الذكاء الاصطناعي: فئات أكثر عرضة لخطر التجسس.. ما سبل الحماية؟
الغد-إبراهيم المبيضين
بنقرة زر واحدة، تظهر الإجابة على الشاشة في غضون ثانية واحدة، هكذا تبدأ القصة كل يوم؛ ملايين المستخدمين حول العالم يكشفون ما في أنفسهم لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، يشاركونها أفكارهم، مسودات أعمالهم، وحتى بعض تفاصيل مشاعرهم.
لكن خلف هذا البريق التقني والأناقة الرقمية، يقبع وحش لا يشبع، يتغذى على كل حرف وصورة وصوت، فهل نحن أمام ثورة تسهل حياتنا، أم أننا نسلم مفتاح خصوصيتنا طواعية لـ “جاسوس رقمي” فائق الذكاء؟
في خلفية عالم الخوارزميات، لا شيء يمر مجاناً، فعندما تطلب من تطبيق ذكي صياغة رسالة أو تعديل صورة، فإنك لا تحصل على خدمة فحسب، بل تدفع ثمنها من بياناتك،لأن هذه التطبيقات تجمع كل ما ترفعه من ملفات وتسجيلات، وتتسلل برفق لتعرف نوع جهازك، وعنوان الإنترنت الخاص بك، وموقعك الجغرافي، وإذا منحتها الصلاحية، فستقرأ بريدك وتفتش في جهات اتصالك وتقويمك.
خبراء محليون في الشأن التقني يؤكدون أن الشركات التقنية التي تنتج أبرز تطبيقات الذكاء الاصطناعي تبرر جمع البيانات الدائم برغبتها في “تحسين الأداء” وفهم سياق كلامك وتخصيص تجربتك واكتشاف السلوكيات الضارة.
بيد أن الخبراء أشاروا إلى أن الحقيقة التي تخفيها سطور “سياسة الخصوصية” الطويلة، هي أن هذه البيانات تتحول غالباً إلى مادة خام لتدريب نماذج جديدة، أو وقود للإعلانات الموجهة التي تلاحقك أينما ذهبت.
وقال الخبراء: “جمع البيانات واحتماليات تعرضها للخطر لم يعد يقتصر على شخص أو فئة بعينها، بل يعتمد على قيمة البيانات التي يمتلكها المستخدم أو المؤسسة، ومع ذلك، تبقى بعض الفئات أكثر عرضة للمخاطر، ومنها كبار المسؤولين التنفيذيين، وصناع القرار، والموظفون الذين يمتلكون صلاحيات واسعة، والعاملون في القطاعات المالية والصحية والحكومية، إضافة إلى الصحفيين، ورواد الأعمال، والباحثين، والأكاديميين”.
وأكدوا أنه في عصر الذكاء الاصطناعي، لم تعد البيانات مجرد معلومات، بل أصبحت مورداً إستراتيجياً يعادل في قيمته الأصول المالية والفكرية. وكلما توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، أصبحت حماية البيانات مسؤولية مشتركة بين الأفراد، والمؤسسات، والحكومات، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة لتعزيز الإنتاجية والابتكار، لكنه يتطلب في المقابل ثقافة رقمية، وحوكمة فعالة، وأمناً سيبرانياً يواكب سرعة تطور هذه التقنيات.
في الأردن صدر قانون حماية البيانات الشخصية رقم (24) لسنة 2023، ودخل حيز التنفيذ الفعلي بتاريخ 17 آذار(مارس) 2024، وتتولى وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة الإشراف على الالتزام بأحكامه.
الخبير في مجال الأعمال الإلكترونية أ.د. أحمد غندور قال إن “تطبيقات الذكاء الاصطناعي البيانات تحتاج إلى فهم ما نطلبه، وتقديم إجابات مناسبة، وتخصيص الخدمة، وتحسين أداء النماذج، واكتشاف الاستخدام الضار وقد تشمل هذه البيانات النصوص والصور والملفات والتسجيلات التي نرفعها، إضافة إلى معلومات الجهاز، وعنوان الإنترنت، والموقع التقريبي، وسجل الاستخدام، وربما البريد وجهات الاتصال والتقويم عندما نمنح التطبيق صلاحية الوصول إليها وقد تستخدم بعض الشركات هذه البيانات أيضاً في التحليل أو الإعلان أو تدريب النماذج بحسب سياسة الخصوصية ونوع الحساب المستخدم”.
ويرى غندور أن البيانات “ ليست آمنة بالدرجة نفسها في جميع التطبيقات”، لافتا إلى أن مستوى الأمان يعتمد على طريقة التشفير، ومكان تخزين البيانات، ومدة الاحتفاظ بها، والجهات التي تستطيع الوصول إليها، وما إذا كانت الشركة تستخدم المحادثات في تدريب نماذجها أو تشاركها مع أطراف أخرى”.
وقال غندور: “البيانات قد تتعرض للخطر بسبب اختراق المنصة، أو سرقة كلمة المرور، أو استخدام تطبيق مزيف، أو منح صلاحيات غير ضرورية، أو إدخال معلومات حساسة في خدمة عامة، لذلك لا ينبغي أن نعامل تطبيق الذكاء الاصطناعي بوصفه مكاناً خاصاً، بل كطرف خارجي قد يحتفظ بالمعلومات التي نقدمها له”.
وحول الفئات الأكثر عرضة لجمع بياناتها واستهدافها، أوضح غندور قائلا : “يتعرض الأطفال واليافعون للاستهداف بسبب كثرة ما ينشرونه وضعف إدراكهم للعواقب، بينما يستهدف المحتالون كبار السن برسائل التخويف والاحتيال المالي، كما يستهدفون الموظفين والمديرين وأصحاب الصلاحيات المالية لأنهم يستطيعون تحويل الأموال أو الوصول إلى الأنظمة وبيانات العملاء، ويتعرض الأطباء والأكاديميون والمحامون والموظفون الحكوميون للخطر بسبب ما يملكونه من معلومات صحية وبحثية وقانونية ومؤسسية، كما تتعرض الشخصيات العامة وصناع المحتوى للاستهداف لأن صورهم وأصواتهم ومعلوماتهم متاحة ويمكن استخدامها في انتحال الهوية وصناعة تسجيلات مزيفة، يختار المهاجم عادة الشخص الذي يملك بيانات أو أموالاً أو صلاحيات يمكن استغلالها”.
ولحماية البيانات، نصح غندور بعدم إدخال كلمات المرور وأرقام الهوية والحسابات المصرفية والسجلات الصحية وبيانات الطلبة والعملاء والعقود السرية في أدوات الذكاء الاصطناعي، مع إزالة أسماء الأشخاص وأي تفاصيل تكشف هويتهم قبل رفع الملفات، كما نصح باستخدام تطبيقات موثوقة ومعتمدة، ومراجعة إعدادات الخصوصية، وإيقاف استخدام المحادثات في التدريب عندما يتوفر هذا الخيار، واستخدام كلمة مرور مختلفة لكل حساب، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل، وتحديث الأجهزة والتطبيقات، ومراجعة صلاحيات الكاميرا والميكروفون والموقع وجهات الاتصال.
وأضاف غندور: “يجب عدم الوثوق بأي طلب مالي عاجل يصل عبر رسالة أو صوت أو فيديو قبل التحقق منه من خلال قناة أخرى، وعدم الضغط على الروابط المفاجئة، والفصل بين حسابات العمل والحسابات الشخصية، وتقليل المعلومات المنشورة عن الأسرة والعمل والسفر، القاعدة الأساسية هي أن تمنح التطبيق أقل قدر من البيانات والصلاحيات اللازمة للمهمة”.
وأكد الخبير في مجال حوكمة البيانات الدكتور حمزة العكاليك أن حماية البيانات تعد شرياناً رئيسياً يمس السيادة الوطنية والاستقرار الاقتصادي والكرامة الإنسانية للأفراد”، مشيرا إلى أن البيانات أصبحت هي النفط الجديد والمحرك الأساسي لتدريب خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتطوير قدراتها التحليلية والتنبئية.
وأضاف العكاليك “الخطر اليوم لا يكمن فقط في كيفية التقاط هذه البيانات بل في الطرق غير المرئية التي يتم بها تجميعها وإعادة تركيبها واستخدامها بطرق تتجاوز أحياناً الأطر التنظيمية والقانونية التقليدية”.
وبين العكاليك أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تجمع كميات هائلة من البيانات لسبب جوهري؛ فالذكاء الاصطناعي بطبيعته قائم على التعلم العميق وكلما تغذت النماذج على كميات أكبر من البيانات الحقيقية والدقيقة أصبحت أكثر قدرة على فهم السلوك البشري والتنبؤ بالاتجاهات المستقبلية، وتتنوع هذه البيانات بين نصوص مطبوعة وسجلات تصفح وبصمات صوتية حيوية وتفضيلات استهلاكية وصولاً إلى البيانات الحساسة المتعلقة بالموقع الجغرافي والصحة والبيانات المالية، وأما عن السؤال الجوهري حول مدى أمان هذه البيانات فالإجابة الإستراتيجية تشير إلى أن البيانات المخزنة ضمن بيئات الذكاء الاصطناعي ليست في أمان مطلق، فعملية جمع البيانات والمعالجة المستمرة في السحابة تفتح ثغرات واسعة للهجمات السيبرانية العابرة للحدود فضلاً عن مخاطر تسريب البيانات عبر هجمات استخراج النماذج والهندسة العكسية حيث يمكن للهجمات الخبيثة إعادة بناء بيانات التدريب الأصلية واستعادتها من داخل النموذج الذكي نفسه.
وأضاف قائلا: “في هذا المشهد المتسارع تتفاوت مستويات الاستهداف بين فئات المجتمع المختلفة، إلا أن هناك فئات تعد الأكثر عرضة للتأثيرات المباشرة، فالأطفال وصغار السن يعتبرون في مقدمة هذه الفئات نظراً لتفاعلهم النشط مع منصات الألعاب والتعليم التفاعلي المدعومة بالذكاء الاصطناعي مما يجعلهم صيداً سهلاً لجمع بياناتهم السلوكية دون إدراك كامل للمخاطر، يلي ذلك كبار السن الذين يفتقرون غالباً للوعي الرقمي الكافي للتمييز بين تطبيقات الذكاء الاصطناعي الموثوقة والمنصات الاحتيالية المدعومة بأساليب التزييف العميق والهندسة الاجتماعية. وأما إستراتيجياً، فتشكل الكوادر المهنية العاملة في القطاعات الحساسة مثل الرعاية الصحية والقطاع المالي والمؤسسات السيادية فئة عالية الخطورة؛ إذ يؤدي استهداف بياناتهم الشخصية والمهنية إلى فتح ثغرات تخترق منظومات الأمان في المؤسسات الكبرى وتؤدي إلى تسريب أسرار صناعية وسيادية عالية الأهمية”.
ولتطبيق رؤية شاملة لحماية البيانات، قال العكاليك إن الأمر سيلزمه تبني إستراتيجية متعددة المستويات تشمل الأفراد والشركات والحكومات. فعلى مستوى الأفراد يبدأ الدفاع بمنهجية الحد الأدنى من البيانات أي عدم مشاركة المعلومات الحساسة أو البيانات الشخصية الفريدة مع أي أدوات ذكاء اصطناعي تفاعلية دون التأكد من سياسات الخصوصية وشروط المعالجة. وأما على مستوى الشركات والمؤسسات فيتطلب الأمر تطبيق حوكمة صارمة للتحول الرقمي تعتمد مفهوم الخصوصية والأمان منذ التصميم إلى جانب تبني تقنيات التعلم الموحد وتقنيات التشفير المتطورة فضلاً عن إجراء تدقيق سيبراني دوري لضمان عدم تسرب بيانات العملاء إلى نماذج الذكاء الاصطناعي العامة.
وعلى المستوى الحكومي والسياسي يجب سد الفجوات التشريعية عبر سن قوانين صارمة تحاكي لائحة حماية البيانات العامة مع وضع أطر حوكمة وطنية ملزمة لتطوير واستخدام الذكاء الاصطناعي وتأسيس مراكز سيبرانية وطنية للرصد المبكر والاستجابة للحوادث. وأكد أن حماية البيانات في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد خياراً تقنياً يمكن إرجاؤه، بل هي معركة حاسمة لتشكيل المستقبل الرقمي وصيانة حريات المجتمعات وأمن المؤسسات. فالتردد في إرساء أطر حوكمة قوية وتأخير تبني ضوابط الأمان السيبراني المتطورة اليوم يعني تسليم مفاتيح أمننا الرقمي لتقنيات تتطور بسرعة تفوق قدرتنا على الاحتواء.
ومن جانبه، أكد الخبير في مجال الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي م.هاني البطش أن الذكاء الاصطناعي أصبح يعتمد بشكل أساسي على البيانات، لذلك أصبحت حماية البيانات جزءاً من الأمن الشخصي والاقتصادي والوطني ولا تقتصر الحماية على استخدام برامج مكافحة الفيروسات، بل تبدأ من وعي المستخدم بما يشاركه مع التطبيقات والمنصات.
ودعا البطش المستخدمين إلى تجنب إدخال المعلومات الحساسة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مثل كلمات المرور، والبيانات المالية، والوثائق الرسمية، والسجلات الطبية، والمعلومات السرية الخاصة بالعمل، كما يُنصح باستخدام كلمات مرور قوية، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل، ومراجعة أذونات التطبيقات بشكل دوري، وقراءة سياسات الخصوصية قبل استخدام أي خدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
وأضاف البطش أن المؤسسات، يجب أن تتعامل مع البيانات باعتبارها أحد أهم أصولها الإستراتيجية من خلال تصنيف البيانات، وتحديد ما يجوز مشاركته مع أدوات الذكاء الاصطناعي وما يجب أن يبقى داخل بيئة المؤسسة، مع تطبيق ضوابط الحوكمة والتشفير وإدارة الهوية والوصول.
وأضاف البطش أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تعتمد على البيانات لتقديم خدمات أكثر دقة وتخصيصاً، مثل فهم طلبات المستخدم، وتحسين جودة الإجابات، واكتشاف الأخطاء، وتطوير النماذج، وحماية الأنظمة من إساءة الاستخدام. لكن تختلف طريقة استخدام البيانات من شركة إلى أخرى، لذلك يجب على المستخدم الاطلاع على سياسة الخصوصية وإعدادات الخدمة التي يستخدمها.
وزاد: “لا يمكن القول إن جميع البيانات في أمان أو أنها غير آمنة؛ فذلك يعتمد على ممارسات مزود الخدمة، ومستوى الحماية التقنية، والالتزام بالتشريعات، وكيفية استخدام البيانات والاحتفاظ بها بحسب البطش الذي قال إن المعايير الدولية مثل NIST AI Risk Management Framework وISO/IEC 42001 وISO/IEC 27001 توصي بأن تتبنى المؤسسات مبدأ “الحد الأدنى من جمع البيانات”، والشفافية، وإدارة المخاطر، وحماية الخصوصية طوال دورة حياة أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وأشار البطش إلى أن الاستهداف لا يقتصر على شخص أو فئة بعينها، بل يعتمد على قيمة البيانات التي يمتلكها المستخدم أو المؤسسة، ومع ذلك، تبقى بعض الفئات أكثر عرضة للمخاطر، ومنها كبار المسؤولين التنفيذيين، وصناع القرار، والموظفون الذين يمتلكون صلاحيات واسعة، والعاملون في القطاعات المالية والصحية والحكومية، إضافة إلى الصحفيين، ورواد الأعمال، والباحثين، والأكاديميين.
وقال: “لم يعد الأطفال وكبار السن من الفئات الأكثر عرضة للاحتيال والهندسة الاجتماعية نتيجة محدودية الخبرة التقنية أو سهولة التأثر بالمحتوى المزيف، إذ أصبحت الشركات الصغيرة والمتوسطة هدفاً متزايداً للهجمات الإلكترونية، لأنها غالباً لا تمتلك الموارد الأمنية نفسها التي تمتلكها المؤسسات الكبرى، فمع تطور الذكاء الاصطناعي، أصبحت الهجمات أكثر إقناعاً من خلال الرسائل الاحتيالية، وتقليد الأصوات، وإنشاء الصور والفيديوهات المزيفة، وتحليل البيانات المسربة لاستهداف الضحايا بدقة أكبر”.
وحول آليات الحماية، قال البطش: “على مستوى الأفراد: ينبغي عدم مشاركة أي معلومات حساسة مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلا عند الضرورة، واستخدام الخدمات الموثوقة، وتحديث الأجهزة باستمرار، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل، والتحقق من صحة الرسائل والروابط قبل التفاعل معها، خاصة مع تزايد المحتوى الاصطناعي المزيف”.
وأشار إلى أنه على مستوى الشركات: يجب وضع سياسة واضحة لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتدريب الموظفين على الاستخدام الآمن، ومنع إدخال البيانات السرية في التطبيقات العامة غير المعتمدة، وتطبيق تقنيات منع تسرب البيانات (Data Loss Prevention)، والتشفير، وإدارة الهوية والوصول، ومراقبة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسة، مع الالتزام بأطر الحوكمة والمعايير الدولية”.
وأما على مستوى الحكومات، فقد أكد البطش أهمية تطوير تشريعات متوازنة لحماية البيانات والخصوصية، ووضع أطر وطنية لحوكمة الذكاء الاصطناعي، وتعزيز الأمن السيبراني، والاستثمار في البنية التحتية الرقمية الآمنة، وبناء القدرات الوطنية، وإطلاق برامج توعية مجتمعية، وتشجيع المؤسسات على تبني معايير مثل ISO/IEC 42001 وISO/IEC 27001 وNIST AI Risk Management Framework لضمان الاستخدام المسؤول والآمن للذكاء الاصطناعي.