الغد-طارق الدعجة
في ظل ما فرضته مجموعة التحديات الإقليمية الراهنة من ضغوط على سلاسل التوريد العالمية تبرز أهمية تعزيز التكامل والترابط بين القطاعات الصناعية والإنتاجية المختلفة كأحد أبرز أدوات تحقيق الاكتفاء الذاتي، بحسب معنيين في القطاع.
وبين هؤلاء لـ"الغد" أن التكامل والترابط الصناعي يعتبر ركيزة أساسية لتعزيز الاعتماد على المدخلات المحلية، وتقليل المخاطر المرتبطة بالتقلبات الخارجية.
ويعرف الترابط بين القطاعات الصناعية على أنه اعتماد المصانع على بعضها البعض في إنتاج مدخلات الإنتاج بما يعزز التكامل الصناعي واستدامة الإنتاج وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
ويضم القطاع قرابة 17 ألف منشأة صناعية وحرفية توظف نحو 268 ألف عامل، وينتج ما يقارب 1500 سلعة، ويصدر نحو 1400 سلعة متنوعة من إجمالي 5300 سلعة منتجة ومتداولة في العالم.
وتصل منتجات القطاع إلى أسواق 150 دولة حول العالم، فيما ارتفعت قيمة الصادرات الصناعية خلال العام الماضي بنسبة 10.2 % لتصل إلى 8.9 مليار دينار مقارنة بـ8.07 مليار دينار خلال الفترة نفسها من العام 2024.
الجغبير: الترابط الصناعي يخفض كلف الإنتاج ويعزز الصادرات
بدوره، أكد رئيس غرفة صناعة الأردن المهندس فتحي الجغبير، أن الترابط الصناعي في الأردن شهد تقدما ملموسا خلال السنوات الأخيرة، ما أسهم في بناء شبكات أكثر تكاملا بين المصانع والموردين المحليين، وعزز من قدرة القطاع الصناعي على تحقيق استدامة الإنتاج وتقليل الاعتماد على الخارج.
وقال الجغبير: "هذا التقدم برز بشكل واضح في قطاعات مثل الصناعات الغذائية والكيماوية، التي طورت علاقات متقدمة مع الموردين المحليين للمواد الخام والمكونات الأساسية، الأمر الذي ساهم في استقرار سلاسل التوريد واستمرارية الإنتاج حتى في ظل التحديات الإقليمية".
وأضاف، إن أهمية هذه الترابطات تعاظمت في ظل التطورات التي أثرت على حركة الملاحة العالمية، حيث أظهرت الصناعة الأردنية قدرة على امتصاص الصدمات والحفاظ على استمرارية الإنتاج، مشيرا إلى أن التكامل الصناعي يشمل تبادل المعرفة والتقنيات ورفع كفاءة العمليات الإنتاجية، بما يعزز جودة المنتجات وقدرتها التنافسية.
وبين أن بعض الصناعات، خاصة المتقدمة والتقنية، ما تزال تعتمد بدرجة أكبر على المدخلات المستوردة، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، وهو ما يستدعي الاستمرار في تعميق الترابطات الصناعية باعتبارها ركيزة للأمن الصناعي والاقتصادي.
الصناعات الغذائية تغطي 65 % من احتياجات السوق المحلي
وأوضح الجغبير أن الترابطات الصناعية تؤدي دورا محوريا في تعزيز الاكتفاء الذاتي، من خلال تمكين المصانع من تأمين مدخلات الإنتاج محليا، ما يقلل من تأثرها باضطرابات سلاسل التوريد العالمية، لافتا إلى أن قطاع الصناعات الغذائية يغطي ما بين 62 إلى 65 % من احتياجات السوق المحلي، إلى جانب قطاعات الكيماويات والبلاستيك التي طورت منتجات تعتمد على مدخلات محلية وتحقق قيمة مضافة مرتفعة.
وأشار إلى أن هذه الترابطات تسهم كذلك في رفع تنافسية المنتجات الوطنية من خلال خفض كلف الإنتاج وتحسين الجودة، نتيجة تقليل الاعتماد على الاستيراد وتقليص كلف النقل والشحن، ما يعزز حضور الصادرات الأردنية في الأسواق الخارجية، والتي تصل إلى أكثر من 150 سوقا حول العالم وتشكل نحو 90 %من إجمالي الصادرات الوطنية.
وشدد على أن تعزيز الترابطات الصناعية يتطلب سياسات حكومية داعمة تشمل تحفيز استخدام المدخلات المحلية، وتقديم حوافز ضريبية وتمويلية، ودعم البحث والتطوير، وتحديث التشريعات الصناعية.
أبو حلتم: الترابطات الصناعية ركيزة لتعزيز استدامة الإنتاج وتحصين الاقتصاد الوطني
وأكد رئيس جمعية شرق عمان الصناعية د. إياد أبو حلتم، أن الترابطات الصناعية تشكل أحد أهم الركائز التي تعزز استدامة الإنتاج الوطني، وترفع قدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات والصدمات، خاصة في ظل الظروف الإقليمية الراهنة.
وقال أبو حلتم: "الترابطات الصناعية تسهم بشكل مباشر في زيادة القيمة المحلية المضافة، ورفع المحتوى المحلي في المنتجات، إلى جانب دورها في توطين التكنولوجيا وتعزيز نقل المعرفة، بما ينعكس إيجابا على تنافسية الصناعة الوطنية".
وأوضح أن هذه الترابطات تسهم في بناء سلاسل تزويد محلية متكاملة، سواء من خلال الترابطات الخلفية المرتبطة بتوفير المواد الخام، أو الترابطات الأمامية التي تركز على تعظيم القيمة من خلال التصنيع اللاحق، مؤكدا أن أي اقتصاد يسعى إلى تحقيق حد أدنى من الاكتفاء الذاتي لضمان استقراره.
وأضاف، إن الاعتماد على الذات يمثل عنصرا أساسيا في بناء اقتصاد قوي ومتين، لافتا إلى أن الاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد والخدمات تكون أكثر عرضة للتقلبات والأزمات، سواء كانت سياسية أو عسكرية أو صحية كما حدث خلال جائحة كورونا.
ولفت أبو حلتم إلى أن الصناعات الوسيطة في المملكة، مثل التعبئة والتغليف والصناعات البلاستيكية، حققت تقدما ملحوظا، حيث أصبحت تخدم العديد من القطاعات الصناعية، مستقطبة استثمارات تتجاوز ملياري دينار، وتشغل أكثر من 15 ألف عامل، فيما تجاوزت صادراتها المباشرة وغير المباشرة 400 مليون دينار.
وفيما يتعلق بالصناعات الكيماوية، بيّن أبو حلتم أن العديد من المصانع الأردنية انتقلت من مرحلة التعبئة إلى تصنيع المواد الفاعلة، ما يعزز القيمة المضافة، ويوطن التكنولوجيا، ويسهم في خلق فرص عمل، إضافة إلى توفير مخزون آمن من المواد الخام وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
وأكد على أهمية استغلال الموارد الطبيعية التي يتمتع بها الأردن، وعلى رأسها الفوسفات، من خلال التوسع في الصناعات التحويلية المرتبطة به، بدلا من تصديره كمادة خام، بما يسهم في رفع العوائد الاقتصادية وتعزيز النمو والاستدامة.
كما أشار إلى فرص التوسع في الصناعات المرتبطة بالبوتاس والمواد الكيماوية، وكذلك الصناعات الغذائية، رغم التحديات التي يواجهها القطاع الزراعي، خاصة فيما يتعلق بندرة المياه، مؤكدا أن ذلك لا يمنع من تطوير سلاسل إنتاج غذائي متكاملة.
وبيّن أن الصناعات الهندسية والمعدنية تمثل أيضا مجالا مهما لتعزيز الترابطات الصناعية، من خلال استيراد المواد الخام وتصنيعها على مراحل وصولا إلى منتجات نهائية ذات قيمة عالية، فيما يُعرف بالتعقيد الصناعي.
الترابطات الصناعية تسهم في تقليل العجز في الميزان التجاري
وشدد أبو حلتم على أن تعزيز الترابطات الصناعية يسهم في تقليل العجز في الميزان التجاري، ورفع تنافسية الصادرات، خاصة عندما تكون مدخلات الإنتاج متوفرة محليا، ما يقلل الكلف ويعزز التطوير المستمر للمنتجات.
وأكد أن مفهوم العناقيد الصناعية يعد من أهم الأدوات الداعمة للترابطات الصناعية، من خلال تجميع الصناعات المرتبطة ضمن مناطق جغرافية محددة، بما يعزز التكامل بينها، مشيرا إلى تجارب دول صناعية متقدمة في هذا المجال.
ودعا إلى جعل الترابطات الصناعية في صلب السياسات الصناعية، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص لدعم هذا التوجه، إلى جانب التوسع في إنشاء العناقيد الصناعية في مختلف مناطق المملكة.
الصمادي: الترابطات تمثل حجر الأساس في بناء منظومة صناعية قادرة على الصمود
وأكد عضو مجلس إدارة غرفة التجارة الأوروبية في الأردن م. محمد الصمادي أن ما تشهده المنطقة من اضطراب جيوسياسي خلال الفترة الحالية لم يعد تأثيره محصورا في كلف الشحن أو تأخر التوريد، بل امتد ليكشف بشكل مباشر هشاشة النماذج الصناعية التقليدية القائمة على الاعتماد العالي على الخارج، مشيرا إلى أن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في قدرة المصانع على الاستمرار في الإنتاج تحت أي ظرف، وليس فقط تحقيق الكفاءة في الظروف الطبيعية.
وأوضح الصمادي، الذي يشغل أيضا نائب الرئيس لتطوير الأعمال مجموعة العملاق الصناعية، أن الترابطات الصناعية أصبحت تمثل حجر الأساس في بناء منظومة صناعية قادرة على الصمود، إذ إن المصنع الذي يمتلك شبكة توريد مرنة ومترابطة محليا وإقليميا يكون أكثر قدرة على التكيف مع الانقطاعات المفاجئة، مقارنة بالمصانع التي تعتمد على مصدر واحد أو مسار توريد طويل ومعقد.
وأشار الصمادي إلى أن تعزيز التكامل بين الصناعات المحلية لا يقتصر على تقليل المخاطر، بل يعيد تشكيل سلاسل القيمة داخل الاقتصاد الوطني، من خلال رفع نسبة القيمة المضافة المحلية، وتحويل الطلب الصناعي من الخارج إلى الداخل.
وبيّن الصمادي أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من مفهوم “سلسلة التوريد الخطية” إلى “شبكة توريد ديناميكية”، بحيث يمتلك كل مصنع أكثر من خيار، وأكثر من مسار، وأكثر من شريك.
وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى بناء أدوات عملية تعيد تنظيم العلاقة بين مكونات القطاع الصناعي، من خلال تطوير منصات رقمية تربط بين المصانع بشكل مباشر، وتكشف الطاقات الإنتاجية المتاحة، وتتيح الوصول السريع إلى بدائل محلية في حال حدوث أي انقطاع.
وأشار إلى أهمية التفكير في إنشاء مخزون إستراتيجي تشاركي للمواد الحرجة بين مجموعة من المصانع، يمكن أن يشكل أداة فعالة لتقليل المخاطر دون تحميل كل مصنع كلفة التخزين بشكل منفرد، مؤكدا أهمية ربط الحوافز الاستثمارية والتمويلية بقدرة المشاريع على إحلال مدخلات مستوردة ببدائل محلية، مما يمكن أن يسرّع من بناء قاعدة صناعية أكثر تكاملا.
وشدد الصمادي على أهمية العمل بشكل متوازٍ على جذب استثمارات نوعية موجهة تحديدا نحو الصناعات المغذية ومدخلات الإنتاج، وليس فقط الصناعات النهائية، بحيث يتم استقطاب شركات وتقنيات تسد الفجوات الفعلية في سلاسل القيمة المحلية.
وأوضح أن التركيز يجب أن يكون على الاستثمارات التي تعالج “نقاط الاختناق” الصناعية، مثل المواد الأولية والكيماويات الوسيطة ومكونات التعبئة والتغليف، بما يعزز التكامل الصناعي ويقلل الاعتماد على الاستيراد في العناصر الحرجة.
وأكد أن المرحلة الحالية تفرض إعادة تعريف مفهوم الكفاءة الصناعية، بحيث لا يكون معيار النجاح هو فقط خفض التكلفة، بل القدرة على الاستمرار والإنتاج في مختلف الظروف، مشددا على أن بناء ترابطات صناعية حقيقية اليوم يمثل استثمارا إستراتيجيا في استقرار الاقتصاد الوطني، وقدرته على مواجهة الأزمات المستقبلية بثقة ومرونة.