الذكاء الاصطناعي تحت ضغط الموارد: عندما تتحول التكنولوجيا إلى معادلة طاقة ومياه
الغد-إبراهيم المبيضين
في الوقت الذي يندمج فيه العالم بوتيرة متسارعة مع قدرات الذكاء الاصطناعي المذهلة، تبرز اليوم حقيقة مادية قاسية مفادها بأن هذه التقنية لا تعمل في فراغ رقمي، بل "تتغذى" بشكل مباشر على الموارد الطبيعية. فخلف كل إجابة ذكية تصدر عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي، تقف مراكز بيانات عملاقة تعتمد كلياً على شريانين حيويين هما الكهرباء والمياه؛ الأول لتغذية المعالجات وتشغيلها، والثاني لتبريدها من الحرارة المفرطة. وهذان الموردان يشكلان منذ سنوات تحدياً متزايداً لصناعة الذكاء الاصطناعي، ليس فقط من حيث الكلفة، بل من حيث الاستدامة والقدرة على الاستمرار والتوسع.
وفي هذا السياق، يؤكد خبراء محليون في الشأن التقني أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة، وخاصة مع دخول الصراع (الأميركي-الإسرائيلي-الإيراني) شهره الثاني، نقلت هذا التحدي من إطاره التقني والبيئي إلى مستوى أكثر تعقيداً يتمثل في أزمة جيوسياسية خانقة. فقد أدى ما بات يعرف بـ"حرب البنية التحتية" إلى استهداف منشآت حيوية في المنطقة، شملت محطات توليد الطاقة وشبكات الكهرباء ومحطات تحلية المياه، الأمر الذي تسبب في اضطرابات ملحوظة في سلاسل توريد الطاقة العالمية، ورفع أسعار الوقود إلى مستويات قياسية تجاوزت 120 دولاراً للبرميل.
هذا الواقع خلق ضغطاً مزدوجاً على شركات التكنولوجيا الكبرى والحكومات، خصوصاً تلك التي قطعت شوطاً كبيراً في التحول الرقمي. فمن جهة، يتزايد الطلب على قدرات الحوسبة والذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة، ومن جهة أخرى، تتراجع القدرة على توفير الموارد اللازمة لتشغيل هذه المنظومات وتبريدها، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التشغيل، ويضع استمرارية الثورة الرقمية نفسها على المحك في ظل ندرة الموارد الأساسية.
ويشير الخبراء إلى أن التحدي المرتبط بالطاقة والمياه لم يعد مجرد مسألة تقنية، بل تحول إلى اختبار أخلاقي وقيادي للحضارة الرقمية. فقد كشفت الأزمات والحروب الحالية أن الذكاء، مهما بلغ من تطور، لا يمكن أن يكون ذا قيمة حقيقية إذا لم يكن مدعوماً بأسس الاستدامة. ومن يدرك هذه المعادلة اليوم، يمتلك فرصة استراتيجية لقيادة التحول نحو ما يمكن تسميته "عصر الذكاء الاصطناعي الأخضر" القائم على السيادة الطاقية والإدارة الرشيدة للموارد.
وتعزز هذه القراءة ما ورد في بيانات المؤسسات الدولية، حيث أشار بيان البنك الدولي الصادر في 26 آذار (مارس) الماضي إلى أن الصراع في الشرق الأوسط بدأ يؤثر فعلياً على أسعار السلع والخدمات اللوجستية، فيما حذر صندوق النقد الدولي في 3 آذار (مارس) الماضي من اضطرابات في التجارة العالمية والنشاط الاقتصادي، إلى جانب ارتفاع أسعار الطاقة وتقلبات الأسواق المالية.
وفي قراءة أعمق، يرى الخبير في مجال التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي المهندس هاني البطش أن معادلة الطاقة والمياه لم تعد ملفاً خدمياً منفصلاً، بل أصبحت تمثل جوهر الأمن الاقتصادي والرقمي في آن واحد، خاصة في ظل التوترات العسكرية الراهنة وعودة الضغوط على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد. ويؤكد أن هذه المعادلة تزداد حساسية مع التوسع العالمي في الذكاء الاصطناعي، لأن البنية التحتية الرقمية نفسها تعتمد على توفر كهرباء مستقرة ومياه كافية للتبريد، ما يعني أن أي دولة تسعى لدخول اقتصاد الذكاء الاصطناعي بجدية لا يمكنها التعامل مع هذين الموردين كعنصرين ثانويين.
ويستند هذا التحليل إلى معطيات دولية، إذ يشير تقرير وكالة الطاقة الدولية للعام 2025 إلى أن الطلب العالمي على الكهرباء لتشغيل مراكز البيانات مرشح للارتفاع من نحو 460 تيراواط/ساعة في العام 2024 إلى أكثر من 1000 تيراواط/ساعة بحلول العام 2030، في السيناريو الأساسي. وهذا يعني أن اقتصاد الذكاء الاصطناعي لن يكون مجرد مستهلك إضافي للطاقة، بل سيكون لاعباً رئيسياً يزيد من حدة المنافسة على الكهرباء عالمياً.
كما تظهر تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن أنظمة الذكاء الاصطناعي كثيفة الاستخدام للحوسبة تثير مخاوف بيئية متزايدة، لا سيما فيما يتعلق باستهلاك الطاقة والمياه. وهذا يضع الدول، خصوصاً في المنطقة العربية، أمام تحد مزدوج يتمثل في ضرورة التوسع في البنية التحتية الرقمية من جهة، وتجنب تحميل الأنظمة القائمة أعباء إضافية من جهة أخرى، في ظل ما تعانيه أصلاً من ضغوط مائية وطاقية.
وعلى المستوى الإقليمي، يوضح البطش أن ارتفاع أسعار الطاقة سيختلف من دولة إلى أخرى، حيث ستكون الدول الأكثر اعتماداً على استيراد الطاقة أو الأكثر معاناة من شح المياه هي الأكثر عرضة للتأثر، في حين أن الدول التي استثمرت مبكراً في الطاقة المتجددة وتقنيات التحلية وإعادة الاستخدام والرقمنة ستكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات.
وفي هذا الإطار، يطرح البطش رؤية عملية للحلول، تقوم على مسارات متوازية تشمل خفض فاقد المياه والطاقة، وبناء بنية تحتية ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، والتوسع في مشاريع التحلية وإعادة الاستخدام المرتبطة بالطاقة المتجددة، إلى جانب تطوير سياسات رقمية تشترط كفاءة استخدام الموارد في أي توسع مستقبلي لمراكز البيانات.
كما يشدد على أن الفرصة الحقيقية للأردن لا تكمن في استيراد التكنولوجيا فحسب، بل في توظيف الذكاء الاصطناعي لمعالجة التحديات المحلية، مثل تقليل فاقد المياه، وتحسين كفاءة الضخ، وإدارة الأحمال الكهربائية، ودمج الطاقة المتجددة، واستخدام البيانات الضخمة لمراقبة الموارد في الزمن الحقيقي. ويؤكد أن كلفة عدم التحرك في هذا الاتجاه لا تقتصر على نقص الخدمات، بل تمتد إلى خسائر اقتصادية تشمل تراجع الإنتاجية وارتفاع فاتورة الاستيراد وتراجع تنافسية الاقتصاد.
من جانبه، يقدم الخبير في حوكمة البيانات الدكتور حمزة العكاليك قراءة أكثر عمقاً، حيث يرى أن التحول الرقمي أصبح ساحة صراع جيوسياسي على الموارد، وأن تأمين الطاقة والبنية التحتية بات يمثل العملة الحقيقية في اقتصاد القرن الحادي والعشرين. ويشير إلى أن استهلاك مراكز البيانات من الكهرباء بلغ نحو 415 تيراواط/ساعة في العام 2024، أي ما يعادل 1.5% من الاستهلاك العالمي، مع توقعات بأن يتضاعف ليصل إلى نحو 945 تيراواط/ساعة بحلول العام 2030.
ويبرز العكاليك البعد الكثيف للطاقة في الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن تدريب نموذج لغوي متقدم واحد قد يستهلك نحو 50 جيجاواط/ساعة، وهي كمية تكفي لتشغيل مدينة كاملة لأيام عدة. كما أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع سيضاعف الضغط على شبكات الكهرباء، خاصة مع الفارق الكبير في استهلاك الطاقة بين هذه الأدوات ومحركات البحث التقليدية.
أما من حيث المياه، فيوضح أن مراكز البيانات قد تستهلك مئات آلاف الجالونات يومياً، وقد تصل إلى ملايين الجالونات في المنشآت الضخمة، مع توقعات بارتفاع استهلاك المياه المرتبط بالذكاء الاصطناعي بنسبة قد تصل إلى 870 % خلال الأعوام المقبلة، وهو ما يثير مخاوف حقيقية في المناطق التي تعاني أصلاً من شح الموارد المائية.
ويمتد التحليل ليشمل سلاسل التوريد، حيث يشير العكاليك إلى أن ارتفاع تكاليف تصنيع أشباه الموصلات، مدفوعاً بزيادة أسعار الطاقة وتعقيد العمليات، سيؤدي إلى رفع تكلفة الذكاء الاصطناعي نفسه. كما أن توجه البنوك المركزية إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لمواجهة التضخم سيزيد من كلفة تمويل مشاريع البنية التحتية الرقمية، ما قد يبطئ من وتيرة نمو هذا القطاع.
وفي ظل هذه التحديات، يبرز اتجاه جديد نحو "الذكاء الاصطناعي السيادي"، حيث تسعى الدول إلى بناء قدرات حوسبة محلية لضمان استقلالها الرقمي، إلا أن هذا التوجه قد يؤدي إلى زيادة استهلاك الطاقة عالمياً نتيجة تراجع كفاءة الحوسبة المركزية.
كما يشير العكاليك إلى توجه شركات التكنولوجيا الكبرى نحو الاستثمار في الطاقة النووية، خاصة المفاعلات الصغيرة، بهدف تأمين مصادر طاقة مستقرة ونظيفة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وهو ما يعكس تحولاً استراتيجياً في نماذج الأعمال داخل هذا القطاع.
ويؤكد العكاليك أهمية الاستثمار في استقلال الطاقة، وتعزيز حوكمة البيانات كوسيلة لتقليل الهدر الحوسبي، إلى جانب التحول إلى تقنيات التبريد الحديثة، مثل التبريد السائل، لمواكبة متطلبات الجيل القادم من المعالجات.
من جهته، يرى الخبير وصفي الصفدي أن الذكاء الاصطناعي لم يعد قطاعاً تقنياً معزولاً، بل أصبح جزءاً من منظومة عالمية تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والطاقة. ويشير إلى أن صناعة الذكاء الاصطناعي تعتمد على أشباه الموصلات التي تتركز في مناطق جغرافية محدودة، ما يجعلها عرضة للتأثر بالتوترات الدولية، سواء من خلال القيود على التصدير أو إعادة توطين الصناعات أو ارتفاع التكاليف.
ويطرح الصفدي تساؤلاً جوهرياً حول من يملك القدرة على تشغيل الذكاء الاصطناعي في ظل أزمة الطاقة، مشيراً إلى أن توفر الطاقة المستقرة ومنخفضة التكلفة أصبح شرطاً أساسياً للتوسع في هذا المجال، ما يدفع نحو إعادة توزيع مراكز البيانات عالمياً وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة والنووية، مع تدخل أكبر من الحكومات في توجيه الاستثمارات.
كما يحذر من أن توسع مراكز البيانات في مناطق تعاني من شح المياه قد يؤدي إلى منافسة مباشرة على الموارد بين القطاعات المختلفة، ما قد يخلق تحديات اجتماعية واقتصادية معقدة.
وفي المقابل، يؤكد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون جزءاً من الحل، من خلال تحسين كفاءة استخدام الموارد، وتطوير نماذج أكثر كفاءة، وربط الأداء باستهلاك الطاقة والمياه، إلى جانب اعتماد تقنيات تبريد منخفضة الاستهلاك وتعزيز الشفافية في استخدام الموارد.
وفي المحصلة، تكشف هذه المعطيات أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد سباق تقني، بل تحول إلى سباق على الموارد، حيث أصبحت القدرة على تأمين الطاقة والمياه وإدارتهما بكفاءة عاملاً حاسماً في تحديد ملامح الاقتصاد الرقمي العالمي. وفي هذا السياق، فإن الدول التي ستنجح في المرحلة المقبلة ليست فقط تلك التي تمتلك التكنولوجيا، بل تلك التي تستطيع تحقيق التوازن بين الابتكار والاستدامة، وتحويل التحديات إلى فرص ضمن رؤية استراتيجية طويلة الأمد.