الزراعة العضوية والمحمية.. هل تسهمان بتحقيق أمن غذائي مستدام؟
الغد-عبد الله الربيحات
في ظل تصاعد آثار التغير المناخي، وتراجع الموارد المائية، وارتفاع كلف الإنتاج الزراعي، يبرز سؤال ملح: هل ما تزال الزراعة التقليدية قادرة على تلبية احتياجات الأمن الغذائي بالعقود المقبلة؟
هذا السؤال لم يعد نظريًا، بل أصبح محورًا رئيسيًا في السياسات الزراعية العالمية، خاصة في الدول الجافة وشبه الجافة التي تواجه ضغوطًا متزايدة على المياه والطاقة والأراضي الزراعية. وبينما لعبت الزراعة التقليدية دورًا محوريًا بتأمين الغذاء لعقود طويلة، فإن محدودياتها البيئية والاقتصادية دفعت الخبراء للبحث عن نماذج إنتاج أكثر كفاءة واستدامة.
وفي هذا السياق، تبرز الزراعة العضوية والزراعة المحمية كخيار إستراتيجي واعد، ليس فقط لحماية البيئة، بل لضمان أمن غذائي حقيقي ومستدام.
ولا يمكن إنكار أن الزراعة التقليدية أسهمت برفع الإنتاج الزراعي عالميًا خلال القرن الماضي، بخاصة مع التوسع باستخدام الأسمدة الكيماوية والمبيدات والميكنة الزراعية، غير أن هذا النمو جاء بكلفة بيئية مرتفعة.
فالاستخدام المكثف للأسمدة والمبيدات أدى لتدهور خصوبة التربة في كثير من المناطق الزراعية، كما تسبب بتلوث المياه الجوفية والسطحية.
وتشير تقديرات دولية إلى أن القطاع الزراعي يساهم بنحو 20 إلى 30 % من انبعاثات الغازات الدفيئة عالميًا، نتيجة استخدام الأسمدة النيتروجينية واستهلاك الطاقة وتدهور الأراضي.
أما المياه، وهي المورد الأكثر حساسية في المنطقة العربية، فتُعد أبرز نقاط ضعف الزراعة التقليدية. ففي كثير من الحالات، يتم فقدان أكثر من نصف مياه الري بسبب التبخر أو سوء الإدارة، بينما تتزايد الضغوط على الموارد المائية عامًا بعد عام.
ولم تعد الزراعة التقليدية قادرة وحدها على التعامل مع موجات الجفاف والحرارة المرتفعة وتقلبات المناخ، خصوصًا بالدول محدودة الموارد المائية. كما أن التغيرات المناخية رفعت من مخاطر الآفات والأمراض الزراعية، وزادت من تقلب الإنتاجية، ما جعل الأمن الغذائي أكثر هشاشة أمام الصدمات البيئية والجيوسياسية.
الزراعة المحمية… إنتاج أعلى بموارد أقل
في مواجهة هذه التحديات، توسعت العديد من الدول بالزراعة المحمية عبر البيوت البلاستيكية والأنفاق الزراعية، باعتبارها نموذجًا يرفع كفاءة استخدام الموارد ويزيد الإنتاجية.
وتقوم الزراعة المحمية على توفير بيئة إنتاج يمكن التحكم بدرجات حرارتها ورطوبتها وظروفها المناخية، ما يسمح بزراعة المحاصيل خارج مواسمها الطبيعية، وتقليل تأثير الظروف الجوية القاسية مثل الصقيع أو موجات الحر والعواصف الرملية.
وتشير تقديرات متخصصة إلى أن الزراعة المحمية قد توفر ما بين 50 إلى 80 % من المياه مقارنة بالزراعة المكشوفة، خاصة عند استخدام أنظمة الري بالتنقيط والتحكم الذكي بالمياه. كما يمكن أن ترتفع الإنتاجية لكل متر مربع بمعدل يتراوح بين 3 إلى 5 أضعاف، وفق نوع المحصول والتقنيات المستخدمة.
ولا تقتصر الفوائد على زيادة الكميات المنتجة، بل تشمل أيضًا تحسين جودة المنتج الزراعي، وتقليل الفاقد، ورفع القدرة التنافسية في الأسواق المحلية والخارجية.
إنتاج أكثر استقرارًا
يقول إبراهيم العزازمة، أحد المزارعين العاملين بالبيوت المحمية، "كنا نخسر جزءًا كبيرًا من المحصول بسبب الظروف الجوية، أما اليوم فأصبح الإنتاج أكثر استقرارًا، والجودة أفضل، والعائد الاقتصادي أعلى".
كما توفر الزراعة المحمية فرصًا لإنتاج محاصيل ذات قيمة مضافة عالية، مثل الخضراوات العضوية والأعشاب الطبية والفواكه التصديرية، ما يساهم بتعزيز الصادرات الزراعية وتقليل فاتورة الاستيراد الغذائي.
الزراعة العضوية… استثمار بصحة الإنسان والتربة
بدوره بيّن خبير الأمن الغذائي د. فاضل الزعبي، إذا كانت الزراعة المحمية تعالج كفاءة الإنتاج، فإن الزراعة العضوية تركز على استدامة النظام الزراعي وصحة الإنسان والبيئة.
وتابع، يعتمد هذا النمط الزراعي على تقليل أو منع استخدام الأسمدة والمبيدات الصناعية، والاعتماد بدلًا منها على التسميد العضوي، والدورات الزراعية، والمكافحة الحيوية للآفات، بما يعزز خصوبة التربة ويحافظ على التنوع البيولوجي.
وأضاف، تؤكد دراسات بيئية أن التربة العضوية أكثر قدرة على الاحتفاظ بالمياه والكربون، ما يساهم بالتخفيف من آثار التغير المناخي وتحسين مقاومة الجفاف، كما أن تقليل الاعتماد على المدخلات المستوردة، مثل الأسمدة الكيماوية والمبيدات، يقلل من تأثر القطاع الزراعي بتقلبات الأسعار العالمية وسلاسل التوريد.
ولفت إلى أنه من الناحية الصحية، يزداد الطلب العالمي على المنتجات العضوية بسبب انخفاض متبقيات المبيدات فيها وارتفاع معايير السلامة الغذائية، ويقدر حجم سوق المنتجات العضوية عالميًا بمئات المليارات من الدولارات، مع نمو متواصل سنويًا، ما يفتح فرصًا اقتصادية مهمة أمام الدول القادرة على دخول هذا السوق.
وأشار إلى أن الزراعة العضوية ليست مجرد توجه بيئي، بل نموذج اقتصادي قادر على خلق فرص عمل خضراء وتحقيق قيمة مضافة أعلى للمزارعين.
وقال رغم أهمية كل من الزراعة العضوية والزراعة المحمية بشكل منفصل، فإن الاتجاه الأكثر تقدمًا اليوم يتمثل بدمج النظامين ضمن ما يعرف بـ"الزراعة العضوية المحمية".
ويجمع هذا النموذج بين كفاءة استخدام المياه والطاقة داخل البيوت المحمية، وبين إنتاج غذاء صحي وآمن وفق المعايير العضوية، كما يسمح بالتحكم الأفضل بالآفات وتقليل استخدام المبيدات، وتحقيق إنتاج مستقر على مدار العام، وفقًا للزعبي.
وتابع، يُنظر لهذا النظام باعتباره من "أفضل الممارسات الزراعية" بالمناطق الجافة ومحدودة الموارد، لأنه يحقق توازنًا بين الإنتاجية والاستدامة البيئية.
كما أن هذا التوجه يمكن أن يساهم في تعزيز الاكتفاء الذاتي الغذائي، خاصة في الخضراوات والفواكه الطازجة، وتقليل الاعتماد على الاستيراد في ظل اضطرابات الأسواق العالمية. واقتصاديًا، يوفر هذا التحول فرصًا جديدة للاستثمار الزراعي والتكنولوجيا الخضراء، ويفتح المجال أمام شركات ناشئة متخصصة في أنظمة الري الذكية والطاقة الشمسية والتقنيات الزراعية الحديثة.
وزاد أنه رغم المزايا الواضحة، فإن التحول نحو الزراعة العضوية المحمية لا يخلو من التحديات، فالكلفة الأولية لإنشاء البيوت المحمية ما تزال مرتفعة نسبيًا، خاصة للمزارعين الصغار، كما أن الزراعة العضوية تتطلب خبرات فنية متخصصة، وفترة انتقالية قد تنخفض خلالها الإنتاجية مؤقتًا. إضافة إلى ذلك، تواجه المنتجات العضوية تحديات مرتبطة بالحصول على شهادات الاعتماد والتسويق والوصول للأسواق التصديرية.
لكن هذه التحديات ليست مستحيلة الحل، فالعديد من الخبراء يدعون لتبني سياسات حكومية داعمة تشمل تقديم قروض ميسرة، ودعم إنشاء البيوت المحمية، وتوسيع برامج التدريب والإرشاد الزراعي، وتشجيع البحث العلمي في مجالات الزراعة الذكية والمستدامة. كما يمكن للجامعات ومراكز الأبحاث أن تلعب دورًا محوريًا في تطوير أصناف نباتية ملائمة للزراعة العضوية المحمية، وأكثر قدرة على تحمل الحرارة والجفاف.
وأشار أن نجاح هذا التحول يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومات والقطاع الخاص والمزارعين والمؤسسات البحثية، بحيث يصبح الأمن الغذائي جزءًا من منظومة التنمية الاقتصادية والبيئية الشاملة.
وقال لم يعد النقاش يدور حول "الزراعة التقليدية أو البدائل الحديثة" بقدر ما يتعلق بكيفية بناء نظام غذائي أكثر قدرة على الصمود والاستدامة، فالزراعة التقليدية ستبقى جزءًا من المشهد الزراعي، لكنها بحاجة لإعادة هيكلة وتحديث لتتلاءم مع واقع الموارد المحدودة والتغيرات المناخية المتسارعة.
أما الاستثمار بالزراعة العضوية داخل البيئات المحمية، فلم يعد ترفًا بيئيًا أو خيارًا نخبويًا، بل أصبح ضرورة إستراتيجية لضمان الغذاء والمياه والاستقرار الاقتصادي في المستقبل.
ولفت إلى أن الحاجة تبدو ملحة أمام صانعي القرار لإعادة صياغة السياسات الزراعية، وتوجيه الاستثمارات نحو التقنيات الزراعية المستدامة، ودعم المزارعين للتحول التدريجي نحو أنظمة إنتاج أكثر كفاءة وأمانًا. فالأمن الغذائي في القرن الحادي والعشرين لن يتحقق بزيادة الإنتاج فقط، بل بإنتاج غذاء مستدام يحافظ على الإنسان والموارد والبيئة في آن واحد.