هل ينجح تسريع إنشاء"الإقليمي للأمن الغذائي" بتحويل الأردن لمركز بيانات بالمنطقة؟
الغد-عبدالله الربيحات
في وقت يمثل فيه المرصد الإقليمي للأمن الغذائي في الأردن مبادرة إستراتيجية تستجيب لتوجيهات ملكية ورؤية إقليمية، يهدف لتحويل الأردن إلى مركز بيانات وتحليل للأمن الغذائي في المنطقة، أكد خبراء زراعيون أن نجاحه يعتمد على الإسراع في التنفيذ، وبناء القدرات، وضمان التمويل المستدام، ليصبح الأردن بالفعل مركزاً إقليمياً للأمن الغذائي والتغذية، مما يساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وتعزيز الأمن الغذائي في المنطقة.
وقالوا في تصريحات منفصلة لـ"الغد"، إن المرصد يمثل فرصة إستراتيجية لترسيخ مكانة الأردن كمركز إقليمي للأمن الغذائي والتحليل الإستراتيجي، فهو يعزز قدرة المملكة على مواجهة الأزمات الغذائية، ويدعم السياسات الوطنية بالأدلة والبيانات الدقيقة، ويجذب التمويل والشراكات الدولية.
تصاعد تحديات الامن الغذائي
وفي السياق، قال الخبير الدولي في مجال الأمن الغذائي د. فاضل الزعبي، إن السنوات الأخيرة شهدت تصاعداً في التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي في المنطقة العربية، نتيجة لتقلبات أسعار الغذاء العالمية، والأزمات الجيوسياسية، وتداعيات التغير المناخي.
ولفت إلى أن مبادرة جلالة الملك عبد الله الثاني بإطلاق مشروع المرصد الإقليمي للأمن الغذائي في الأردن، جاءت لتكون منصة إقليمية متقدمة لتجميع البيانات وتحليلها وإصدار تقارير دورية تدعم صانعي القرار.
وأضاف: في عام 2021 أعلن جلالة الملك عبد الله الثاني "عام الأمن الغذائي"، مؤكداً على ضرورة تحويل الأردن إلى مركز إقليمي في هذا المجال.
وتابع: في أيلول "سبتمبر" 2022 اجتمع وزراء الزراعة من العراق ولبنان وسورية والأردن لدعم المبادرة الأردنية باستضافة المرصد، ثم في آذار "مارس" 2024، وخلال المؤتمر الإقليمي الـ37 لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو" في عمّان، قُدّم نموذج تجريبي للمرصد بحضور رئيس الوزراء آنذاك.
وزاد: في آذار "مارس" الماضي وُقّع اتفاق رسمي بين وزارة الزراعة و"الفاو" لإطلاق المرصد ضمن برنامج التعاون الفني، ليشمل دول المشرق العربي: الأردن، مصر، العراق، لبنان، فلسطين وسورية. وقال: يهدف المرصد إلى توفير بيانات دقيقة ومحدثة حول مؤشرات الأمن الغذائي والتغذية، وإصدار تقارير تحليلية عن اتجاهات الأسعار والإنتاج والنقل وتوافر الغذاء.
كما يسعى بحسبه إلى تطوير نظم إنذار مبكر لرصد الأزمات المحتملة، وإنشاء قاعدة بيانات سحابية مرتبطة بلوحات المعلومات الخاصة بـ"الفاو" ومراكز إدارة الأزمات، وتعزيز التعاون الإقليمي، وتطوير خطة إقليمية لمراقبة الإنجازات والمخرجات، وربط المرصد بمراكز المعلومات الوطنية مثل وزارة الزراعة ودائرة الإحصاءات العامة ومجلس الأمن الغذائي الأردني.
وتابع، يمثل المرصد فرصة إستراتيجية لترسيخ مكانة الأردن كمركز إقليمي للأمن الغذائي والتحليل الإستراتيجي، فهو يعزز قدرة المملكة على مواجهة الأزمات الغذائية، ويدعم السياسات الوطنية بالأدلة والبيانات الدقيقة، ويجذب التمويل والشراكات الدولية، كما يساهم بتحسين ترتيب الأردن على مؤشر الأمن الغذائي العالمي، ويمنح المملكة دوراً قيادياً في صياغة السياسات الإقليمية المتعلقة بالأمن الغذائي.
وشدد على أن من أبرز الفوائد المتوقعة تحسين الاستجابة للأزمات الغذائية عبر نظم إنذار مبكر، وزيادة الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد الغذائية، وتطوير نظم معلومات إقليمية تخدم الباحثين وصانعي القرار، لافتا إلى أن المرصد سيساهم بتعزيز التعاون بين المؤسسات الوطنية والإقليمية، وتوفير منصة لتبادل المعرفة والخبرات، ودعم أهداف التنمية المستدامة، وخاصة الهدف الثاني "القضاء على الجوع".
وأشار إلى أن إنشاء المرصد يتطلب عدة خطوات عملية، منها تأسيس البنية التحتية التقنية عبر منصات رقمية لجمع وتحليل البيانات، وتدريب الكوادر الوطنية والإقليمية على أدوات التحليل، وتوحيد المؤشرات والمعايير الإحصائية بين الدول المشاركة وتأمين التمويل المستدام عبر شراكات مع منظمات دولية، وإطلاق تقارير دورية لتقييم الوضع الغذائي.
كما يشمل المشروع أنشطة محددة مثل تطوير لوحة معلومات إقليمية، وتنظيم ورش عمل وتدريبات على جمع وتحليل البيانات، وإنشاء بروتوكولات لتبادل البيانات بين الدول، وبناء قاعدة بيانات قوية لإدارة المعلومات، إلى جانب إعداد تقارير نصف سنوية وسنوية عن حالة الأمن الغذائي في دول المشرق.
إدارة المخاطر
من جهته، بيّن وزير الزراعة الأسبق سعيد المصري أن المرصد الإقليمي للأمن الغذائي، الذي يجري العمل عليه اليوم، لا يجب النظر إليه كمجرد منصة لتجميع البيانات، بل كأداة إستراتيجية لإدارة المخاطر في منطقة تواجه تحديات متزايدة في سلاسل الإمداد الغذائي نتيجة التغيرات المناخية والظروف الجيوسياسية والاقتصادية.
وأضاف: تكمن أهمية المرصد في قدرته على الانتقال من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة الاستباق، بحيث يصبح بإمكان صانع القرار أن يتوقع الأزمات قبل وقوعها، سواء فيما يتعلق بنقص الإمدادات أو ارتفاع الأسعار أو اضطراب الأسواق.
وزاد: استضافة الأردن لهذا المشروع تعزز من موقعه كمركز إقليمي لإدارة المعرفة في مجال الأمن الغذائي، ما ينعكس مباشرة على تعزيز القدرة الوطنية في التخطيط المسبق، وبناء مخزون إستراتيجي أكثر كفاءة، واتخاذ قرارات مبنية على بيانات دقيقة ومحدثة.
وقال إن نجاح هذا المشروع يعتمد على أن يكون نظامًا حيًا يعتمد على البيانات اللحظية والتحليل المتقدم، وليس مجرد منصة تقارير تقليدية؛ لأن القيمة الحقيقية له هي في دعم القرار السريع والدقيق، مؤكدًا أنه خطوة مهمة نحو تعزيز السيادة الغذائية، ليس فقط للأردن، بل للمنطقة ككل.
الوصول لبيانات دقيقة
بدوره، أكد الباحث والخبير في الشؤون الزراعية والتنموية د. حسان العسوفي أن المرصد الإقليمي للأمن الغذائي والتغذوي يمثل أداة إستراتيجية متقدمة تُمكّن صناع القرار من الوصول إلى بيانات دقيقة ومحدثة حول واقع الأمن الغذائي في دول المنطقة، مما يعزز القدرة على اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة وليس التقديرات.
وقال إنه يسهم في توحيد منهجيات الرصد والتحليل بين الدول، بما يدعم التنسيق الإقليمي ويرفع كفاءة الاستجابة للتحديات المشتركة.
وأضاف: تكمن أهمية المرصد أيضاً في تعزيز قدرات الإنذار المبكر عبر تتبع مؤشرات المخاطر المرتبطة بالإنتاج والأسواق وسلاسل الإمداد، الأمر الذي يساعد الحكومات على التحرك الاستباقي للحد من أي أزمات محتملة، خاصة في ظل التغيرات المناخية والتقلبات الاقتصادية والجيوسياسية التي تؤثر بشكل مباشر على استقرار الأمن الغذائي.
وأشار إلى أن المرصد يشكل منصة داعمة لبناء سياسات غذائية أكثر كفاءة واستدامة، حيث يتيح تحليل الاتجاهات طويلة المدى وتقييم أثر التدخلات المختلفة، مما يسهم في تحسين إدارة الموارد وتعزيز مرونة النظم الغذائية، ويكرّس دور الأردن كمركز إقليمي فاعل في قيادة جهود الأمن الغذائي على مستوى المنطقة.
وزاد: تبرز أهمية المرصد الإقليمي للأمن الغذائي أردنياً كأداة حيوية لدعم قدرة الدولة على إدارة التحديات المرتبطة بمحدودية الموارد الطبيعية، خاصة في ظل شح المياه وضيق الأراضي الزراعية، إذ يوفّر المرصد بيانات دقيقة تساعد في توجيه الإنتاج الزراعي وتحسين كفاءة استخدام الموارد، بما ينعكس على تعزيز الاكتفاء النسبي واستقرار السوق المحلي.
وبين أن المرصد يسهم في تمكين الأردن من التعامل بمرونة مع التقلبات في سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع الأسعار، من خلال تعزيز أنظمة الإنذار المبكر ورصد المخاطر بشكل استباقي، مما يدعم اتخاذ قرارات سريعة للحد من أي نقص محتمل في السلع الأساسية، ويحافظ على استقرار الأمن الغذائي الوطني.
تقوية العمل الوطني
فيما أكد المستشار الدولي ووزير الزراعة الأسبق د. محمود الدويري، أن وجود المرصد الإقليمي للأمن الغذائي في الأردن سوف يساعد في تقوية العمل الوطني في مجال الأمن الغذائي الذي كرس أهميته جلالة الملك، كما سيعطي أهمية لموضوع الأمن الغذائي في عموم البلدان العربية التي تعاني من نقص في الأمن الغذائي. وأضاف: من أبرز أدوار ومهام المرصد الإقليمي للأمن الغذائي رصد وتحليل البيانات عبر مراقبة مؤشرات الأمن الغذائي والتغذية، والإنتاج والاستهلاك، والتجارة، والمخزونات والاحتياطيات الإستراتيجية. وتابع: كما يعمل على دعم صناع القرار عبر تقديم معلومات تحليلية وتقارير استقرائية تساعد في اتخاذ سياسات استباقية لمواجهة تحديات الأمن الغذائي الناتجة عن التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية أو التغير المناخي.
وشدد على أن المرصد يعمل كنظام إنذار مبكر بحيث يعزز قدرات التنبؤ بالمخاطر الغذائية والأزمات قبل وقوعها، وتبادل الحلول والأبحاث، وخلق منصة لتبادل الحلول التقنية والأبحاث العلمية بين الدول الأعضاء (الأردن، سورية، لبنان، العراق) لتعزيز صمود النظم الغذائية. وزاد: يعمل المرصد على إدارة الفجوة الغذائية، وذلك بجمع وتحليل بيانات الاستهلاك والطلب المحلي لتحديد الفجوة الغذائية وتقديم الحلول المناسبة، وتوظيف التكنولوجيا باستخدام الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، والنماذج الاقتصادية القياسية لإنتاج تحليلات دقيقة.
وكان وزير الزراعة نائب رئيس المجلس الأعلى للأمن الغذائي د. صائب الخريسات، أكد عزم الحكومة الاستمرار بالمشروع خلال اجتماع مع وفد "الفاو"، لبحث مستجدات تنفيذ مشروع المرصد الإقليمي للأمن الغذائي والتغذوي لمنطقة الشرق العربي. وناقش الجانبان التطورات المتعلقة بالمشروع، الذي يُعد منصة إستراتيجية لتعزيز التعاون الإقليمي في رصد وتحليل مؤشرات الأمن الغذائي، وتوفير بيانات دقيقة ومحدثة تدعم صناع القرار في تبني سياسات فعالة واستباقية.
وتطرق اللقاء إلى أبرز التحديات والعقبات التي تواجه تنفيذ المشروع، حيث تم الاتفاق على تكثيف العمل المشترك لإيجاد الحلول المناسبة، بما يضمن تسريع وتيرة التنفيذ وتحقيق الأهداف المرجوة.