بعد أزمة قانون "الضمان".. هل تتمكن النقابات من إنقاذ صناديق تقاعدها؟
الغد-محمد الكيالي
بعد الجدل الذي أثارته التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي وما رافقته من أزمة ثقة ومخاوف حول مستقبل صناديق التقاعد، برز سؤال جوهري: هل تستطيع النقابات المهنية أن تنجح في إنقاذ صناديقها الخاصة من المصير ذاته؟
وفتح هذا التساؤل الباب أمام نقاش حول قدرة هذه المؤسسات على مواجهة التحديات المالية والإدارية وإيجاد حلول مبتكرة تضمن استدامة صناديقها وحماية حقوق منتسبيها في ظل الضغوط المتزايدة على أنظمة التقاعد محليا وعالميا.
إصلاحات تؤسس لوعي جديد
وفي هذا السياق، قال نقيب المهندسين المهندس عبدالله عاصم غوشة إن الإشكاليات المالية والإدارية والفنية التي واجهت صناديق النقابة سبقت في ظهورها تلك التي طرأت على صناديق الضمان الاجتماعي، مؤكدا أن النقابات المهنية كانت السباقة في تعريف المجتمع بمفاهيم الدراسات الاكتوارية وأهميتها في تقييم أوضاع الصناديق وضمان استدامتها.
وأضاف غوشة أن ما يجري حاليا من مراجعات وإصلاحات في صناديق النقابة والضمان الاجتماعي يؤسس لمرحلة جديدة من الوعي المؤسسي بأدوار هذه الصناديق، باعتبارها خط الدفاع الأول وحزمة الأمان الاجتماعي للمجتمع وللمهنيين على حد سواء.
وأشار إلى أن المقترحات التي طُرحت بشأن الضمان الاجتماعي، سواء قوبلت بالرفض أو القبول، يمكن أن تحمل أفكارا تستفيد منها النقابات المهنية.
وأوضح أن الفارق الجوهري بين الضمان الاجتماعي وصناديق النقابات يتمثل في آلية إلزام المشتركين بالالتزام المالي تجاه هذه الصناديق، إضافة إلى اختلاف أساليب الاستثمار، حيث تخضع النقابات المهنية لإدارة موحدة في هذا المجال، بينما يقوم الضمان الاجتماعي على جناحين منفصلين هما التأمينات والاستثمارات.
ولفت غوشة إلى أن أزمة صناديق التقاعد ليست محلية فحسب، بل هي ظاهرة عالمية، حيث تمر العديد من الصناديق في دول مختلفة بمراحل حرجة، مستشهدا بما شهدته بريطانيا وفرنسا قبل أعوام عند طرح قضية رفع سن التقاعد وكذلك التحديات التي واجهتها صناديق مهنية في الولايات المتحدة.
وأكد أن صناديق التقاعد تشكل جزءا أساسيا من المنظومة المالية الحديثة، وأن مسألة الاشتراكات وضمان ديمومتها تظل محورا للنقاش المستمر على المستويات كافة، مشددا على أن مراجعة هذه الصناديق أمر دوري وضروري لضمان قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه المشتركين.
الاستثمار وحده لا يكفي
من جانبه، أكد الناطق الإعلامي باسم نقابة الأطباء الدكتور حازم القرالة أن الدراسة الاكتوارية التي أُنجزت بالتعاون مع المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي خلال الدورة السابقة، كشفت عن وجود فجوة واضحة بين حجم الاشتراكات التي يدفعها المنتسبون وقيمة الرواتب التقاعدية المصروفة.
وفي ضوء هذه النتائج، قرر مجلس النقابة عرض السيناريوهات المختلفة على الهيئة العامة في اجتماع استثنائي، مع التوصية باعتماد الخيار الأمثل المتمثل في إدخال تعديلات جوهرية على نظام صندوق التقاعد.
وأضاف أن الهيئة العامة وافقت على هذه التعديلات وأُرسلت إلى الجهات الحكومية، فيما لا تزال النقابة بانتظار إقرارها رسميا، باعتبارها خطوة أساسية نحو تجاوز الأزمة وضمان استدامة الصندوق.
وأشار القرالة إلى أن المجلس اتخذ إجراءات إضافية، أبرزها استحداث "الشريحة الأساسية"، التي تتيح للأطباء الانتساب إلى النقابة دون إلزامهم بالاشتراك في صندوق التقاعد.
وتابع: "بذلت النقابة جهودا كبيرة لتحسين مستويات الاستثمار والتحصيل، وهو ما انعكس في أداء مالي أفضل خلال الفترة الماضية".
وأوضح أن صندوق تقاعد نقابة الأطباء يختلف في طبيعته عن كثير من الصناديق الأخرى، حيث يقوم على فكرة تكافلية بالدرجة الأولى، في حين تشكل الاشتراكات نحو 80 % من قيمة الرواتب التقاعدية بينما لا تتجاوز عوائد الاستثمار والتحصيل نسبة 20 %.
وقال القرالة: "لذلك، لا يمكن الاعتماد على الاستثمار وحده كمصدر رئيسي لتمويل الصندوق، بل تبقى الاشتراكات الركيزة الأساسية لاستمراره وضمان حقوق المنتسبين".
تعديلات لحماية التقاعد
بدورها، أكدت نقيبة أطباء الأسنان، الدكتورة آية الأسمر، أن النقابة بصدد إقرار تعديلات جوهرية على أنظمتها الداخلية، في خطوة تهدف إلى معالجة التحديات التي تواجه صندوق التقاعد وضمان استمراريته على المدى البعيد.
وأوضحت الأسمر أن الدراسات أظهرت أن العجز في الصندوق بدأ يتشكل منذ عام 2010، وتفاقم تدريجيا حتى بلغ مستويات تنذر بخطر على مستقبل الصندوق.
وأشارت إلى أن التقديرات تفيد بأن استمرار العمل بالنظام الحالي قد يؤدي إلى نفاد موارده بحلول عام 2030، وهو ما استدعى تحركا عاجلا لحماية حقوق الأطباء وصون مستقبلهم المهني والاجتماعي.
وتشمل التعديلات المقترحة إتاحة المجال أمام الأطباء لإبرام عقود عمل مع زملائهم داخل العيادات، بما يفتح فرص تشغيل إضافية ويعزز تنظيم المهنة وفق أسس عادلة وواضحة الأمر الذي سينعكس إيجابا على بيئة العمل في قطاع طب الأسنان.
وشددت الأسمر على أن التعديلات تراعي الأوضاع المالية للأطباء، مؤكدة أنها لن تتضمن أي زيادات على رسوم الاشتراكات الشهرية الخاصة بالتقاعد، حفاظا على استقرارهم الاقتصادي ومراعاة للأجيال الجديدة من الممارسين الذين يواجهون تحديات متزايدة.