أسواق عربية تجذب الشركات .. ماذا ينقص بورصة عمّان؟|د.عدلي قندح
عمون-
د.عدلي قندح
انتهينا في المقال السابق إلى أن تطوير سوق رأس المال الأردني لا يتطلب إضعاف دور البنوك لمصلحة البورصة، بل بناء منظومة تمويل تستطيع فيها الشركة الانتقال بين الدين ورأس المال وفق مرحلة نموها واحتياجاتها. لكن ذلك يقود إلى سؤال عملي: كيف استطاعت أسواق عربية أخرى جذب شركات جديدة، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وتحويل البورصة إلى قناة أكثر نشاطاً لتعبئة رأس المال؟
المقارنة لا تعني أن على الأردن نسخ تجارب السعودية أو الإمارات أو المغرب؛ فحجم الاقتصادات والسيولة والتركيبة المؤسسية تختلف. لكنها تكشف مبدأ مهماً: السوق لا تتعمق بمجرد ارتفاع مؤشرها، بل عندما تنتج تدفقاً مستمراً من الشركات والأدوات والمستثمرين ورأس المال الجديد.
الإدراجات لا تأتي وحدها
تقدم السعودية مثالاً واضحاً. ففي عام 2025 سجلت السوق الرئيسية 15 إدراجاً جديداً، فيما شهدت السوق الموازية "نمو" 24 إدراجاً جديداً، إضافة إلى إدراج مباشر واحد. وهذه الديناميكية لم تنشأ من حركة الأسعار وحدها، وإنما جاءت ضمن تطوير أوسع للبنية التنظيمية والسوقية وتوفير مسارات مختلفة للشركات بحسب أحجامها ومراحل نموها.
وتكمن أهمية "نمو" تحديداً في أنها توفر مساراً للشركات التي تختلف في حجمها ومرحلة تطورها عن الشركات الكبرى. والفكرة ليست تخفيف حماية المستثمر، وإنما تصميم مسارات تتناسب مع مراحل مختلفة من دورة حياة الشركة.
وهنا يظهر الدرس الأول للأردن: الانتقال من انتظار الإدراجات إلى بناء البيئة التي تجعل مزيداً من الشركات جاهزة لها. وهذا يرتبط بما طرحناه سابقاً حول مؤشر جاهزية الإدراج: فبدلاً من سؤال الشركات عما إذا كانت تريد الإدراج اليوم، يصبح السؤال الأهم هو تحديد الشركات التي تمتلك المقومات التي قد تجعلها جاهزة لسوق رأس المال خلال السنوات المقبلة.
لكن عدد الإدراجات، مهما ارتفع، لا يكفي وحده لقياس الأثر الاقتصادي. فبعض الطروحات يتضمن إصدار أسهم جديدة تذهب حصيلتها إلى الشركة لتمويل توسعها، بينما يمثل بعضها الآخر بيعاً لأسهم مساهمين قائمين. لذلك يجب التمييز بين إدراج شركة جديدة في السوق وبين تكوين رأس مال جديد يصل فعلياً إلى الشركة والاقتصاد.
الإمارات: توسيع السوق لا رفع المؤشر فقط
تقدم الإمارات درساً آخر. ففي سوق أبوظبي للأوراق المالية بلغت القيمة السوقية نحو 3.13 تريليون درهم بنهاية 2025، فيما بلغت قيمة التداول نحو 385 مليار درهم، وشكل المستثمرون المؤسسيون نحو 78% من إجمالي قيمة التداول بيعاً وشراءً.
كما أضاف السوق خلال العام 20 ورقة مالية جديدة من أنواع مختلفة، شملت أسهماً وصناديق متداولة وأدوات دين وحقوق اكتتاب. والدرس هنا مزدوج. الأول أن سوق رأس المال أوسع من سوق الأسهم؛ فالسندات والصكوك والصناديق وغيرها توسع الخيارات أمام الشركات والمستثمرين.
والثاني أن المستثمر المؤسسي ليس عنصراً ثانوياً في بناء السوق. فصناديق الاستثمار والتقاعد والتأمين ومديرو الأصول يضيفون قاعدة استثمارية تختلف في أفقها وتحليلها عن التداول الفردي قصير الأجل.
لكن العلاقة تعمل في الاتجاهين: المستثمر المؤسسي يحتاج إلى شركات جيدة، وسيولة وإفصاح وحوكمة، والشركات تحتاج إلى مستثمرين قادرين على استيعاب إصداراتها. وهكذا تنشأ دائرة إيجابية: شركات جديدة تجذب المستثمرين، ومستثمرون مؤسسيون يشجعون شركات جديدة على دخول السوق.
وهناك عامل ثالث هو التسعير. فنجاح الطرح لا يقاس بحجم الطلب عليه في أيام الاكتتاب فقط، وإنما بقدرة السوق على الوصول إلى تقييم متوازن. فالتسعير المبالغ فيه قد يضر بأداء السهم وثقة المستثمر بعد الإدراج، بينما قد يجعل التسعير المنخفض جداً أصحاب الشركات أقل استعداداً لطرح ملكيتهم. ولذلك تحتاج سوق الطروحات النشطة إلى مستشارين أكفاء، ومستثمرين مؤسسيين، وآليات فعالة وشفافة لاكتشاف السعر.
المغرب: الدرس ليس خليجياً فقط
قد يكون من السهل تفسير نشاط أسواق الخليج بحجم اقتصاداتها والسيولة المتاحة فيها. لذلك تصبح تجربة المغرب مفيدة للمقارنة. فبورصة الدار البيضاء شهدت خلال 2025 إدراج Vicenne في تموز، وCash Plus في كانون الأول، ثم SGTM في الشهر نفسه، إلى جانب عمليات لزيادة رؤوس الأموال. وهذا يؤكد أن استخدام السوق لجذب شركات ورؤوس أموال جديدة ليس حكراً على الاقتصادات الخليجية.
ولا يعني ذلك أن التجربة المغربية نموذج مطابق للأردن، لكنها تشير إلى أن تحريك سوق رأس المال لا يرتبط بالفوائض المالية وحدها. فالبيئة التنظيمية، ووجود شركات قابلة للإدراج، وتطوير الأدوات، وإعداد السوق لاستقبال شركات جديدة، كلها عوامل يمكن أن تحرك السوق في اقتصادات لا تمتلك خصائص الاقتصادات الخليجية. لسنا بحاجة، إذن، إلى اقتصاد بحجم السعودية أو الإمارات حتى نمتلك سوقاً أكثر قدرة على توليد إدراجات جديدة.
الجاهزية وحدها لا تكفي
لكن هناك جانباً آخر كثيراً ما يغيب عن النقاش: لماذا يريد صاحب الشركة أن يدرج شركته أصلاً؟ فمالك الشركة الخاصة يقارن بين رأس المال والسيولة والتقييم والقدرة على التوسع التي قد يوفرها السوق، وبين ما يترتب على الإدراج من إفصاح وحوكمة وتكاليف وتقاسم للملكية والقرار. لذلك، فإن إعداد الشركات فنياً للإدراج لن يكون كافياً إذا لم تكن معادلة الإدراج نفسها مقنعة اقتصادياً.
وهذه نقطة مهمة بالنسبة للأردن. فالمطلوب ليس فقط وجود شركات تستوفي شروط الإدراج، بل وجود سوق تجعل الشركات الجيدة ترى في الوصول إليها فرصة للنمو، وليس مجرد انتقال إلى مستوى أعلى من الالتزامات التنظيمية.
وهنا ننتقل من مفهوم جاهزية الشركة للسوق إلى مفهوم لا يقل أهمية: جاذبية السوق للشركة. والجمع بين الاثنين هو ما يصنع تدفقاً مستداماً للشركات الجديدة.
النجاح لا ينتهي يوم الإدراج
وهناك مرحلة أخرى كثيراً ما تغيب عن النقاش: ما بعد الطرح. فإضافة شركة جديدة إلى شاشة التداول ليست نهاية المهمة. نجاح الإدراج ينبغي أن يقاس أيضاً بقدرة الشركة على استخدام الأموال الجديدة في التوسع والاستثمار، وجودة إفصاحها، وسيولة سهمها، واستمرار ثقة المستثمرين بها.
ومن هنا، فإن تقييم الشركات الجديدة بعد دخولها السوق ينبغي أن يتجاوز سعر السهم إلى مؤشرات مثل نمو الإيرادات والاستثمار والتوظيف والصادرات والإنتاجية، عندما تكون هذه المؤشرات ملائمة لطبيعة نشاط الشركة. فالمطلوب ليس زيادة عدد الرموز على شاشة البورصة، وإنما إضافة شركات تنمو بعد دخولها السوق وتستخدم رأس المال في خلق قيمة اقتصادية جديدة.
ما الذي يحتاجه الأردن؟
المشكلة في بورصة عمّان ليست نقص عنصر واحد، بل فجوة في المنظومة التي تربط الشركات الواعدة برأس المال والمستثمرين والسوق. والأردن يمتلك بالفعل كثيراً من عناصر هذه المنظومة: قطاعاً مصرفياً كبيراً، وبورصة وبنية تنظيمية قائمة، وشركات خاصة وعائلية ناجحة، ومستثمرين مؤسسيين، ورؤية للتحديث الاقتصادي تمتد حتى 2033. لكن امتلاك العناصر لا يعني أنها تعمل معاً بالكفاءة المطلوبة.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي ليس زيادة عدد الإدراجات بحد ذاته، بل إعادة هندسة المسار الذي يحوّل الشركة الأردنية الناجحة من شركة قابلة للنمو إلى فرصة استثمارية قابلة للتمويل والإدراج، وبما ينسجم مع القطاعات التي تستهدفها رؤية التحديث الاقتصادي. وهنا نعود أيضاً إلى مفهوم الهوية الاقتصادية للسوق MEII الذي طرحناه سابقاً.
فالمطلوب ليس أن تصبح بورصة عمّان أكبر فقط، وإنما أن تصبح أكثر قدرة على استقطاب وتمثيل الشركات والقطاعات التي تقود تحول الاقتصاد الأردني. وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية من الإجابة السريعة: كم شركة أردنية يمكن فعلياً إعدادها لسوق رأس المال خلال السنوات الخمس المقبلة، وكم رأس مال جديداً يمكن لهذه الشركات أن تستقطبه لتمويل النمو والاستثمار؟ الإجابة لا تحتاج إلى مبادرات متفرقة، بل إلى نموذج متكامل، بمؤشرات وأهداف ومسارات تنفيذ قابلة للقياس. وهذا هو الانتقال المطلوب: من سوق تنتظر الإدراجات... إلى منظومة تصنع الجاهزية.