الغد-عبد الرحمن الخوالدة
بينما حصل إطار السندات الخضراء السيادية الأردنية على تقييم "ممتاز" من وكالة "فيتش" المستدامة، أكد خبراء اقتصاديون أن هذا التقييم يمنح شهادة مصداقية عالية للأردن في مجال التمويل الأخضر المستدام، كما يعزز مكانته دولة ملتزمة بالتحول الأخضر.
وأشار الخبراء في تصريحات لـ"الغد"، إلى أن التقييم يثبت مستوى الشفافية العالية الذي يتمتع به الأردن في المجال المالي التمويلي، كما يلفت إلى أن الإطارين المؤسسي والتشريعي لهذه السندات، مصممان وفق المعايير الدولية المعتمدة.
ويرى هؤلاء، أن التقييم سينعكس إيجابا على تعزيز ثقة الأسواق المالية العالمية بالأردن، خاصة للمستثمرين الدوليين المهتمين بالـ"ESG"، إضافة إلى توسيع قاعدة المستثمرين لتشمل مستثمري الاستدامة الذين قد يتجنبون الإصدارات التقليدية أو يطالبون بعلاوة مخاطر، وزيادة الطلب المحتمل، كما حدث في إصدارات سيادية خضراء أخرى.
ولفت الخبراء إلى أن الفائدة الاستراتيجية الأهم لهذه الأدوات المالية، تكمن في ربط التمويل بالمشاريع التنموية طويلة الأجل، وتعزيز مكانة الأردن كمركز إقليمي للتمويل المستدام، بما يساهم في دمج مسار الإصلاح الاقتصادي مع التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر، ويحقق أثرا ملموسا على مستوى كفاءة استخدام الموارد وتخفيض كلف الطاقة والمياه والنقل، على المدى الطويل.
ويقصد بالسندات الخضراء: "أدوات الدين التي تستخدم لتمويل مشاريع بيئية ومناخية تصدرها الحكومات والشركات مع تخصيص عائداتها لمبادرات مثل الطاقة المتجددة والنقل النظيف وكفاءة الطاقة".
وكانت وحدة دعم تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التابعة لوزارة التخطيط والتعاون الدولي كشفت عن حصول إطار السندات الخضراء السيادية الأردنية مؤخرا، على تقييم "ممتاز" من وكالة فيتش المستدامة من خلال رأي الطرف الثاني (SPO)، مما يؤكد التوافق الكامل مع مبادئ السندات الخضراء الصادرة عن الرابطة الدولية لسوق رأس المال (ICMA)، ومبادئ القروض الخضراء الصادرة عن رابطة سوق القروض (LMA)، ورابطة تجميع القروض وتداولها (LSTA)، ورابطة سوق القروض في آسيا والمحيط الهادئ (APLMA).
ويدعم هذا الإطار انتقال الأردن نحو اقتصاد منخفض الكربون وقادر على الصمود في وجه تغير المناخ، ويتماشى مع الأولويات الوطنية في إطار رؤية التحديث الاقتصادي، ومصفوفة الإصلاح، والتزامات العمل المناخي.
وأكدت وحدة الإصلاحات أن وزارة المالية قادت عملية تطوير الإطار بدعم من أمانة الإصلاح في وزارة التخطيط والتعاون الدولي وخبراء البنك الدولي، كجزء من جهود أوسع لتعزيز التمويل المستدام وإصلاحات النمو الأخضر في الأردن.
ومن الجدير بالذكر، أن الأردن شهد إصدار أول سند أخضر في شهر آذار (مارس) من العام 2023، وذلك من قبل أحد البنوك الخاصة بمبلغ 50 مليون دولار ليفتح البوابة لإصدار المزيد من السندات الخضراء في الأردن، التي تهدف إلى إطلاق العنان للتمويلات الخاصة بالتحول الاقتصادي للأردن لاقتصاد أخضر، وتنمية سوق رأس المال للتمويل الأخضر، وتعزيز تمويل المشاريع المستدامة الصديقة للبيئة.
ويشار إلى أن تقريرا سابقا أصدرته لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) في شهر آذار (مارس) الماضي، بعنوان: "السندات الخضراء والاجتماعية والمستدامة والسندات المرتبطة بالاستدامة في المنطقة العربية"، قدر حجم سوق السندات الخضراء في الأردن بنحو 238 مليون دولار، يمثل ما نسبته 0.7 % من إجمالي إصدرات السندات المستدامة في المنطقة العربية التي تصل إلى نحو 34 مليار دولار.
تبديد مخاوف "الغسل الأخضر"
وقال مدير عام جمعية البنوك الأردنية، ماهر المحروق: "إن حصول إطار السندات الخضراء الأردني على تقييم ممتاز، يعكس مستوى متقدما من التوافق مع أفضل الممارسات والمعايير الدولية المعتمدة في أسواق التمويل المستدام، وهو ما يعطي الأسواق والمستثمرين العالميين رسالة واضحة بأن الأردن يمتلك إطارا مؤسسيا متكاملا، يتوافق مع أفضل الممارسات الدولية في إدارة التمويل الأخضر".
وأكد أن هذا التقييم يعزز مصداقية الأردن أمام المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية وصناديق الاستثمار المتخصصة بالاستدامة، ويضع الأردن ضمن مجموعة الدول التي تطبق أطر تمويل أخضر تتماشى مع المعايير العالمية المعتمدة، الأمر الذي يسهل الوصول إلى شريحة أوسع من المستثمرين الدوليين المهتمين بالاستثمارات المستدامة والمسؤولة بيئيا.
وأوضح المحروق أنه عندما يحصل الإطار على تقييم مرتفع من جهة دولية مستقلة وذات مصداقية، فإن ذلك يقلل مخاوف المستثمرين المتعلقة بما يعرف "بالغسل الأخضر" (Greenwashing)، ويعزز القناعة بأن التمويل سيتم توجيهه فعلا إلى مشاريع ذات أثر بيئي حقيقي وقابل للقياس. مع الإشارة إلى أن أثر ذلك يبقى مرتبطا أيضا بعوامل السوق العالمية، والظروف المالية الدولية، ومدى استمرارية تطوير مشاريع خضراء ذات جدوى واضحة.
وتوقع المحروق أن يكون لهذا التصنيف أثر إيجابي على المدى المتوسط والطويل فيما يتعلق بكلفة التمويل وشروط الاقتراض، خاصة إذا ترافق مع استمرار الأردن في تطوير مشروعات خضراء ذات جدوى واضحة وأثر قابل للقياس. وتزداد أهمية ذلك مع التزام الجهات المصدرة بإعداد تقارير دورية توضح استخدام حصيلة التمويل والأثر البيئي المحقق، بما يعزز مستويات الشفافية والمساءلة أمام المستثمرين.
إضافة إلى ذلك، فإن وجود إطار معتمد وموثوق قد يفتح المجال أمام الأردن للوصول إلى أدوات تمويل ميسرة أو برامج تمويل مرتبطة بالمناخ والاستدامة من مؤسسات دولية وصناديق تنموية، ما يعزز قدرة المملكة على تمويل مشاريعها التنموية بكفاءة أكبر، بحسب المحروق.
وشدد المحروق على أن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز لا تكمن فقط في الحصول على التقييم، بل في قدرة الأردن على تحويل التمويل الأخضر إلى مشاريع تنموية ذات أثر اقتصادي مباشر على حياة المواطنين والاقتصاد الوطني.
شهادة مصداقية عالية للأردن
من جانبه، اعتبر الخبير الاقتصادي وجدي المخامرة أن حصول إطار السندات الخضراء السيادية الأردنية على تقييم "ممتاز" من وكالة فيتش المستدامة عبر رأي الطرف الثاني (SPO)، يعد إنجازا مهما ويعزز مصداقية الأردن في أسواق التمويل المستدام العالمية.
وعن المعنى العملي للحصول على هذا التقييم الممتاز في أسواق المال العالمية فهو - بحسب المخامرة - يعطي شهادة مصداقية وشفافية عالية للأردن؛ حيث إن هذا التقييم هو أعلى مستوى في منهجية وكالة فيتش المستدامة، ويؤكد التوافق الكامل مع مبادئ السندات الخضراء ومبادئ القروض الخضراء ذات الصلة، وهذا يعني أنه إطار يحتوي على استخدام عائدات واضح ومحدد، وأن هناك عملية تقييم واختيار مشاريع قوية، وكذلك هي إشارة إيجابية للمستثمرين المؤسسيين، حيث يبحث المستثمرون من صناديق التقاعد، وشركات التأمين، والصناديق التي تعمل بالاستثمارات البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) عن مثل هذه الشهادات لتلبية متطلباتهم الداخلية وتنظيماتهم.
ولفت، إلى أن ذلك يضع الأردن ضمن مجموعة الدول الرائدة في المنطقة التي تطور إطارات سيادية خضراء قوية، مما يساعد في بناء سوق سندات خضراء محلية وإقليمية.
وأوضح المخامرة أن من شأن هذا التقييم أن يرفع مستوى الثقة بشكل ملحوظ، خاصة للمستثمرين الدوليين المهتمين بالـ"ESG"، ويوسع قاعدة المستثمرين لتشمل مستثمري الاستدامة الذين قد يتجنبون الإصدارات التقليدية أو يطالبون بعلاوة مخاطر أعلى، ويزيد الطلب المحتمل، كما حدث في إصدارات سيادية خضراء أخرى.
وبين أن ذلك يعزز سمعة الأردن كدولة ملتزمة بالتحول الأخضر، تماشيا مع رؤية التحديث الاقتصادي والالتزامات المناخية.
أما حول التأثير المتوقع على كلفة التمويل، فتوقع المخامرة أن يكون هناك "ارتفاع محدود إلى متوسط"، خاصة في الإصدارات الأولى. ففي الأسواق الناشئة غالبا ما يتراوح بين 5-11 نقطة أساس (bps) أو أكثر للسندات السيادية الخضراء ذات الإطارات القوية، مقارنة بالسندات التقليدية المماثلة، وتكون كلفة التمويل أكبر في الأسواق الناشئة منه في المتقدمة.
خطوة لتعزيز مكانة الأردن كمركز إقليمي للتمويل المستدام
بدوره، قال الخبير حسام عايش: "إن حصول إطار السندات الخضراء الأردنية على تقييم "ممتاز" من وكالة "فيتش" عبر رأي الطرف الثاني (SPO) يعكس أن الإطار المؤسسي والتشريعي لهذه السندات مصمم وفق المعايير الدولية المعتمدة، ما يمنح المستثمرين ثقة أكبر بأن الأموال ستوجه فعليا إلى مشاريع ذات أثر بيئي وتنموي واضح".
وأضاف: "هذا التقييم يعني أيضا أن هناك مستوى جيدا من الشفافية، ونظاما موثوقا للمتابعة والإفصاح، وأن المشاريع الممولة قابلة للقياس والتحقق من أثرها، وهو عنصر أساسي في السوق العالمية، حيث لا يكفي أن تحمل السندات صفة "خضراء"، بل يجب إثبات الأثر الحقيقي وتجنب ما يعرف بـ"الغسل الأخضر"، أي تمويل مشاريع دون نتائج بيئية فعلية".
وأوضح أن أهمية هذا التقييم تنعكس على تعزيز ثقة الأسواق المالية العالمية بالأردن، ورفع جاذبيته لدى المستثمرين المؤسسيين، مثل صناديق التقاعد والبنوك التنموية وصناديق الاستثمار المستدام، كما يساهم في تسهيل دخول الصناديق المتخصصة في التمويل الأخضر، التي تشترط وجود تقييمات مستقلة ومعايير امتثال دولية قبل ضخ أي استثمارات.
وبين عايش أن الفائدة الاستراتيجية الأهم لهذه الأدوات المالية تكمن في ربط التمويل بالمشاريع التنموية طويلة الأجل، وتعزيز مكانة الأردن كمركز إقليمي للتمويل المستدام، بما يساهم في دمج مسار الإصلاح الاقتصادي مع التحول العالمي نحو الاقتصاد الأخضر، ويحقق أثرا ملموسا على مستوى كفاءة استخدام الموارد وتخفيض كلف الطاقة والمياه والنقل على المدى الطويل.
وأشار، إلى أن الأردن استفاد بالفعل من أدوات التمويل الأخضر في بعض المشاريع الكبرى، مثل مشروع الناقل الوطني للمياه، الذي يعد من أبرز المشاريع ذات البعدين البيئي والمناخي، وحصل على تمويل يقارب 295 مليون دولار.
ولفت عايش، إلى أن الطلب العالمي على الأصول الخضراء في ارتفاع مستمر، وأن العديد من الصناديق العالمية أصبحت تلتزم بمعايير الاستثمار المستدام، وهو ما يفتح فرصا إضافية أمام الأردن، خاصة في ظل وجود مشاريع كبرى ذات أثر بيئي واضح، إلى جانب نظرة دولية تعتبر الاقتصاد الأردني مستقرا نسبيا وقابلا للاستثمار.
وأوضح أن تأثير التقييم الممتاز على كلفة الاقتراض يبقى محدودا، وقد ينعكس بشكل غير مباشر عبر تحسين شروط التمويل، مثل توسيع قاعدة المستثمرين، أو إطالة آجال الاستحقاق، أو زيادة الطلب على السندات، لكنه لا يؤدي إلى انخفاض جوهري في كلفة الدين العام، لأن هذه الكلفة ترتبط أساسا بعوامل الاقتصاد الكلي.