أخبار سوق عمان المالي / أسهم
 سعر السهم
Sahafi.jo | Rasseen.com

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
  • آخر تحديث
    08-Mar-2026

بناء درع سيبراني.. ضرورة لمواجهة اضطرابات الإقليم

 الغد-إبراهيم المبيضين

 في الوقت الذي تشتعل فيه جبهات القتال في المنطقة وتتصاعد حدة المواجهة بين الحلف (الأميركي-الإسرائيلي) وإيران، برزت ساحة حرب خفية لا تعترف بالحدود الجغرافية.. "الفضاء السيبراني". حيث لم يكن الأردن بمعزل عن هذه الشظايا الرقمية، عندما تعرضت مؤسسات وطنية مؤخراً لسلسلة من الهجمات الممنهجة، ما جعل من تعزيز "السيادة السيبرانية" ضرورة وجودية لا ترفاً تقنياً.
 
 
ويرى خبراء أن الأردن، بموقعه الاستراتيجي ومواقفه السياسية المتوازنة، يجد نفسه في مرمى نيران "البرمجيات الخبيثة" التي تطلقها أطراف النزاع الإقليمي. فالهجمات التي نُسبت لمجموعات مرتبطة بجهات إقليمية تهدف بوضوح إلى زعزعة الاستقرار الداخلي، واختبار صلابة الجبهة الرقمية الأردنية في ذروة الأزمات، حيث دعا الخبراء الحكومة والمؤسسات والمواطن والموظف الحكومي على حد سواء، إلى اليقظة في ظل هذه الظروف والتحوط والحرص لدى التعامل في الفضاءات الرقمية، مؤكدين أن بناء "درع سيبراني" منيع، يتطلب تكاتفاً بين صانع القرار، المؤسسات الأمنية، والمواطن الواعي، لضمان بقاء المملكة واحة استقرار في محيط رقمي ومادي مضطربين.
وتمكنت الفرق الفنية المختصة في المركز الوطني للأمن السيبراني الاثنين الماضي، من إحباط محاولة اختراق سيبراني لنظام إدارة صوامع القمح في الشركة العامة الأردنية للصوامع والتموين، على ما أعلن المركز الوطني للأمن السيبراني. 
الحروب لم تعد تقتصر على الأسلحة التقليدية
وقال الخبير في مضمار الأمن السيبراني الدكتور عمران سالم "إن الحروب في العصر الحديث لم تعد تقتصر على الأسلحة التقليدية (الدبابات، الطائرات والصواريخ)، بل أصبحت تمتد إلى مجال غير مرئي يُعرف بالفضاء السيبراني"، مشيرا إلى أن هذا الفضاء، الذي يشمل شبكات الحاسوب والإنترنت وأنظمة الاتصالات، أصبح ساحة مواجهة حقيقية بين الدول والجهات المختلفة.
وقال سالم: "فاليوم يمكن لدولة أو جهة معادية أن تعطل شبكة كهرباء كاملة، أو توقف نظامًا مصرفيًا، أو تنشر الفوضى بين المواطنين، وكل ذلك من دون عبور الحدود أو إطلاق رصاصة واحدة".
وأضاف واصفا المشهد من هنا، أصبح الأمن السيبراني عنصرًا أساسيًا في حماية الدول والمجتمعات، خاصة خلال الأزمات والحروب. 
الأمن السيبراني يحمي البنية التحتية الحيوية
وأوضح سالم أن أهمية الأمن السيبراني تظهر في كونه يحمي البنية التحتية الحيوية التي يعتمد عليها المجتمع بشكل كامل. فالمستشفيات، والمطارات، وأنظمة الكهرباء والمياه، وشبكات الاتصالات، كلها تدار اليوم عبر أنظمة رقمية وأن أي اختراق لهذه الأنظمة قد يؤدي إلى توقف الخدمات الأساسية، ما يؤثر بشكل مباشر على حياة المواطنين وسلامتهم. لافتا إلى أنه في وقت الحرب أو الأزمة، قد يكون الهدف من الهجمات السيبرانية ليس فقط إلحاق الضرر التقني، بل خلق حالة من الفوضى والارتباك وإضعاف قدرة الدولة على إدارة الأزمة.
واضاف سالم، كما يلعب الأمن السيبراني دورًا مهمًا في حماية الأنظمة العسكرية والأمنية. تعتمد الجيوش الحديثة بشكل كبير على الأنظمة الرقمية لإدارة العمليات والتواصل بين الوحدات وتحليل المعلومات. إذا تمكن المهاجم من اختراق هذه الأنظمة، فقد يحصل على معلومات حساسة، أو يعطل الاتصالات، أو حتى يضلل صناع القرار. وهذا قد يمنح الطرف المهاجم ميزة استراتيجية كبيرة، من دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة. 
وأكد أن الخطر لا يقتصر على الجوانب العسكرية فقط، بل يمتد إلى الاقتصاد والنظام المالي. فالهجمات السيبرانية التي تستهدف البنوك وأنظمة الدفع يمكن أن تؤدي إلى تعطيل المعاملات المالية، أو سرقة الأموال، أو إثارة الذعر بين المواطنين. الاقتصاد الحديث يعتمد بشكل كبير على الثقة في الأنظمة الرقمية، وأي خلل في هذه الثقة قد يؤدي إلى آثار خطيرة على الاستقرار الاقتصادي.
المعلومات المضللة
وأشار سالم، إلى أنه من أخطر جوانب الحرب السيبرانية أيضًا، استخدام المعلومات المضللة كأداة للتأثير النفسي. حيث يمكن للمهاجمين اختراق حسابات رسمية أو إنشاء حملات إعلامية مزيفة لنشر أخبار كاذبة، بهدف إثارة الخوف أو فقدان الثقة في المؤسسات. هذا النوع من الهجمات يستهدف وعي المجتمع واستقراره النفسي، وليس فقط أنظمته التقنية.
وقال: "في الواقع، يزداد خطر الهجمات السيبرانية بشكل كبير أثناء الأزمات والحروب. ويرجع ذلك إلى أن هذه الفترات تمثل فرصة للمهاجمين لاستغلال حالة التوتر والانشغال العام. كما أن الهجمات السيبرانية تُعد منخفضة التكلفة مقارنة بالعمليات العسكرية التقليدية، لكنها قد تحقق تأثيرًا كبيرًا. إضافة إلى ذلك، فإن تحديد مصدر الهجوم السيبراني غالبًا ما يكون صعبًا، مما يجعل الرد عليه أكثر تعقيدًا. كما تنشط خلال الحروب مجموعات قرصنة تدعم أطرافًا مختلفة، سواء بدوافع سياسية أو مالية، مما يزيد حجم التهديد.
مسؤولية مواجهة التهديدات السيبرانية في الأزمات
وحول مسؤولية الأمن السيبراني يرى سالم، أنه في مواجهة هذه التهديدات، تقع مسؤولية كبيرة على عاتق الحكومات. حيث إنه على الدول تطوير استراتيجيات وطنية قوية للأمن السيبراني، وتأمين البنية التحتية الحيوية، وإنشاء فرق متخصصة لرصد التهديدات والاستجابة لها بسرعة. كما يجب الاستثمار في تدريب الكوادر الوطنية وتطوير التشريعات التي تحمي الفضاء الرقمي. فالأمن السيبراني أصبح جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي.
كما تتحمل المؤسسات مسؤولية مهمة في حماية أنظمتها وبياناتها. يجب عليها تطبيق سياسات أمنية قوية، وتحديث أنظمتها باستمرار، وإنشاء نسخ احتياطية للبيانات، وتدريب موظفيها على الوعي الأمني. فكثير من الهجمات تبدأ من خطأ بشري بسيط، مثل الضغط على رابط ضار أو استخدام كلمة مرور ضعيفة. 
أما عن الأفراد، فيرى سالم أنهم يمثلون خط الدفاع الأول في كثير من الأحيان. يجب على كل شخص أن يكون واعيًا بالمخاطر السيبرانية، وأن يستخدم كلمات مرور قوية، ويفعل وسائل الحماية الإضافية مثل المصادقة الثنائية، ويتجنب فتح الروابط المشبوهة أو نشر معلومات حساسة. كما يجب الاعتماد على المصادر الرسمية للحصول على المعلومات، خاصة خلال الأزمات، لتجنب الوقوع ضحية للأخبار المضللة.
في الأزمات والحروب ترتفع مخاطر الأمن السيبراني
إلى ذلك، أكد خبير حوكمة البيانات والتحول الرقمي الدكتور حمزة العكاليك أنه في الأزمات والحروب، يرتفع الخطر السيبراني بنسبة تصل إلى 800 %، لأن العدو يسعى لضرب الأعصاب الحيوية للدولة من دون إطلاق رصاصة واحدة. وقال: "تاريخياً، رأينا كيف تسببت برمجية NotPetya في خسائر عالمية تجاوزت 10 مليارات دولار، وكيف تم استهداف شبكة الكهرباء في أوكرانيا لتعطيل الحياة العامة". فالحرب السيبرانية تزداد ضراوة في النزاعات لأنها سلاح منخفض التكلفة، عالي الأثر، وصعب التتبع، حيث يتم استهداف البنية التحتية الحرجة (المستشفيات، محطات المياه، والاتصالات) لزعزعة الثقة الشعبية، وشل قدرة الدولة على اتخاذ القرار، مما يحول الفضاء الرقمي إلى خط المواجهة الأول والشرس".
واضاف العكاليك أمام هذا الطوفان الرقمي، لا تملك الحكومات والمؤسسات رفاهية الانتظار؛ فالمطلوب فوراً هو الانتقال من عقلية رد الفعل إلى استراتيجية "الدفاع الاستباقي. فعلى الحكومات بناء سيادة رقمية عبر منصات وطنية مشفرة وتفعيل غرف عمليات سيبرانية تعمل بنظام (24/7) لرصد التهديدات قبل وقوعها، مع ضرورة سن تشريعات تفرض على القطاعات الحيوية معايير أمنية صارمة. أما المؤسسات، فعليها الاستثمار في أنظمة Zero Trust (لا تثق بأحد أبداً) وتدريب الكوادر على كشف التصيد الاحتيالي الذي يمثل ثغرة الدخول لـ90 % من الهجمات. وبالنسبة للأفراد، فإن الوعي هو خط الدفاع الأساس؛ فاستخدام المصادقة الثنائية (MFA) وتجنب تداول الأخبار المضللة عبر المنصات الرقمية يمنع العدو من استغلال الثغرات البشرية لإثارة الذعر أو اختراق الخصوصية الوطنية".
وأكد العكاليك أن الحقيقة التي يجب أن ندركها الآن هي أن أمننا الرقمي ليس خياراً تقنياً، بل هو واجب وطني وأخلاقي في زمن الأزمات. وإذا لم تتحرك المؤسسات اليوم لتأمين بياناتها، فإنها لا تخسر معلوماتها فحسب، بل تسلم مفاتيح حصونها للخصوم.
وكانت هيئة تنظيم قطاع الاتصالات، حذرت جميع المستفيدين من خدمات الاتصالات من رسائل أو مكالمات تنتحل صفة جهات وطنية ورسمية، تصل عبر البريد الإلكتروني أو الرسائل النصية أو تطبيقات التراسل، تدّعي التسجيل للملاجئ أو توفير إمدادات صحية أو غذائية، مستغلةً الأوضاع الراهنة.
تقارير دولية
ومن جانبه، قال الخبير في مجال الاتصالات والتقنية وصفي الصفدي "إن تقارير صادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي تؤكد تصاعد استهداف البنى التحتية الحيوية خلال النزاعات"، فيما يشير الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن مستوى الجاهزية الرقمية للدول بات عاملاً حاسماً في قدرتها على الصمود. وما شهدته أوكرانيا منذ العام 2022 يوضح كيف ترافقت العمليات العسكرية مع هجمات إلكترونية استهدفت شبكات الطاقة والاتصالات، بهدف تعطيل الخدمات والتأثير في المعنويات وإدارة المعلومات. من هنا يتبين أن الأمن السيبراني لم يعد شأناً تقنياً محدوداً، بل ركيزة أساسية من ركائز الأمن الوطني.
ويرى الصفدي، أن الاستجابة لهذا الواقع تتطلب منظومة متكاملة تبدأ بالحكومات ولا تنتهي عند الأفراد. فالدولة مطالبة بوضع استراتيجية وطنية واضحة لحماية الأنظمة الحيوية، وتحديد القطاعات الأكثر حساسية، وبناء فرق متخصصة للرصد المبكر والاستجابة السريعة، إضافة إلى تحديث التشريعات لحماية البيانات وإلزام المؤسسات بمعايير أمنية صارمة. وأما المؤسسات العامة والخاصة، فعليها تحصين شبكاتها، وفصل الأنظمة الحساسة عن الشبكات العامة، والاحتفاظ بنسخ احتياطية آمنة، وتدريب موظفيها على كشف الرسائل الاحتيالية، ووضع خطط لاستمرارية العمل تضمن استمرار الحد الأدنى من الخدمات عند وقوع أي اختراق.
نصائح للمستخدم
وعلى مستوى الأفراد، فإن الالتزام بحسب الصفدي يشمل تحديث الأجهزة، واستخدام كلمات مرور قوية ومتعددة، وتفعيل وسائل تحقق إضافية، والتثبت من الأخبار قبل نشرها، يمثل خط دفاع أول يحد من انتشار الهجمات أو التضليل. ويزداد الخطر في زمن الحروب لأن الهجوم الإلكتروني أقل كلفة من المواجهة المباشرة، ويمكن تنفيذه عن بعد، ويتيح إحداث اضطراب واسع دون دمار مادي ظاهر، إضافة إلى استخدامه للتأثير في الرأي العام وبث الشائعات.
وقال "إنه لحماية المنشآت الحيوية وضمان استمرارها، فذلك يتطلب رؤية استباقية تقوم على بناء أنظمة مرنة قادرة على التعافي السريع". ويشمل ذلك تشفير البيانات الحساسة، وتقسيم الشبكات لمنع انتشار الاختراق، وإنشاء مراكز تشغيل بديلة يمكنها تولي العمل عند تعطل المركز الرئيسي، وإجراء اختبارات دورية لخطط الطوارئ للتأكد من جاهزيتها.
واستعرض تجربة إستونيا بعد الهجمات التي تعرضت لها العام 2007، حيث تقدم نموذجاً واضحاً لكيفية تحويل الأزمة إلى فرصة لبناء بنية رقمية أكثر صلابة واستدامة، من خلال الاستثمار في النسخ الاحتياطية وتعزيز التنسيق بين القطاعين العام والخاص. كما يبرز دور الأمم المتحدة في الدعوة إلى قواعد دولية تحمي البنى التحتية المدنية من الاستهداف أثناء النزاعات. والخلاصة أن الأمن السيبراني في زمن الأزمات هو منظومة حماية شاملة تضمن استمرار الخدمات الأساسية، وتحافظ على استقرار المجتمع، وتعزز قدرة الدولة على الصمود أمام أخطر التحديات.