه والخضراوات.
ويرى أحمد النجار، وهو صاحب محل، أن البسطات تؤثر على تنظيم السوق وتزيد احتمالية الازدحام أمام المحلات، مما يقلل من راحة المستهلكين ويؤثر على تجربة التسوق. بينما أم محمد، وهي صاحبة محل ملابس، تعتبر أن البسطات تخلق منافسة مباشرة وغير قانونية، خصوصا عندما يعرض أصحاب البسطات منتجات مماثلة بأسعار أقل من دون أي التزامات ضريبية، ما يهدد استمرارية المحلات الصغيرة.
وتؤكد أن الحل الأمثل يكمن في تنظيم الأسواق بشكل متوازن، يضمن حقوقهم ومكتسباتهم التجارية، ويخلق منافسة عادلة بين أصحاب المحلات والبسطات، منوهة إلى أن الإزالة فقط ليست الحل، بل يجب أن تأتي مصحوبة بخطة شاملة تسمح بتنظيم النشاط التجاري وحماية الأرصفة، وفي الوقت ذاته تدعم الفئات الأقل دخلا.
ويشير أصحاب المحلات التجارية إلى أن انتشار البسطات أصبح يمثل ضغطا مستمرا على أعمالهم، فوجود البسطات أمام واجهات المحلات يؤدي إلى تقليل مساحة العرض وإعاقة الرؤية بالنسبة للزبائن، وهو ما يؤثر مباشرة على حركة المبيعات، مؤكدين أن المنافسة غير متكافئة كون أصحاب البسطات لا يتحملون التزامات مالية، مثل الإيجارات العالية أو فواتير الكهرباء والماء، بينما يلتزم أصحاب المحلات بكل هذه المصاريف، ما يزيد الشعور بعدم العدالة في النشاط التجاري.
ويرى بعض التجار أن البسطات لها دور إيجابي من ناحية جذب حركة الناس إلى الشوارع التجارية، مشددين على ضرورة التنظيم، بحيث يتم توزيع البسطات في أماكن محددة من دون التسبب في ازدحام أو إغلاق الأرصفة أمام المحلات.
التنظيم حق للمشاة
تشير بلدية إربد الكبرى إلى أن البسطات تعيق حركة المرور وتؤثر على انسيابية الأرصفة، ومع كل حملة إزالة تنفذها البلدية تعود إلى أماكنها بسرعة، لافتة إلى أن انتشار البسطات يخلق تحديات كبيرة، أبرزها إغلاق الأرصفة وتداخل حركة المشاة مع السيارات وعرقلة حركة المرور، إضافة إلى تشويه المشهد الحضري للمدينة. 
ويؤكد الناطق الإعلامي في بلدية إربد الكبرى، غيث التل، أن انتشار البسطات يمثل تحديا مستمرا أمام جهود البلدية في تنظيم المدينة والحفاظ على المظهر الحضاري للأرصفة والشوارع، موضحا أن الحملات المستمرة تهدف إلى حماية حقوق جميع الأطراف، سواء المواطنين الذين يحتاجون إلى السير بحرية، أو أصحاب المحلات الذين يعانون من التعديات على واجهات محلاتهم.
ويلفت الى أن حملات الإزالة المستمرة ضرورية للحفاظ على النظام العام، إلا أن غياب البدائل العملية جعل هذه الحلول غير فعالة على المدى الطويل، مشيرا إلى أن الحملات المتكررة أثبتت محدودية فعاليتها، إذ يعود أصحاب البسطات سريعا إلى مواقعهم، ما يزيد من العبء على كوادر البلدية ويثير استياء التجار والسكان على حد سواء.
ويوضح التل أن البلدية تدرك أن الإزالة وحدها لا تحل المشكلة، وأن الحل الأمثل يكمن في إيجاد سوق منظم وحضاري للبسطات يضمن ممارسة النشاط بشكل قانوني، مع توفير المرافق الأساسية، مثل المظلات، مواقف السيارات، ومسارات واضحة للمشاة، مضيفا أن البلدية تعمل بالتعاون مع غرفة تجارة إربد وأصحاب البسطات وأصحاب المحلات لدراسة المواقع الأنسب لهذا السوق الحضاري ليكون قريبا من حركة الناس ويحقق توازنا بين مصالح جميع الأطراف. 
ويؤكد أن الهدف من هذه الخطط هو ضمان الاستقرار الاقتصادي لأصحاب البسطات وحماية حقوق التجار والمواطنين في الوقت نفسه، مع الحد من الفوضى في وسط المدينة.
وشهدت المدينة العديد من الحملات المشتركة بين البلدية والأجهزة الأمنية لإزالة البسطات ومصادرة البضائع المخالفة. ورغم نجاح الحملات مؤقتا، إلا أن البسطات تعود سريعا إلى مواقعها، ما يظهر أن المشكلة أعمق من كونها مجرد تنظيمية، فهي ترتبط بالجانبين الاقتصادي والاجتماعي لأصحاب البسطات الذين يعتمدون على هذا النشاط يوميا.
وحاولت بلدية إربد، خلال السنوات الماضية، إنشاء أسواق منظمة، مثل مشروع "سوق العربات"، إلا أن هذه المحاولات فشلت بسبب ضعف المواقع وعدم جذب الزبائن، ما جعلها غير فعالة. وتشير التجارب السابقة إلى أن أي سوق بديل يجب أن يكون قريبا من حركة الناس، ومجهزا بالبنية التحتية المناسبة، مع مظلات وأماكن انتظار للسيارات، ويستقطب الزبائن لضمان نجاحه.
من جانبه، يشدد رئيس غرفة تجارة إربد محمد الشوحة على أن الحلول المؤقتة كالإزالة العشوائية للبسطات لا تعالج المشكلة الحقيقية، مؤكدا أن الحل يكمن في إنشاء سوق حضاري ومنظم يسمح لأصحاب البسطات بممارسة أعمالهم بشكل قانوني وآمن، مع الحفاظ على النظام العام وسلاسة حركة المرور.
ويشير إلى أن السوق المقترح يجب أن يكون مجهزا بالبنية التحتية المناسبة، كوجود مظلات تقي من الشمس والمطر ووجود مسارات واضحة للمشاة ومواقف سيارات قريبة لتكون الحركة التجارية ميسرة لجميع الأطراف، منوها إلى ضرورة تحديد أيام أو أوقات محددة للعمل في السوق، ما يسهم في انتظام الحركة ويخفف الاحتكاك بين أصحاب البسطات والتجار التقليديين.
ويقول الشوحة "إن هذا الحل لا يهدف فقط إلى حماية مصدر رزق أصحاب البسطات، بل يسعى أيضا إلى تنشيط الاقتصاد المحلي وإعادة الحيوية إلى الشوارع التجارية التي تراجعت الحركة فيها نتيجة الفوضى وعدم التنظيم"، مضيفا "أن الغرفة تعمل مع البلدية والجهات الرسمية على دراسة المواقع الأنسب لإنشاء السوق، بحيث تكون مناطق جذب للزبائن وتضمن بيئة آمنة ومنظمة وتضمن دمج أصحاب البسطات في النظام التجاري مع الرقابة المستمرة لمنع التعديات وحماية أرزاق العاملين، بحيث يكون الحل عمليا ومستداما ويحقق مصالح جميع الأطراف".