أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    26-Feb-2026

رفع سنّ التقاعد في الأردن: إصلاح مؤلم اليوم وضمانة للغد*هاشم عقل

 الدستور

في خضم الجدل الشعبي والنيابي حول قرار رفع سنّ التقاعد، تتباين القراءات بين من يراه عبئاً إضافياً على المواطن، ومن يعتبره خطوة لا مفرّ منها لحماية منظومة الضمان الاجتماعي والمالية العامة. لكن القراءة المتأنية تكشف أن القرار، رغم قسوته الظاهرة، يحمل في جوهره أبعاداً إيجابية تمتد آثارها إلى الحكومة والمؤسسة والمشترك على حدّ سواء.
 
مكاسب الدولة  حماية الاستقرار قبل فوات الأوان
 
بالنسبة للحكومة، لا يُقرأ رفع سنّ التقاعد كإجراء آني بقدر ما هو أداة وقائية طويلة الأمد. فالتحدي الأكبر الذي يواجه المالية العامة هو العجز الاكتواري المتراكم في صناديق التقاعد. حماية صندوق الضمان الاجتماعي من التآكل أو الإفلاس تعني عملياً تجنيب الخزينة العامة تدخلاً مستقبلياً مكلفاً قد يفاقم المديونية ويضغط على الاستقرار المالي للدولة.
 
كما ترسل هذه الإصلاحات إشارات إيجابية إلى المؤسسات الدولية والمستثمرين، مفادها أن الأردن يتعامل مع التزاماته الاجتماعية بعقلانية ومسؤولية، ما ينعكس تحسناً في النظرة الائتمانية ويعزز الثقة بالاقتصاد الوطني. وإلى جانب ذلك، فإن الإبقاء على الفئات الخبيرة في سوق العمل حتى سن 65 يحدّ من النزيف المعرفي في قطاعات حيوية كالصحة والهندسة والتعليم العالي.
 
مؤسسة الضمان  المستفيد الأكبر
 
تُعد مؤسسة الضمان الاجتماعي الرابح المباشر من هذه التعديلات. فزيادة سنوات الاشتراك تعني تدفقات نقدية أطول قبل بدء صرف الرواتب، ما يعزز الملاءة المالية للصندوق. كما يسهم القرار في الحدّ من ظاهرة التقاعد المبكر التي شكّلت لسنوات «ثقباً أسود» استنزف موارد الضمان، حين يغادر المشترك سوق العمل في أوج عطائه ليبدأ سحب راتب تقاعدي لعقود طويلة.
 
وتمنح السنوات الإضافية ذراع الضمان الاستثماري فرصة أوسع لتدوير الأموال وتحقيق عوائد مستدامة، بدلاً من اللجوء إلى تسييل الأصول لتغطية الالتزامات، وهو ما يعزز ديمومة الصندوق على المدى البعيد.
 
المواطن  فوائد مؤجلة لكنها جوهرية
 
ورغم أن المواطن هو الطرف الأكثر حساسية تجاه القرار، إلا أن الصورة ليست سلبية بالكامل. فمعادلة احتساب الراتب التقاعدي تعتمد بشكل أساسي على سنوات الخدمة، ما يعني أن العمل لسنوات إضافية ينعكس مباشرة على رفع قيمة الراتب النهائي. والأهم من ذلك، أن هذه التعديلات تشكّل ضمانة حقيقية للأجيال الشابة، حتى لا تجد نفسها بعد عقود أمام صندوق عاجز عن الوفاء بالتزاماته.
 
كما يوفّر البقاء في سوق العمل فترة أطول استقراراً وظيفياً وتأمينياً، من حيث استمرار الدخل الشهري والتغطيات المتعلقة بإصابات العمل والعجز والوفاة، إضافة إلى إمكانية تحسين أوضاع أصحاب الدخل المحدود عبر رفع الحد الأدنى للرواتب التقاعدية.
 
في المحصلة، لا يمكن اختزال رفع سنّ التقاعد بكونه قراراً مالياً مجرّداً. هو خطوة إصلاحية تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن ومؤسسة الضمان، على قاعدة أن الألم المحدود اليوم قد يكون ثمناً ضرورياً لتجنّب أزمة أعمق غداً.
 
إنه عقد اجتماعي جديد، تُغلَّب فيه لغة الاستدامة على شعبوية اللحظة، ويُراهن فيه على أن حماية المستقبل تبدأ بقرارات صعبة في الحاضر.
 
رواتب تقاعدية أفضل اليوم، وضمان حق الأجيال غداً.
 
رفع سنّ التقاعد ليس مجرد إجراء مالي تقني، بل هو إعادة صياغة لعقد اجتماعي جديد. عقدٌ تتسلح فيه الحكومة بلغة الأرقام، وتراهن فيه على أن الإصلاح المؤلم اليوم أقل كلفة بكثير من الانهيار لا سمح الله غداً.